Al Jazirah NewsPaper Friday  27/07/2007 G Issue 12720
الرأي
الجمعة 13 رجب 1428   العدد  12720

تحديات التربية في عصر التقنية
مصطفى محمد كتوعة

التقدم الغربي يقوم أساسا على العلم التطبيقي إلى جانب العلوم الإنسانية التي لا تبتعد كثيرا عن النظريات المادية، فالتعليم هناك يركز على الأبحاث والاكتشافات، ومع ذلك يتجاهل كثيرا المنظومة الأخلاقية ويعتبرها مسألة شخصية، فضعفت الأسرة بمفهوم الحرية الشخصية، التي يبثون نماذجها إلينا عبر الإعلام الفضائي العربي والأعجمي، وغزت العقول قبل البيوت كثقافة حياتية في عصر العولمة الذي يمتلك فيه الغرب صناعة هائلة للفكر والفن مع تقنية قوية تنقل تلك الثقافة للعالم عبر الأفلام والبرامج.

أخلص من هذه النقطة إلى مسألة التقدم المفرغ من المنظور الأخلاقي وضوابطه، وهذا ليس من قبيل النقد لتلك المجتمعات فهذا شأنها الذي ارتضوه وقبلوا به بل ويدافعون عنه، لكنهم يحرصون على تقدمهم العلمي، ومع ذلك هناك في المجتمعات الغربية جاليات مسلمة تدرك حساسية تلك التحديات الأخلاقية ويحرصون قدر استطاعتهم على التمسك بتعاليم الإسلام في حياتهم الأسرية والعامة ويربون أبناءهم عليها كتحصين لهم من تلك التحديات المحيطة بهم من كل جانب، وإن كانت الفضائيات العربية تصل إليهم اليوم وتربطهم بأمتهم.

هنا بيت القصيد، بأن علينا الاستفادة من التطور العلمي المتاح، وأن نأخذ بما توصل له العالم المتقدم من علوم ونظريات وأساليب تعليم، ومن احترام الوقت.. هم يحرصون على ذلك بشكل دقيق ويربون عليه أبناءهم جيلا بعد جيل لأنهم يلتزمون بسياق دقيق من النظام وأصبح ثقافة لهم، وأتاحوا للشباب مجالات واسعة لاكتشاف القدرات وتطويرها في مختلف المجالات.. فأتاحوا للشباب وللأسرة والمجتمع ممارسة التطور الذاتي، حيث الجميع جزء من هذه المنظومة في تعليمهم وأعمالهم.

كنت قبل فترة ضيفا على مجلة (النادي) ودار الحوار حول أفكار سبق أن طرحتها في مقال بصحيفة (الندوة) حول ثغرات تنشئة الشباب لدينا وغياب البرامج والقنوات اللازمة لاستثمار طاقاتهم وتأهيلهم وتنمية قدراتهم واستغلال الإجازات وأوقات الفراغ، وما أدراك من الفراغ القاتل لكل همة وعزيمة.

والحقيقة وجدت نفسي مجددا أفكر في هذا الموضوع، وإن لم أنسَه في الأساس، وإنما شعرت بحاجة إلى إعادة الطرح بشكل موسع خصوصاً أن العام الدراسي قد شارف على نهايته وستحل العطلة الصيفية بعد عدة أسابيع، وما أسرع الأيام التي تتسربل من أعمارنا وحياتنا، متع الله الجميع بالحياة الطيبة النافعة فيما يرضي الله ورسوله من صالح الأعمال.

ديننا الإسلامي الحنيف يوجهنا إلى المنهاج الأشمل والأنفع لبناء الفرد المسلم في كافة مراحل حياته ليكون نافع مفيدا ودقيقا ومنظما، ناهلا للعلم ومنتجا في العمل ومستنيرا بالهدي القويم في أخلاقه وسلوكه.. فلماذا نشكو من عكس ذلك؟! هذا يعيدنا إلى الموضوع الرئيسي وهو تربية الشباب وتنشئتهم في إطار ما وجهنا به الدين الحنيف وكمجتمع مسلم له من الخصوصية ما يستوجب التميز في بناء المواطن النافع في خدمة دينه ثم وطنه ومجتمعه، وأن يقدم نموذجا للفرد المسلم كإنسان قادر على يواكب التطور العلمي والإبداع الفكري والإنتاج العملي بكفاءة عالية، دون الركون إلى الكسل أو التراخي أو الإهمال والتهاون في الحقوق والواجبات والخلط بينها، أو الغلو والتنطع المسيء إلى الدين والمهلك للنفس والحياة والمضيع للأمن.. والأمن هو نعمة الله على هذا البلد العزيز.

أعلم أن القضية كبيرة وهي مسؤولية الجميع وليس الشباب وحدهم، إلا من أنعم الله عليه بالهداية والرشاد واستمسك بالبصيرة وألزم نفسه بأصدق أداء ما عليه تجاه ربه ثم وطنه ومجتمعه وعمله وأسرته؛ فالمسؤولية هنا مشتركة ابتداء من الأسرة وهي الأساس في كل شيء، مرورا بالمدرسة والمسجد والإعلام ودور المجتمع وصولا إلى الدولة من خلال مؤسساتها المختلفة.

إن سنوات الشباب هي مرحلة البناء، ومن ثم تتعدد جهات وأطراف التنشئة من تربية وتعليم وأنشطة وتأهيل وصقل القدرات، وقبل ذلك كله الركائز الأخلاقية التي نظمها ديننا الحنيف وأكد عليها، والأخلاق هنا ليست فقط في حلاوة اللسان وطلاوة الكلام ولين القول، وإنما الأخلاق بمعناها والأشمل في احترام كل فضيلة وكل قيمة ومبدأ إيجابي، واحترام الوقت فيما ينفع دنيانا وآخرتنا ويفيد وطننا وتطوره ويرسخ الوحدة الوطنية.

فالسعي لنهل العلم وتنمية القدرات والمعرفة والعمل الجاد، إنما هي من الأخلاق بالصدق مع الله ثم مع النفس.. وقبل ذلك كله صدق العبادة وأداء الصلاة في أوقاتها وفي جماعة كفيل بتربية النفس على الفضائل ومخافة الله في كل شيء.. فالصلاة عماد الدين وهي مخ العبادة وأساس قبول الأعمال يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، والصلاة هي الميزان الدقيق لتربية النفس على تقوى الله والاستقامة والطمأنينة في الحياة من المادة التي إن طغت تطبق على النفس فتضيق عليها الدنيا بما رحبت.. قال تعالى: (أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).

يروى أن عروساً تم تجهيزها لحفل الزفاف وقبل أن يدخل عليها زوجها طلبت إمهالها لصلاة ركعتين لله تعالى تبدأ بها حياتها الجديدة، وتركت الحضور لأداء الصلاة ومضى وقت دون أن تعود إليهم فاستطلعوا أمرها ودخلوا عليها فوجدوها قد فارقت الحياة وهي في صلاتها.. أليس في ذلك عبرة وعظة لمن شغلتهم ملهيات الدنيا ومغرياتها، فعروس أراد لها الله الخير بهذه الهداية، وكان بإمكانها أن تمنح كل وقتها لفرحها، ولكن أراد الله لها حسن الخاتمة، نسأله سبحانه حسن الخاتمة والعاقبة وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، فما بالنا والبعض -هداهم الله- يسمعون النداء ولا يلبون، ويستغرقون في لهو الدنيا ويتكاسلون عن حق العبادة، وهناك من يجد في الالتزام بوقت الدراسة أو العمل عبئا ثقيلا على نفوسهم وأجسادهم وعقولهم، والنتيجة خسران.

إن التنشئة السليمة المتوازنة تقوم على هذا الترابط الوثيق بين كل ذلك وإذا ما غرسنا هذه الضوابط لدى الأجيال لأبصروا الطريق، وما استسلموا للنفس الأمارة بالسوء وبالكسل والتهاون.

من الأثر قرأت عن ثلاث مضحكات وثلاث مبكيات، فقد قال أبوالدرداء: أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث: أضحكني مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل لا يغفل عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط ربه عنه أم راض.. وأبكاني: هول المطلع، وانقطاع العمل وموقفي بين يدي الله ولا أدري أيؤمر بي إلى الجنة أم النار؟

فهل نتدرب هذه الحقيقة التي لا مفر منها بأن نصدق القول والعمل وأن نحسن تربية شبابنا في هذا الزمن الصعب الذي أصبح فيه القابض على دينه كالقابض على جمر.. والله أسأل أن يهدي نفوسنا تقواها ويوفق شبابنا والقائمين على إعدادهم لما فيه الخير.

حكمة:

تزود من التقوى فإنك لا تدري

إن جن ليل هل تعيش إلى الفجر


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد