Al Jazirah NewsPaper Friday  27/07/2007 G Issue 12720
الرأي
الجمعة 13 رجب 1428   العدد  12720
حالة كوكبنا!!؟
د. زيد بن محمد الرماني

في أي خلاف سياسي، كثيراً ما يفترض الناس العاديون أن الحقيقة تكمن في منطقة وسط بين الطرفين المختلفين وهو افتراض صحيح غالباً. بينما في الخلافات العلمية عادة ما يكون مثل هذا الافتراض خاطئاً.

إن هناك خلافاً منذ وقت بعيد بين دعاة الوفرة والعلماء عما إذا كان فرط الاستهلاك في الدول الغنية يمثل تهديداً خطيراً للبيئة العالمية أم لا.

مارك ساجوف في مقالته عن حالة كوكبنا: هل نحن نستهلك أكثر من اللازم؟، وقع في خطأ حين أكد على أنه لا أحد من الطرفين على صواب. وقد أساء بترويجه للفكرة الخطرة التي تزعم أن الإصلاحات التقنية سوف تحل مأزق الجنس البشري.

إن الخلاف يتجاوز ما يقوله ساجوف بكثير، ونحن بمواجهتنا لآرائه، إنما نواجه أيضاً مجموعة كاملة من المعتقدات تقوم على تطبيق سفسطائي لنمط من الجدل السياسي القاعدة فيه هي تقريب وجهات النظر والحلول الوسط.

يزعم ساجوف أن القلق من استنفاد مصادر الثروة الطبيعية ومن آثار استخدامها بالمعدلات الراهنة هو قلق في غير محله، وأن المبتكرات التقنية ستداوي أية مشكلات تنشأ عن ذلك.

وهي وجهة نظر لا يشاركه فيها المجتمع العلمي بالتأكيد. فهناك، على سبيل المثال، تحذير علماء البيئة للبشرية الصادر عام 1992م، الذي جاء فيه أن الجنس البشري والعالم الطبيعي في طريقهما إلى الصدام، وأن الناس في البلدان المتقدمة ينبغي عليهم أن يخفضوا استهلاكهم المفرط تخفيضاً كبيراً، إذا كنا نود أن نخفض الضغوط على المصادر الطبيعية وعلى البيئة العالمية.

وقد توصلت أكاديمية العالم الثالث والأكاديميات القومية الأمريكية والبريطانية والفرنسية والألمانية والسويدية والروسية والهندية مجتمعة إلى ما يلي:

إذا استمر سكان العالم في استهلاك الوقود الأحفوري وغيره من الثروات الطبيعية بالمعدلات الحالية نفسها للدول المتقدمة وباستخدام التقنيات الراهنة، فإن ذلك من شأنه أن يزيد من ضغوطنا التي لم يعد لها سند على المحيط الحيوي، كما أن النمو السكاني المتواصل يعرض البشرية لمخاطر كبيرة.. وفضلاً عن ذلك، فإنه ليس من الحكمة أن نعتمد على العلم والتقنية وحدهما لحل مشكلات النمو السكاني السريع والفقر والاستهلاك المدمر للثروات الطبيعية.

إن فرضية ساجوف إنما تقوم على سلسلة من المفاهيم الخاطئة، ومنها:

1- فرط الاستهلاك مجرد مسألة أخلاقية: إنه من الخطأ الاعتقاد أن البيئة الطبيعية تضع حدوداً ماديةً للنمو الاقتصادي، أو حسب صياغة ساجوف في نقطة أخرى (فكرة أن الاستهلاك المتزايد سوف يؤدي حتماً إلى الندرة والنفاد، التي تبدو ظاهرياً معقولة، هي فكرة خاطئة من حيث المبدأ وعلى مستوى الواقع.

فطالما المصادر الطبيعية محدودة، فمن الواضح أن الاستهلاك المتزايد سوف يؤدي حتماً إلى الندرة والنفاد.

صحيح أن هناك حالياً موارد ضخمة للغاية لكثير من الثروات المعدنية، بما فيها الحديد والفحم بيد أن الإجابة عن متى ستصبح هذه الموارد نادرة أو مستنفدة، لا تعتمد على كم المخزون من هذه الخامات بباطن الأرض فحسب، بل تعتمد أيضاً على معدل إنتاجها، وعلى قدرة المجتمعات على الإنفاق على استخراجها واستخدامها بالمعنى الاقتصادي والبيئي الصحيح.

يقول بول إرليك: إن هنالك قيوداً اقتصادية وبيئية سوف تحد من الاستهلاك بالنسبة لمعظم الثروات الطبيعية، كما ستظل هناك كميات ملحوظة من هذه الثروات باقية في باطن الأرض.

2- عند الدفاع عن الغابات المدمرة أو البرك أو الجنس البشري نقدم أفضل آرائنا حين نفكر في الطبيعة على نحو جمالي وأخلاقي في المقام الأول: قد يختلف قليل من علماء البيئة حول أهمية المنطلقات الجمالية والأخلاقية في الدفاع عن التنوع الحيوي: النباتات والحيوانات والكائنات الدقيقة التي تشاركنا الأرض. ولكن قليلاً منهم قد يؤكد بالفعل أن هذه هي أفضل المنطلقات والآراء، على ضوء الفلسفة المادية المتجهة نحو النمو التي تسود كوكبنا الآن.

وقد تعرضت فكرة أن التقنية قادرة على أن تحل محل أنظمة دعم الحياة الطبيعية كلية لاختبار فاضح أخيراً، من خلال بعثة المناخ الحيوي 2 الأولى.

ماذا كان الخطأ؟!.. من الواضح، أن الأمر قد تدخلت فيه اعتبارات وحسابات أكثر من مجرد الجماليات والأخلاقيات عند انتقاء المركبات الصحيحة من الطبيعة التي ضمَّها النظام المغلق للمناخ الحيوي 2، وما يصح على المناخ الحيوي يصح على النظام المغلق لكوكب الأرض ككل.

يقول جريتشن ديلي: لقد تعلم أصحاب المناخ الحيوي درساً مهماً ولكن بطريقة قاسية: إن البشرية تستقي مجموعة كبيرة من المنافع الجوهرية الاقتصادية والداعمة للحياة من خلال التنوع الحيوي ومن الأنظمة البيئية الطبيعية التي تحيا بها.

إن الأنظمة البيئية الطبيعية تقوم بخدمات داعمة للحياة البشرية، إذ تجعل الاستهلاك ممكناً، وعليها يعتمد رخاء أي مجتمع من المجتمعات.

3- مؤشرات الأسعار سوف تحذرنا من الكارثة: إن قدراً من الارتياح الذي يستشعره ساجوف ينبع من افتراضه الضمني أن السعر هو الشيء نفسه كالتكلفة، وإن مؤشرات الأسعار سوف تكون بالتالي بمثابة تحذير من أية مشكلات وشيكة. وهو افتراض غير صحيح، وقد أدت التفاعلات المتزايدة بين علماء البيئة وعلماء الاقتصاد البارزين إلى تبديده منذ وقت طويل.

إن التكاليف العرضية تعتبر سبباً رئيسياً لعدم الاعتماد على مؤشرات الأسعار.

4- الممكن بيولوجياً أو اقتصادياً أو سياسياً في مكان ما أو على مستوى ما، محتمل في أماكن وعلى مستويات أخرى: يعرض ساجوف بعض تطورات تقنية من حول العالم، مثل السمك المهندس وراثياً، على أنها عصا سحرية لمشكلات البيئة.

وعلى الرغم من أهمية التطورات في مجال التقنية الحيوية، فإن الأنظمة الغذائية أو الإصلاحيات التقنية المقترحة لمشكلة الغذاء في العالم قد اتضح أنها أوهام. إننا لن نطعم العالم العوالق أو الطحالب المزروعة في مياه الصرف الصحي، أو البروتينات وحيدة الخلية للكائنات الدقيقة النامية على البترول، أو لحوم الحيتان من مزارع الجزر المرجانية الاصطناعية.

يقول نورمان مايرز: هل بمقدور التقنية تقليل تأثيرات المجتمع الحديث على البيئة؟

مطلقاً، فمعدل الاستهلاك في الدول النامية ينبغي أن يرتفع إلى نظيره في أمريكا، الذي يعتبر هو المقياس، وفي ظل التقنيات الراهنة سنكون بحاجة إلى كوكبين أرضيين إضافيين لتلبية حاجات كل إنسان من الطعام والأخشاب.

إن على المرء أن يدرك أن ما هو معقول تقنياً واقتصادياً غالباً ما يكون مستحيلاً اجتماعياً وسياسياً.

5- النمو اقتصادي من شأنه إنقاذ البشرية: إن الزعم أن النمو اقتصادي والرخاء علاج للتدهور البيئي زعم قابل للمناقشة، وهو يقوم إلى حد بعيد على منحنيات كوزنيتش، التي لوحظت في دراسة بعض أشكال التلوث.

صحيح أن النمو الاقتصادي قد ساعد على تخفيف بعض أشكال التلوث الجوي والمائي.

بيد أن إنتاج الكثير من أهم الملوثات ومن بينها ثاني أكسيد الكربون، يظل في ارتفاع مع ازدياد الرخاء.

6- التقدير الاستقرائي لاتجاهات الماضي يقدم صورة واضحة للمستقبل: إن موقف اليوم موقف غير مسبوق. فبينما أخذ الجنس البشري مئات الألوف من السنين ليصل تعداده إلى 10 ملايين نسمة ها نحن نضيف الآن الرقم نفسه إلى تعداد كوكبنا كل ستة أسابيع.

وبينما كانت التأثيرات البشرية على البيئة في الماضي محدودة محلياً وقابلة للإرجاع ويمكن الهرب منها عن طريق الهجرة إلى مكان آخر، فهي الآن منتشرة عالمياً وغير قابلة للإرجاع ولا مهرب منها.

يقول جيمس سالزمان: إن جيلنا يدعم بقاءه باستنفاد الثروات الطبيعية، وساجوف في تقديره المتفائل لإمكانات إنتاج الغذاء في المستقبل إنما يتجاهل نفاد المصادر الأساسية لهذه الثروات في مجالات الزراعة والتنوع البيئي وخدمات النظام البيئي والأراضي القادرة على الإنتاج ومياه الري والطقس الجيد.

إن كبح نمو الاستهلاك لا يعني العودة إلى معيشة الكهوف أو الطهي على نار الروث المجفف، فلعقود، لم يكن تزايد الاستهلاك في الأمم الغنية مقترناً بتزايد الإشباع، كما أن الإبقاء على فقر العالم الثالث لا يعد رفاهية ولم يعد بمقدور الأغنياء تحملها.

كما أن رفع مستويات الكفاءة وخفض مستويات الاستهلاك عند كبار المستهلكين اليوم، وتبني الاختيارات الأكثر وعياً فيما يتعلق بتقنيات الطاقة وإيقاف النمو السكاني ثم خفضه تدريجياً فيما بعد، كل هذا يمكنه أن يؤدي إلى سد الفجوة بين الأغنياء والفقراء دون انهيار بيئي.

وختاماً أقول: على مدى القرن القادم وبالتخطيط الحذر، والثقة متبادلة والتعاون يمكن للبشرية أن توجد مجتمعاً عالمياً قادراً على البقاء ومتمتعاً بحياة أفضل على مستوى الأفراد والمجتمع والأمة.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد