Al Jazirah NewsPaper Monday  16/07/2007 G Issue 12709
مقـالات
الأثنين 02 رجب 1428   العدد  12709
حداة بلا بعير
خالد عبدالعزيز الحمادا

هذا مثل عربي أصله (الحادي وليس له بعير) وهو يضرب لمن ينتحل الشيء وليس له أهل أي من يقحم نفسه في شيء وهو لا يحسنه، أي من يتعالم وهو ليس من أهل العلم، أو من يفتي ويتفاقه وهو ليس من أهل الفتوى والفقه،

والعرب ضربت أمثلة كثيرة في هؤلاء فمنها قولهم (إنباض ولا توتير) أي من ينبض القوس ولا يوترها فقط يحركها لتصدر صوتاً، وأيضا من أمثالهم (تجشأ لقمان من غير شبع) .. كم هم المتجشئون في ساحاتنا الثقافية والإعلامية وأجوافهم خاوية جائعة من أي معلومة أو معرفة أو دراية، فإن ذهبت إلى ميدان العلم والفقه والحديث والكلام عن الله ورسوله، تجدهم هناك يفتون بملء أفواههم بلا علم ولا فقه ودون خوف ولا وجل من الله الذي سيحاسبهم يوم الجزاء، وسيسألهم عن كل صغيرة وجليلة ضللوا بها المسلمين، ولعلنا سمعنا الفتاوى الساذجة التي يصدرها هؤلاء المستأجرون مثل إرضاع الكبير وإمامة المرأة للمصلين أو مثل ما أثير حول الإمام الإلكتروني .. إلخ.

وهذا المجال مجال العلم الرباني فيه مزالق يجب على الإنسان أن يحتاط ويحذر كل الحذر، فلا يقول إلاّ عن علم ولا يفتي إلاّ عن علم وتخصص وثني ركب في حلقات الدرس وجلسات البحث والدراسة والمطالعة والحفظ والاستيعاب الوافي لجل مسائل الفقه فليست العملية سهلة وليست القضية أن أتصدر للفتوى وأبرز نفسي ويسمعني الناس وأحقق غرضي الدنيوي وينتهي الأمر، لا فالأمر أكثر من ذلك، فهناك مخاطر دنيوية وأخروية سيتحملها هذا الشخص المتفيقه وسيحاسب عند ربه حساباً عسيراً.

هذا نموذج من الحداة وليس لهم بعير وصدرت به مقالتي لمسؤولية وعظم الاشتغال به، لأنّ المفتي يحدّث عن الله ورسوله..

أما المتجشئون والبطون خاوية في المجالات الأخرى فحدّث ولا حرج، فإن أطللت على ميدان الشعر ستجد الشعراء أكثر من الشعر فكل القوم أصبحوا شعراء فما عاد هناك جمهور يستمع ويتذوق لأنّهم في حالة مخاض وانتظار ولادة قصيدة والسبب في ذلك - فيما يبدو لي - قلة وعينا بالشعر وقيمته وضعف ثقافتنا بلغتنا وبموروثنا الأدبي فلو عشنا ذلك العصر وعايشنا علماء اللغة وهم يجمعون الشعر ويحفظون قصائد الشعراء وكلهم إجلال وتقدير لهؤلاء الشعراء الكبار الذين تميزت عقولهم بإنتاج روائع الشعر ولو اطلعنا على القصائد والأبيات الجميلة التي ينظمها علماء اللغة مثل الأصمعي وخلف الأحمر وحماد الراوية والمفضل الضبي وأبو عمر ابن العلاء .. وغيرهم كثير من علماء اللغة لرأينا كيف أنهم احترموا الشعر وأعطوا أنفسهم قدرها فلم يتجاوزوا بضاعتهم اللغوية ولسان حالهم يقول: نحن لها فنحن أهل التخصص (وهاضمين الشغلة) وأصبحوا يصدرون القصائد ويقيمون الأمسيات مثلما يفعل بعض إخواننا اليوم لا بل وقفوا وقفة إجلال للشعر والشعراء لأنهم يدركون أن الشعر موهبة وليس فقط صنعة، ولا يقصد بالموهبة أنك تستطيع أن تنظم بيتاً أو أن تعمل حالة الطوارئ في بيتك من أجل أن تخرج قصيدة هذا - فيما يبدو لي - يستطيعه كل إنسان عنده مخزون كافٍ من اللغة لا ليس كذلك .. الموهبة هي أن تستطيع وقت الحدث إصدار قصيدة كاملة أو شبه كاملة تتدفق عليك المعاني والألفاظ من كل حدب وصوب فما تعي إلا وقد جهزت أمامك قصيدة .. وحتى لا يأخذ الشعر كل حديثنا، فإنني أغلق هذه الفقرة بأنك إذا أردت أن تتعرف على جزء من الموهبة فشاهد أمسيات وحفلات المحاورة بين الشعراء الأقوياء في الشعر الشعبي مع أننا بدأنا نسمع في الآونة الأخيرة حطاً من قيمة هؤلاء وهذا النقد اللاذع لا شك أنه يأتي من شعراء الصنعة الذين يفتقدون للموهبة ولا يستطيعون أن ينزلوا لساحة المحاورة وحجتهم أن شعراء المحاورة لا يستطيعون أن يصدروا قصيدة تنطلق من فكرة وتتسلسل تسلسلاً موضوعياً وفيها عاطفة الشاعر وروحه وهذه الحجة لها نسبة من الصحة لكنه ليس عجزاً منهم، بل انشغالهم وازدحامهم وكثرة الحفلات هي التي أبعدتهم عن ذلك والمعادلة القاصمة لهؤلاء وأقصد المتطفلين على الشعر هي أن كل شاعر محاورة قاصد (أي ينتج قصيدة) وليس كل قاصد محاوراً.

أما المتجشئون في ميدان الثقافة والكتابة والظهور الإعلامي فهؤلاء كثر ولعلنا اليوم نشاهد كثرة المتطفلين على الثقافة والذين يحاولون جاهدين أن يحشروا أنوفهم وأن يظهروا أنفسهم للناس بمشاركات ثقافية لا نعلم من أين مصدرها .. بل تطور الأمر إلى دفع الأموال الطائلة من أجل أن يحصل على شهادة دكتوراه غير مضمونة المصدر ولا يعترف بها التعليم العالي أصلاً، والغريب في الأمر أن العملية مسعّرة، فكلما تدفع أكثر تحصل على شهادة أكبر، فالماجستير بسعر معيّن وإن كان عندك بحث اجتهدت فيه أثناء دراسة الثانوية فهو مقبول فالمهم كم تدفع!! أما الدكتوراه فباستطاعتك أن تحصل عليها سريعاً ولو لم تحضر ماجستيراً، فقط زد في السعر وابحث عن البحث الذي تشاء .. أنا أستغرب أين التعليم العالي عن هذا العبث واستنزاف أموال الناس .. نحن لسنا ضد أشخاص بعينهم ولسنا ضد مؤسسات بعينها .. نحن ضد عبث يمارس بين أظهرنا ويمرر علينا ويسوق أمام الناس ويبخس الناس حقوقهم فهناك دكاترة كافحوا وبحثوا واجتهدوا حتى بعضهم تغرّب عن وطنه وأولاده سنوات من أجل أن يحضِّر ويحصل على شهادة الدكتوراه وعندما أراد أن يقطف ثمار جهده وأن يحصل على مكانته اللائقة بين أفراد أمته ووطنه، يجد أن هذه المؤسسات الزائفة تلبس على الناس وتستنزف نقودهم وتمنحهم ألقاباً قد لا يستحقونها فيتساوى الاثنان ويغيب عرق السنين تحت مسمَّى (الدال)، فهذا المكافح المجتهد اسمه الدكتور فلان وذاك الذي اشترى الدكتوراه ببحث آخر سنة في الكلية اسمه الدكتور فلان .. وأنا من هذا المقام أطالب وزارة التعليم العالي بأن تناقش الأمر مع وزارة الثقافة والإعلام وأن تطالب وسائل الإعلام بأن تتحقق من هذه الألقاب حتى لا نروّج للعبث وحتى ننزل الناس منازلهم.

***

سطور أخيرة:

نحن مع الإنتاج ومع بذل الجهد والإبداع، ونتمنى لكل مكافح ومجتهد كل خير، لأنّ كفاحه سينعكس علينا إيجاباً لا سلباً .. لكننا ضد العبث وترويج السخف، ولسنا مع الكسل وتقديم الاسم والنفس قبل الإنتاج والإبداع، لأنّه سيعود علينا سلباً لا إيجاباً.

بريدة/ماجستير في علم اللغة التطبيقي

alhamada1427@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد