Al Jazirah NewsPaper Friday  08/07/2007 G Issue 12701
متابعة
الأحد 23 جمادىالآخرة 1428   العدد  12701
مراسلات فكرية مع الشيخ عبد العزيز التويجري (2-2)

سعادة الأستاذ خالد المالك

رئيس تحرير جريدة الجزيرة المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد

وفاء لفقيدنا المرحوم - بإذن الله تعالى - الشيخ عبد العزيز التويجري وإيماناً برحابة منبر جريدة الجزيرة التي تميزت بتغطية مآثر الرجل بعد وفاته، آثرت منبركم لنشر هذه المراسلات الخاصة بيني وبين الشيخ التي أثارها كتابه (ذكريات وأحاسيس نامت على عضد الزمن) الذي تفضل بإهدائه إلي فوجدت في الكتاب ما شجعني على محاكاة أحاسيسه الجميلة فرحا بما كشفه فيها من تأملات ومراجعات، تعكس في مضمونها خلاف ما يروجه عنه خصومه المرجفون، فكانت تلك المراسلات الصادقة بيننا التي بدأت برسالة خاصة جداً صارحته فيها مصارحة أخجلني بتقبلها بصدر رحب ولا أرى نشرها وفاء وتقديراً له، على الرغم من أنه لم يعترض على فكرة نشر جميع الرسائل، ثم توالت المراسلات المرفقة لسعادتكم التي كشف فيها مزيداً مما يجول في صدر من أنهكته السنون وتخطفته المنون، فكان أن صاحبته طيلة السنوات الخمس الماضية لا يكاد يمر شهر دون لقاء في بيته صحبة من يصدق صاحبه ويصدقه ويستفيد من تجاربه وخبراته على ما يرضي عنا ربنا جل وعلا.

أطلب من سعادتكم التكرم - مشكورين - بنشر هذه الرسائل بجريدتنا الموقرة، رغبة مني ومنه مؤكداً لسعادتكم أنني قد استأذنته بنشرها جميعاً بحضور أبنائه فأذن لي دون تردُّد، لكني أجّلتها لمثل هذه الأيام عسى أن يقرأها من يضفي على رفاته مزيداً من الترحم والدعاء، شاكراً لكم حسن تعاطيكم مع الحدث الجلل رحم الله الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى.

وتقبلوا خالص تحياتي.

أخوكم/ محسن العواجي

4-6-1428هـ

التاريخ: 22-8-1421هـ

شيخي الكريم معالي الشيخ/ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري

سلّمه الله من كل مكروه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد

أيها الشيخ الكريم:

أعترف مسبقاً بقصوري عن مجاراة من يغرف من بحر الأدب مثلك، بعد أن تعبت من نحت الصخر لكي أرد بمثل ما حياني به شيخي الموقر، ففكرت بالانتقال من المكاتبة إلى المشافهة بعد أن تمت هذه التوطئة المباركة، ولكن ومرة أخرى يتحفني شيخي برسالته الكريمة والمؤرخة بـ21-8-1421هـ فكان لابد من رد التحية، ليس بأحسن منها كما أتمنى ولكن على الأقل بمثلها لمن أضفى عليَّ مالا أستحقه من ثناء وإعجاب، من جميل البديع وحسن البيان الذي خطته يمينه الكريمة ورسمه بمداده المدرار، فلم أستطع كبح مشاعري بعد القراءة، لا سيما والاستثارة من قبل أديب لامع وخبير متمرس ومجرب طوى عقود عمره المديد الذي كان وما زال يجمع بين نضج الشيوخ وحيوية الشباب، ولولا عجلة التاريخ الدائرة لا محالة لعد من طليعة شباب العصر فكراً وثقافة وحيوية، ولله در ابن الجهم إذ يقول:

لجلسة مع أديب في مذاكرة

أنفي بها الهم أو أستجلب الطربا

أشهى إليَّ من الدنيا وزخرفها

وملئها فضة أو ملئها ذهبا

شيخي الكريم:

لو أن التمني يغني لتمنيت أن لو كنت عرفتك مبكراً، فلعمري لقد حرَّكت في نفسي ما سكن فيها طوعاً أو كرهاً، وسكَّنت فيها ما تحرك طوعاً أو كرهاً.

وكيف لا آنس بكتابك ورسائلك ومجالستك وقد كنت يوماً من أيامي الماضيات بحلوها ومرها، أتأمل أوراق شجري الخضراء، وكنت أظنها لا تساقط بهذه السهولة، فما أن هبت عليها رياح في نظر البعض أو ريح في نظر البعض الآخر حتى رأيتها تتساقط أمامي هشيماً تذورها الرياح، فلم يبق معي بعدها غير عودي وما عليه من لحاء خفيف ينشد الحياة مع دخول موسم الغيث عله يورق من جديد، ولكن بأوراق وإن كانت أقل نضارة فهي بحمد الله أصلب عوداً، ولكن لو قُدِّر لمثلي أن يتعرف على مثل شيخي هذا قبل بضع سنين فهل ستسير الأحداث كما سارت؟ لا أعتقد. أما وأنها قدر كتبه الله فقد رضينا به وتوكلنا عليه، وأما أنت يا شيخي الكريم فإني -وأيم الله- لأعتز بك معلماً ومفكراً ومجالساً ومؤانساً، ولقد قلت وجهة نظري بما لك أو عليك بعد أن تذكرت أني سأُسأل عن كل حرف أسطره هنا يوم القيامة، مما دفعني إلى ترك هامش أمان استبرئ فيه لديني وعرضي خوفاً من أن أندفع بسحر عباراتك، وصدق مشاعرك إلى أكثر مما ينبغي قوله شرعاً، جعلنا الله وإياك خيراً مما يظن بنا وغفر لنا ما سواه.

شيخي الكريم:

لقد تأثرت كثيراً ببكائك على ما فات مع جفاف الدمع كما ذكرت!! حينما تمنيت أن تكون رفيق صاحب العمامة التي لقي الله عليها؟ فرحمنا الله وإياه رحمة واسعة، ولكن: يا أبا عبد المحسن جميل منك أن تقلق وتحسب حسابات مستقبلك بهذه الطريقة المشرفة، ولكن على هذا تحديداً لماذا كل هذا القلق المبكي؟ لا تدرون أيكما أقرب إلى الله؟ وأيكما أكثر نفعاً لعباده؟ وهل عابد الحرمين كمن يعفر خيله في سبيل الله؟؟؟ ومع هذا فأقول: كلا والله، فلا ييأسن من كان الكريم مضيفه، والأعمال بالخواتيم يا سيدي، وما يدريني ويدري شيخي، فلعل الله تعالى كتب له مخالطة الناس والصبر على أذاهم فيكون خيراً ممن لم يخالط الناس ويصبر على أذاهم، كما جاء ذلك في حديث معلمنا الأول والأخير - صلى الله عليه وسلم- فرفقاً بنفسك يا شيخي العزيز من جهة، ولكن أيضاً من جهة أخرى ألمس منك همساً خفياً تحن فيه إلى بعض زخارف الدنيا ومع أنك لا تلام عليه لكن كلما تراءت لك الدنيا بخيلائها الفاني وسحرها العابر الذي نفث في عاطفة ذلك الشاعر الذي يوصي بالتمتع من شميم عرار نجد الذي أنبته الوسمي لتذروه رياح الصيف حصيداً كأن لم يغن بالأمس، تذكر النعيم الدائم والسعادة الأبدية لأن نظرنا بعيد وأملنا كبير في أن نتمتع بعرار ولا كأي عرار، ذلك العرار الذي قال الله فيه: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

أبا عبد المحسن:

كم كنت كريماً حينما شرفتنا في بيتنا، بيت شقيقي علي، بل كم كنت واثقاً من نفسك وأنت بين من لك فضل عليهم جميعاً تسمعهم ما أخجلني حياء لما أسمع من شيخ لست أنا الذي أقيمه أو أضعه في موضعه الذي وضعه فيه بعد قدر الله، تلك المآثر التي سطرها في تاريخ سيأتي بشهادته يوم القيامة بل أكثر من هذا كله، كم كنت حاتمي الطبع والمنطق والهيئة حينما قلت لنا إنك لا تعتبر الفوارق بيني وبينك في مثل هذا المقام إلا فارق السن فقط!! سبحان الله!! فارق السن يا شيخي هو الذي لا علاقة له بالمواقف والمآثر، فهو يمر على كل مخلوق متحركاً أو ساكناً ولا مفاضلة فيه، لكن أن يصل بشيخي تواضعه وإنكار ذاته أن لا يعتبر ما سوى العمر فهذا والله مالا أطيقه حياء منه ولو سولت لي نفسي قبوله ما وافقني عليه عاقل!! كلا ثم كلا يا شيخي، فوالله الذي غير نظرتي إليك مما قد لا يخفى إلى ما لا يخفى، ما أنا إلا قطرة في نهر أدبك الزلال، وزهرة في حدائق تجربتك العظيمة، وصفحة في مجلدات ثقافتك المترامية، أقولها حقاً إني لست ممن كان يطمع في الفوز برفقتك وقربك لولا كرم طباعك وحسن ذاتك وأصالة معدنك، ولكن شدني إليك بكل أمانة تلك الوقفات الشجاعة التي وقفتها مع نفسك، وقفة الصادق الأمين، فقلت مالك وما عليك قول الرجل الواثق من نفسه الذي وضع قضيته بين يدي خالقه نادماً خائفاً راجياً! فلا وربي فلن يخيبك الله، إن شاء الله.

شيخي الكريم:

كم كنت قبلك أتهم نفسي في طموحاتها واندفاعها، أعيش وحشة في فكري وقراءتي وثقافتي فأتهم نفسي، أكبتها أمنعها أحبسها خوفاً منها وعليها... لم أكن لأتصور وجود من لازمته تلك التطلعات على امتداد عقود عمره المديد قبل أن أجد نفسي حيث أدري ولا أدري واقفاً بجوار رجل لم تستوقفني أمواج فكره المتلاطمة في محيطاته الثقافية الشاسعة، بقدر ما آنستني تلك الروحانيات التي صدع بها منيباً إلى الله تعالى ليختم الله له بالصالحات بإذنه، لقد وجدت نفسي بحق معه على طريق واحد يقص علي قصص الماضي ويستقرئ لي عالم المستقبل نسير معاً، يدي في يده شرفاً، ويده في يدي كرماً، فتارة كالاشباح في سراب هجير الرمضاء، وتارة نختفي وراء ضباب الشتاء، فلا يقينا حر الصيف وقر الشتاء إلا ذلك الأمل الذي يحدونا إلى ربنا، غير أننا نسيرها خطى كتبت علينا كما كتبت على غيرنا، ومن كتبت عليه خطى مشاها، وإني لأرجو يا شيخي الوقور أن نصل يوماً ما معاً بصحبة من نحبهم إلى هدفنا المنشود، فيجمعنا البر الرحيم مع أهلنا وذوينا {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}. {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور لنتذاكر أمر هذه الفانية قائلين}{إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} (20) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) سورة الطور.

شيخي الكريم:

كم حيرتني هذه الدنيا التي توقفت أنت عندها مراراً بألوانها وتقلباتها { وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}، كم فيها من متناقضات، متغيرات، أزمات، ولا عجب فهي حياة وممات، وإن شاع بأنها حياة لقد عشت من حياتي هذه أربع سنوات ذقت خلالها طعم الحرية - بما لها وما عليها - في بريطانيا العظمى التي سبق أن حدثك عنها مجاور المقابر رحمه الله، لكن ما أن جف قدمي من أرض الحرية، حتى هبت علينا رياح الشرق العاتية من ديارنا لتقابلها بأربع سنوات أخرى عجاف، لأخرج بعدها إلى عالم آخر وبشخصية أخرى أشعر معها أن كل تحرك باتجاه مستقيم على الأقل هو في الواقع نوع من الحرية لا ينبغي التفريط فيه، مستأنساً بقول الحق تبارك: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}.

ويلي على مجتمعي هذا وويلي منه، كم أتمنى أن أراه شامخاً كالطود العظيم لا تهزه الرياح ولا تحطمه الزلازل، وكم في مجتمعنا أيضاً من الرجال ممن يكاد يحترق ضميره حزناً ألا يجد ما يفعله لينقذ سفينة يرى أنها تغرق في لجج الحضارات في قرنها الجديد، وأيم الله لو أننا استطعنا أن نجمع بين ما عند مثل شيخنا من دراية، وما عند غيره من رواية، لتعاونَّا على رفع الراية، وأعطينا لمن حولنا آية، كم من الكفاءات المخلصة في زمن ساد فيه غيرهم مع كل أسف، ليت شعري لو علم العالمون بنصحهم، وهدفهم النبيل، هل ستتركونهم في صحراء التيه يتلمسون طريقهم، يحاولون من هنا ومن هناك فمرة للقضاة يشكون ومرة للولاة يشكون.

يؤنبني ضميري أن أكتب هذا عن مجتمعي وأهل بيتي لكني أتجرع مرارته مكرها، وأقول يا ليت قومنا يدركون ما هم فيه من واقع لا يرحم أن لم يكن لهم من الله واق، لكن ويا أسفي! كم تذوقنا مرارة الجفاء ولوعات الشكوك واتهام النوايا هذا مع أنه ما منا إلا من يحب أن يرى بلده متميزاً في شتى ميادين المنافسة المعاصرة، يجمعنا بعد ديننا الهدف النبيل والهم المشترك والتطلعات الطموحة، غير أنه ومع كل أسف ترانا ونحن في طريقنا إلى هذا المجد المنشود ننقل المعركة إلى بيوتنا ونوجه الحراب إلى صدورنا.

كفى بك حزنا أن التباعد بيننا

وقد جمعتنا والأحبة دار

شيخي الكريم أبا عبدالمحسن:

لقد شرفتني فسبقتني بصدق تهنئتك لي بنفسي محسنا ظنك بشخصي الضعيف، قبل أن أهنئ بك جيلا بل أجيالا عاصروك في حياتك المتوقدة بالحيوية والمفعمة بالنشاط، وسيأتي بعدي وبعدك أجيال يقرؤون ما كتبت في ذكرياتك وأحاسيسك ليجدوك بتجربتك بينهم بلسان صدقك الذي كتبت، ومن هنا سجلت إعجابي بهذه الإنابة والرجوع إلى الرحيم الودود البر الرحيم الذي هو أرحم بنا، شبانا وشيبا، من أنفسنا وأهلينا والناس أجمعين. أبقاك الله لنا مؤنساً بصيراً في وحشتنا، فما أجمل لجوءك إلى غار حراء، هذا والله الصدق مع الذات الذي جعل لكلماتك إيقاعاً خاصاً على أوتار قلب محب مشفق، فزادك الله حرصا على التقوى وأمنك الله مما تخاف في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وكتبنا وإياك مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. إذن يا والدي الكريم: لم كل هذا القلق؟ ولم كل هذا التخوف؟ ولم البكاء؟ فإني أرجو الله أن تكون من خير إلى خير وأنت الآن في خير، فإن أمد الله بالعمر فهي فسحة للصغير والكبير لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وإن كانت الأخرى فلله ما أعطى وله ما أخذ وكل شيء عنده بأجل، وبعدها { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

وقبل أن أختم هذه الجولة المباركة مع شيخي المبارك بإذن الله، أود أن تأذن لشقيقك الصغير الذي وجد في مراسلاتك أنساً، وتعلم منك درساً، في عشر همسات صريحات رقيقات فأقول لشيخي:

الهمسة الأولى:

بالرغم من كل ما قيل هنا أو هناك كتابة أو سماعاً، فلا يخفى على شيخي الكريم أن علو المنصب ونضج العمر وأدب الحديث والوضع الاجتماعي العام قد يفرض شيئاً من المجاملة مع الشيخ التي قد تتفاوت وفق طبائع البشر في مدى وضوح الناس وصدقهم مع من هم في مقامكم، وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم، وعليه فالإنسان على نفسه بصيرة، واستفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك.

الهمسة الثانية:

من الصعوبة بمكان تجاهل سيل من الانطباعات لدى فئات من مثقفي هذا العصر حول شيخنا الفاضل أبي عبدالمحسن دونما حاجة لوقفة محاسبة حقيقية يراعى فيها الجوانب العملية بنفس الدرجة التي روعيت فيها جوانب التأملات والتنظير، وضيق الأفق عند حفنة من المتربصين بالخلق الدوائر لا يعني إغفال كوكبة من الآراء الناضجة لبعض من يكنون للشيخ كل حب وتقدير وأنا بدوري لا أعتبر هذه المآخذ مسلمات ولا أدري! أهذا جهل مني بواقع الأمة ومتابعة التغيرات، أم هو جور من الخلق في الحكم على من ابتلاه الله بالتعامل معهم؟

الهمسة الثالثة:

إن نفقد ما يطلق عليه اليوم بالمنهج الديني والمشايخي لا يعني أن التوجهات الأخرى ليست بأولى منه للنقد والتمحيص، وإنما بدأت بمنهجي نقداً لأهميته من جهة ولكوني أتشرف في نسبتي أو انتسابي إليه ولكن على بصيرة من أمري، علماً بأني لا أدعو إلى الفئوية في الدين فالجميع مسلمون في الأصل ومنهجنا واحد بلا شك، ولا يدري أحدنا أينا أقرب عند الله {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

الهمسة الرابعة:

لقد تجسدت مهارتكم الأدبية في صياغة مجموعة جميلة من الجمل المرصعة بحسن البيان وبلاغة الأسلوب، فكانت تحوي معاني في سطورها، وأخرى أهم منها بين السطور يدل عليها بعض الرموز الذكية والكلمات التي تم انتقاؤها بحصافة تدعو إلى الإعجاب بلا شك، ولقد ركزت في جميع مداولاتي مع شيخي الفاضل على الأولى بشكل أساسي، ولم أقحم نفسي في دهاليز الثانية ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه.

الهمسة الخامسة:

قد يرضى عنك الناس وقد لا يرضون، ومن يدرك هذه الغاية؟ ولكن المحك الحقيقي هو (من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس عنه).

الهمسة السادسة:

قد يستغرب مثلي هيمنة حادث فردي في مقتبل عمر شباب شيخي في المجمعة على بقية عطائه طيلة هذه العقود، وتحديداً في نظرة والدي للتيار المتدين مهما بدر من أفراده بعض التجديفات المحرجة للمتدينين الواعين قبل غيرهم، ولكن بقاء هذه الآثار طيلة هذه العقود مع رجل يملك هذه المواهب وتحمل من الناس ما تحمل، لأمر يدعو إلى الغرابة، ولكن الكمال لله سبحانه وعند جهينة الخبر اليقين. فلعل التيار الديني داخله حظه من العولمة، ومن الصعوبة حرمانه من مثل شيخي خاصة وهو في هذه المكانة الاجتماعية المرموقة والمركز القيادي المتميز في دولة مهما عصفت بها رياح النزوات والرغبات والشهوات فهي أولاً وأخيراً دولة التوحيد والعقيدة، منها بدأت وإليها تعود، ولا بد أن ينصف التاريخ كل من خدمها أو خذلها وفق هذا الأساس والله المستعان.

الهمسة السابعة:

لقد استوقفتني عبارتك (فالوحشة من الطرف الآخر والإحجام عن تبليغه برفق لا حكم لي عليه فالله وحده يحاسبه)، لقد استوقفتني، واستوقفتني!!! وما زلت واقفاً عسى أن أشافهك بشيء مما أصل إليه حيالها، هذا لو وصلت إلى شيء والله المستعان.

الهمسة الثامنة:

لقد غرست غرسا عظيما في عالمنا أيها العظيم، فنرجو الله أن تكون أشجاراً طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولكن الله الله في سقياها من هذا المعين العذب الزلال الذي بدأت ينابيعه الفراتية تتدفق في كتابك الأخير وفي مراسلاتك التي شرفتني بتوجيهها إليّ شرفك الله في الدنيا والآخرة.

الهمسة التاسعة:

لو كنت مكان شيخي لقلت لنفسي: لقد خدمتِ يا نفس في هذه الدولة خدمة ما خدمها أي مسئول قط، وحملتِ الأمانة مع أربعة ملوك متوالين، ولا يتوقع أن يسد مسدكِ أحد لا وظيفياً ولا طول خدمة مستقبلاً، فما عساكِ أعددتِ للقاء من كان مطلعاً على ما تخفين وما تعلنين؟ رحماك يا رب {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}.. { وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.

الهمسة العاشرة:

اللهم رب جبريل ومكائيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون.. أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى.. يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين أن تتقبل وتوفق شيخنا لما تحبه وترضاه، اللهم أصلحه وأصلح به وانفعه وانفع به، وأحسن لنا وله الختام واجعله خيراً مما يظن به، واغفر له ما لا يعلم الناس عنه. اللهم ارفع درجاته بتواضعه وسماعه لمخالفه، اللهم ارحم شيبته ونفِّس كربته واغفر زلته، ومتِّعنا بطول عمره على طاعتك يا أرحم الراحمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

محبكم

محسن بن حسين العواجي


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد