Al Jazirah NewsPaper Thursday  12/07/2007 G Issue 12705
الثقافية
الخميس 27 جمادىالآخرة 1428   العدد  12705

حوار بين المتنبي وحصانه

نزل أحمد بن الحسين الجعفي - الملقب بأبي الطيب المتنبي - عن ظهر حصانه بعد أن أحس بالتعب يسري في بدنه، كما أنه شعر أيضاً بأن جواده قد أدركه الإجهاد من كثرة الركض وراء سراب الصحاري العربية، فربط المتنبي حصانه إلى جذع شجرة طلح وجلس هو بجانبه يتفيأ بظل تلك الشجرة وبعدما نزع المتنبي عمامته عن رأسه، ومد ساقيه وهو ينظر إلى حصانه بدأ يتغنى وبأعلى صوته ببعض أبيات من شعره وهو ينظر إلى جواده وكأنه يخاطبه فقال:

ويوم كليل العاشقين كمنته

أراقب فيه الشمس أيان تغرب

وعيني إلى أذني أغر كأنه

من الليل باق بين عينيه كوكب

فصهل الحصان صهلة قوية اهتزت معها أغصان الطلحة، وبعد أن هز رأسه فتح فمه وقال: لقد ذكرتني يا أبا الطيب بذلك اليوم وشمسه على وشك الغروب، وأنا واقف فوق تلة ألتفت يميناً وشمالاً وأحرك أذني إلى الأمام والخلف متخوفاً بأن يطرقنا طارق، وأنت في جحرك - مكمنك - مختبئ ترتعش من الخوف، وعينيك مركزة نظرهما إلى أذني، وقد تعجبت منك وأنت إنسان عاقل وأنا حيوان جاهل ومع هذا تحميك من أعدائك حركة أذني ونظر عيني وأنت في خوف شديد! فواصل أبو الطيب غناءه وقال:

له فضلة عن جسمه في إهابه

تجئ على صدر رحيب وتذهب

شققت به الظلماء أدني عنانه

فيطغى وأرخيه مراراً فيلعب

وأصرع أي الوحش قفيته به

وأنزل عنه مثله حين أركب

فصهل الحصان صهلة خفيفة وفغر فاه وكأنه يضحك وقال: يا متنبي: لو لم أكن كما وصفت، لما تمكنت من الهروب بك عن الأعراب المطاردين لك لقتلك، وقد كنت أشق بك الظلماء عندما تدني عناني وألاعبك عندما ترخيه، ولو كنت إنساناً مثلك لباغتك في الظلماء ولاعبتك بحد سيفي. فضحك المتنبي وقال:

وما الخيل إلا كالصديق قليلة

وأن كثرت في عين من لا يجرب

صهل الحصان وقال: يا أبا الطيب أنا جنس من الحيوان فينا الضعيف والقوي والوفي مثلي أما أنت وأجناسك من الناس فلا وفاء وصداقة بينهم، ودليلي: ها أنت وحدك معي في هذه البيداء الشاسعة، أنت إنسان تتغنى بشعرك لنفسك، وأنا حيوان واقف بجانبك أحرسك.. قل لي يا متنبي: من هو الغبي أنا أم أنت؟ ضحك أبو الطيب وواصل غناءه وقال:

وجدت أنفع مال كنت أذخره

مافي السوابق من جري وتقريب

لما رأين صروف الدهر تغدر بي

وفين لي ووفت صم الأنابيب

صهل الحصان وصار يضرب الأرض بيديه ورجليه وقال: أنت أناني يا متنبي، تريد أن تملك خيلاً أصيلة سريعة مثلي حتى تفر بها عن أعدائك بني قومك من أعرابك، أليس من الغريب أن حيواناً يحمي إنساناً من إنسان؟ وأضاف أبو الطيب قائلاً:

فتن المهالك حتى قال قائلها

ماذا لقينا من الجرد السراحيب

تهوي بمنجرد ليست مذاهبه

للبس ثوب ومأكول ومشروب

صهل وضحك الحصان وقال: لقد صبرت عليك الخيل يا متنبي في ركضها بك في المفاوز - المهالك - حتى ضجرت منها، وأنت على ظهورها في عجلة من أمرك، ماض في هروبك وفرارك من بني جنسك حتى تمزقت ثيابك، وقرقر بطنك من شدة جوعك ولولا ضب أو أرنب تصيدها وأنت على ظهورها لمت جوعاً قبل موتك بيد الأعراب فقال أبو الطيب:

قح يكاد صهيل الخيل يقذفه

من سرجه مرحاً بالفز أو طربا

ضحك الحصان وقال: أي قحاحة أوعز أو طرب يا أبا الطيب.. ها أنا أصهل وأنت مقعي بجانبي تحت هذه الطلحة ترتعش من الجوع والخوف والعري! وقف المتنبي على قدميه وقال بأعلى صوته:

فالخيل والليل والبيداء تعرفني

والضرب والطعن والقرطاس والقلم

صار الحصان يصهل ويفتح فمه وكأنه يقول: يا أبا الطيب: هذا أنا أصهل، وهذا أنت تشعر، وأنا وأنت في هذه البيداء القاحلة، ألا تجحل يا متنبي وأنت تذكر الضرب والطعن، وأنت هارب منهما على ظهري! فضحك المتنبي وقال:

وخيل لا يخر لها طعين

كأن قنا فوارسها ثمام

صار الحصان يرقص ويصهل ويضحك وهو يقول: العيب ليس في الخيل الأصيلة العيب بمن يركب الخيل فإذا كانت رماح من يركب الخيل مثل عيدان الثمام التي معك ومع قومك من العرب والأعراب فلن يخر لها طعين. أنت يا أبا الطيب لم تأخذ بنصيحتي التي قلتها لك وأنا وأنت في شعب بوان حيث قلت لك: اترك عنك الغواية وتمتع بمباهج الحياة وقد ذكرت هذا حيث قلت:

يقول بشعب بوّان حصاني

أعن هذا يسار إلى الطعان؟

أبوكم آدم سن المعاصي

وعلمكم مفارقة الجنان

أ.د. عبدالرحمن بن سعود بن ناصر الهواوي


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد