Al Jazirah NewsPaper Thursday  19/07/2007 G Issue 12712
محليــات
الخميس 05 رجب 1428   العدد  12712
إلى متى نحتسي البحر
سياحية داخلية.. هل جدة غير؟
د. فوزية عبدالله أبوخالد

كلما وصلت مطار الملك عبدالعزيز بجدة أتذكر وعدي السابق لنفسي بأن أكتب عن حالته البائسة علّ من يعجل بوعد الانتقال إلى مطار جديد يليق بعاصمة الموانئ وملتقى ضيوف الرحمن.

فحين أسير في هذا المطار المزدحم دائماً بالبشرية بألوانها وأجناسها وطبقاتها من تشاد حتى واشنطن.. ومن (كولومبيا) حتى يوكوهوما الضاج بالأمزجة المحتدة والروائح المختلطة واللغات المتعددة إلى رصيف المواقف تصفعني القصائد الرومانتيكية التي كتبت عن مدينة جدة. وأغلبها تغنى بجدة في الوجدان لا جدة في واقعها الراهن الموزع بين عدة اتجاهات عمرانية ومجموعة متنافرة من نزعات التقدم والتقهقر بين أحياءها القديمة والمستجدة.

وما بين صدمة الرطوبة (بعد هواء المطار المخفف بالمكيفات المركزية نصف المعطوبة) واصطفاف سيارات الليموزين الأمريكي ومحاولات المنافسة المستحية التي يقوم بها سائقو التاكسي الياباني (المحلي)، وبين صدى السنين وحرارة الأسفلت وتعامد الشمس واصطخاب مرافق المطار وماحوله بحركة الحجاج وأواني طبخهم وشخير رقادهم أو تثاؤب انتظارهم وانشغالهم بالتسويق أو التسوق، تنسحق تلك الصور الرومانسية الناعمة لمدينة جدة وتتناثر ملاين الشظايا التي تشبه كمين الغام، لتكشف في جدة وحشتها الطازجة وجمالها الوحشي الذي ما تخيله رومانسي أو سريالي بها هام بجدة في قصائد الشعراء أو في الكتب أو في أحاديث السياح العابرين إلى المحطات الأبعد أو في ذهول من لم يروا من باريس إلا عنيزة، ولم يروا من فرنسا إلا الشانزليزيه.

وأراني أمام الواقع ينسل في حواسي مثل سم مصفى يقشع بخار كأس مغبشة من اللحظة الأولى التي تهاجم رائحة البحر روحي أسأل الذين لا يرون في جدة إلا عروس البحر مثل ربات الأساطير لا تفقد شبابها ولا يشيب شعرها ولا يقوى على التحرش بها البحارة، أراني اتساءل في الذين لا يرون في جدة إلا الكورنيش والمجسمات الجمالية ومراكز التسوق الفارهة ونيون الإعلانات الباهظة على الطرقات، والكازنيوهات أو باعة التسالي من البليلة إلى الذرة والمكسرات إلى باعة الفول والترمس والنافع الله يا حلبة!!

كيف يمكن أن نفتتن بنمنمات المجسمات الجمالية دون أن نشعر بتنميل إرهاق الأصابع التي نحتت حجارتها.

كيف يمكن أن تحضرنا جدة دون أن نستحضر شدتها وماضيها الذي لا تظهره الكاميرا، بما فيه الكفاية، في مجسم الدوارق والزير وجرة الفول أو في مركاز القهوة والجراك المعسل أو في (أربطة الولايا) المرممة والشقق المفروشة أو فنادق الدرجة الأولى.

كيف نواجه جدة، نعد عروق عنقها، نحدد علاماتها الفارقة، نندهش بغمازة خدها.. إذا لم تجذبنا إلا الواجهات.

وكما لا يستطيع (النيويوركي) أن لا يرى في نيويورك إلا تمثال الحرية أو مبنى الأمم المتحدة ويغض وحشتها الكاسرة في زحمة ساحة روكفلر.

كما لا يستطيع الفلاح إلا أن يميز بين خضرة الحصاد ودودة الخضرة...

وكما لا تستطيع امرأة أن تقصر إحساسها لحظة الولادة على متعة أن يصبح لها أبناء، تمتد جدة في شعوري ولا شعوري من أعمتق الذاكرة والحاضر معاً، من صخب (البنقلة) وزنخة السمك و(فوط) الصيادين وجراح أيديهم التي تشبه حراشف الحوت أو الروح في شهقات الحق.. إلى باب شريف و(زنقة) المرور بحمولة النقل الجماعي، من سوق الندى وسنديان الإسكافية (مرقعي الكنادر) ونثار المكتبات الصغيرة التي صارت قرطاسيات والأزقة التي لا تنتهي إلا إلى أزقة، إلى باب مكة وزحمة المحرمين الكتف بالكتف واليد على (الكمر).

من مسجد الملك سعود وطريق المدينة الطالع، من عين العزيزية التي كانت تسقي جدة بحناطير الحمير إلى عذوبة التحلية التي كسرت ملوحة البحر، من توسعة مقبرة الرويس إلى لعبة الحجلة في الحارات إلى باب مجيد.

في مجاهل ارتجافات الذاكرة ومعالم الحاضر تجوب روحي تستلهم جماليات جدة التي لا يجربها إلا من انشطر بين جدة الرخاء وجدة الشدة.

لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 5148 ثم إلى الكود 82244

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد