من المثير للعجب، أن تكون العوامل التي تؤثر في تغيير فكر أي إنسان عوامل ظهرت فيها علامات جليّة جعلت صاحبها في مقدمة الصف الخاسر! ومثال ذلك حي وشاهد على تلك الشرذمة الذين أصروا إلاّ أن يغيِّروا فطرتهم السوية نحو الانحراف الفكري المقيت - ليس لإصلاح واقعهم وتعديل ما اعوجّ منه ولا لتوجيهه الوجهة الصحيحة، بل - لتطبيق تلك القناعات المنحرفة عن نهج النبوّة على أرض الواقع! ولو كلف ذلك أرواحهم وأرواح الأبرياء الذين حذّرنا ربُّ العزّة جلّت قدرته من التعدِّي على دمائهم! وما أُرى ذلك إلاّ بسبب عدم فطم النفس وتعويدها منذ الصغر على طاعة الله جلّ وعلا والانصياع لأوامره وتعظيم نصوصه من الكتاب والسنّة بمعناهما الصحيح وتلمس ذلك لدى علماء الأُمّة الذين أجمع الناصحون على إمامتهم وعلمهم وورعهم مهما كان ذلك قاسياً على التوجُّهات الشخصية والقناعات المنهجية الزائفة، وفطم النفس على ذلك دليل على توفيق الله تعالى للعبد وإرادته به خيراً، ونسي أو تناسى أولئك الشرذمة الطَغَام أنّ من أهم المهم أن يفهموا معاني النصوص بمقتضى حقائقها الشرعية، وقرائنها المرعية، ومقاصدها الإلهية، فزلّوا وهلكوا وأهلكوا، وأغفلوا أنّ التمسُّك بالسنّة له آثاره الحميدة، وثماره الطيبة التي تورث الخير لصاحبها في الدنيا والآخرة وإن كانت ثمرة ذلك غائبة عن إدراك المخلوق، وأنّ الإنسان ضعيف بعقله ضعيف ببدنه، ضعيف بنفسه إن لم يتقوى بخالقه ويطلب منه العون بأن يلهمه الطريق الرشاد، ولحكمة إلهية جهلوا كيف يجنون بجهلهم القبيح للدين الممزوج بالهوى والحقد والتعالم على أُمّة الإسلام فزجّوا بها في سراديب مظلمة ألهتها عن أمرها الأعظم ومهمتها الكبيرة، تعطّلت بسببها الدعوة إلى الله في كثير من الأمصار، وأُهلكت من جرائها أنفس مسلمة بريئة، وأموال وممتلكات عامة! ومن العجب أنّك لا تجدهم إلاّ من عُنوا بقول الرب جل وعلا {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}وإنّك إذا تأمّلت وإيّاي الأسباب الرئيسة والأمور الحقيقية التي أدت إلى هذه المآسي، وتلك المراحل المؤلمة بمنظور شرعي تأصيلي صادر عن التوجيهات الربانية بالفهم السلفي الناصع النابع من التصوُّر الدقيق والبصيرة النافذة لمراد النصوص لعلمنا أنّه يقول الحق جل وعلا {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}وقوله جلّ وعلا {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ }وصادر أيضاً من الاستحضار الحقيقي لخطر التهاون بأمر التوجيهات النبوية في أمر الأُمّة ووحدتها وجمع كلمتها، لرأينا - والحق يقال - المخالفة الصريحة لتلك التوجيهات من عدد غير قليل من أولئك الشباب وغيرهم، وكانت لبنة تلك المخالفة غير موجّهة لما ورد من نصوص ووحي! بل كما هي عادة الشيطان الرجيم في إغواء بني آدم، فكانت البداية الاستهانة بأمر علماء هذه البلاد المتمثلين بهيئة كبار العلماء، وهي تركة ورثها أولئك النفر ممن استضافوهم ولقّنوهم خارج هذه البلاد، والحال لمتتبعه شاهد لذلك، فماذا وجدت هذه الأفكار في أنفس شبابنا؟ لقيَتْ هوى متبع وشهوة دنيا وحب للتسلُّط ووصاية على الخلق! وتصامُم عن الأحاديث النبوية التي تشدد على احترام العلماء وحفظ مكانتهم وصيانة شأنهم، كحديث (أنهم ورثة الأنبياء) وحديث (أنهم زينة الدنيا) وحديث (أنهم كالنجوم في السماء) والأثر (أن لحومهم مسمومة)، وكان البعض منا - والحق يقال - يستهين بمن ينهى عن الاستهزاء بهم والتنقص منهم والقدح فيهم، وظهرت تلك الأوصاف والنعوت المقيتة تجاه علمائنا التي كان من أقبحها أنهم غائبون عن الواقع! .. إلى آخر السم الزعاف الذي أودى بكثير من أبناء المسلمين إلى الهلاك الفكري الذي تبعه الهلاك الجسدي المتعدي، ولا أظن أنه يغيب عن فكر كل لبيب أنّ القدح في حاملي الفكر قدح في فكرهم وفهمهم وهذا هو المقصود وما أرادوا إلاّ إيّاه! وقد تمثّل فيهم - وللأسف - التوجيه الصهيوني في (بروتوكولات حكماء صهيون) حيث قالوا: (وسنبث الاستهانة والحط من قدر رجال الدين - كما يسمونهم - حتى إذا سقطوا سقطت مرجعية الدولة فعمّ الفساد وانتشرت الفوضى) .. كنا نلجأ في حل أزماتنا التي واجهتنا في سنين مضت إلى عقولنا الضعيفة التي تكاد تكون مفلسة من التصوُّر الصحيح لحل النوازل ومعالجتها، وإلى أناس لم يعرفوا بطول ممارسة مع العلم وطلبه بالوجهة الصحيحة والفهم السلفي الناصع، بل كنا نستعين بأناس لم يُعرَفوا إلاّ بإعلان القدح والسب والشتم لولاة أمر هذه البلاد من رؤوس المنابر ومقاعد المحاضرات، وكانوا يقرنون بذلك الركن الثاني من أركان انحرافهم وهو القدح في علماء هذه البلاد بطريقة غير صريحة تؤدي إلى ما يريدون كما قال قائلهم في بيت الله الحرام أثناء تجمع حوله: إنّ هيئة كبار العلماء مختصة بأمور الفتاوى الفقهية فقط دون أمور الأُمّة العظام!! في مثال حي على جهله وضلاله بواقع حقيقة الفقه وأن من كان عالماً بالأولى صار بالطبع عالماً في الثانية، فحسبنا الله ونعم الوكيل، فنبتت نبتة التعالم في قلوب أتباعهم ممن غُرِّر بهم والتي لو نطقت لقالت في علماء الأُمّة: نحن أولى منهم بمقام الفتيا والقيادة الشرعية! مما أدى إلى تصدِّي بعض الجهّال والمجانين للبت في أمور الأُمّة الخطيرة!؟ وكأنّ أُمتنا جرداء من علماء ناصحين صادقين تبرأ بهم الذمم حسبهم ذلك .... بثٌ للشر، ونشرٌ للفرقة، وتوهينٌ وإبعادٌ للأُمّة عن مصدر عزّتها وسيرها على النصوص بفهم سليم، بعد ذلك ماذا سيكون النتاج؟ وكيف سيكون المآل؟ فتاوى تخرج من مصادر لا حد لها! وبدع تُقر! وأن السكوت لا تبرأ به الذمم!؟ ... إلى آخر ما ظهر من جرأة على الفتيا ممزوج بجهل قبيح ينبئك عن المدى الذي وصلوا إليه في بُعدهم عن منهج سلف الأُمّة وأهل الحق فيها مما يدمي قلب الغيور، ورأينا نتاج ضعفنا في مقاومة تلك الأفكار المخزية وتخاذلنا تجاه النصوص النبوية وعلمائها رأيناه من أولئك النشاز إنكار طريقته انفجار! وأسلوبه شباب همهم تشريك المركبات لإهلاك عباد الله! ومن الأسباب الكبيرة التي تكاد تكون في مقدمة الأمور التي أدّت إلى ظهور هذا الفكر الشيطاني الهالك وهو سبب رئيس: الإهمال المتعمّد لعشرات النصوص الصريحة الصحيحة المجمع على فهمها في حفظ هيبة ولاة أمر المسلمين، أخي القارئ الكريم لن تضمد جراحنا بدون مادة مطهرة بيدٍ صادقة تعالج بشكل صحيح، والشفافية العميقة هي التي تقود للعلاج والترياق النافع بإذن الله، فهل كنا في مجالسنا إذا سمعنا من ينصحنا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أطاعني فقد أطاع الأمير، ومن عصاني فقد عصى الأمير، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جُنَّة يُقاتَل من ورائه ويُتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإنّ له بذلك أجرا، وإن قال بغيره فإنّ عليه منه وزرا)، وقول المصطفى عليه الصلاة والسلام (من رأى من أميره شيئاً فليصبر فإنّه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلاّ مات ميتة جاهلية)، وحديث (ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم .. وذكر منهم ورجل بايع رجلاً على دنيا فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يفِ) وغيرها من النصوص عشرات .. هل إذا سمعنا من يقول ذلك ارتدعنا وسمعنا وأطعنا؟ واستحضرنا هيبة النص الشرعي والحكمة الإلهية من ذلك؟ أسألكم بالله العظيم هل فيما ذُكر من نصوص تشابه أو غموض؟ أم هل ذكر العلماء أنّ طاعة ولاة الأمر وتوقيرهم والاحتساب في حفظ لحومهم وهيبتهم حفظاً لهيبة الدولة أنه سنّة؟ أم فرض كفاية؟ وهل كانت تلك المجالس التي يُتبجح فيها بذلك الكلام الرديء معدومة؟ الواقع أنّها غير معدومة .. بل منتشرة ولا تواجه بالإنكار بل بالتأييد إلاّ ممن عصمه الله برحمته؟! فمن الطبيعي أن تجرّنا مخالفة الحق للباطل، والاستهانة بأمر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام إلى العقوبة! ومن كان في سبيل الإنكار على القادحين في ولاة الأمر من الحكام والعلماء فهو وللأسف محل تنقص وتندر وقلّة الفهم والغفلة والجهل وتضييع الحق؟! وكأنّنا في شك من نصح رسول الله عليه الصلاة والسلام لنا وغيرته لحفظ حقوقنا؟ والحق يقال أيضاً فقد خطا الشيطان بالكثير خطوات واسعة حتى وصل بهم الحال إلى أن دخلوا قفصاً محكم الإغلاق سياجه الهوى، وقُفله حب الدنيا والغضب من أجلها ولأجلها، حتى صار القدح في إمام المسلمين من أهون الأمور! بل قد تسمع من يُعَد من نبلاء القوم يذكر من تفاهة الكلام وسقطه تندراً بولي أمره! وكبرت الشجرة وظهرت ثمرتها .. ضياع هيبة الدولة! واستهانة بأمنها ورجال أمنها لدى أولئك ومن رضي بفعلهم ومن جهِل خطر جرمهم! وتكفير لهم جميعاً ومن قبلهم علمائنا! ولكن ولله الحمد والمنّة لا نرى رغم ذلك إلاّ قول الحق عز شأنه {بلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}ظاهراً بادياً رغم أنوف الحاقدين، تلك تأمُّلات وجيزة في أهم الأسباب الرئيسة التي أدّت لجلب مصائب كانت بلاد المسلمين بغنى عنها وكانت حصاد سنين طويلة شارك في بذرها وسقيها أناس لم يراعوا حق الله تعالى فيمن ولوا من الطلاب المتتلمذين، ولم يراعوا تلك المقامات التي بوأهم الله إيّاها فأدوا شكرها بنشر السنّة والحق عبرها! بل عكسوا الطريق تماماً فذاقت الأُمّة شرّ فعالهم فحسبنا الله ونعم الوكيل ... أسأل الله أن يهتك ستر المعتدين، وأن يحفظ بلاد المسلمين، ويردّ كيد المنافقين والحاقدين..