عقود من السنين الطوال مضت وعهود من الزمن انقضت ولا زالت الشعوب العربية ترقب بضعف وقلة حيلة ما يحدث لها وما يقع عليها وعلى ساحتها العربية من تطورات سياسية وعسكرية وأمنية خطيرة تواصل جولاتها وصولاتها على الجميع بلا رقيب أو حسيب، وتمعن في كرها وفرها مجندلة لفرسانها وأبطالها مدمرة لمنجزاتها ماحية لأقوالها لا قوة لها أو حيلة وذات الأمر ينطبق على من ينادي عليهم لوقفها على الأقل.
هذا ما يحدث في العراق المحترق، وفي لبنان الملتهب، وفي فلسطين المشتعلة وفي دارفور المصروعة، ولا يملك العرب إلا عقد الاجتماع تلو الاجتماع والقمم تلو القمم، والمشاورات مع المحادثات تلو الأخرى. لماذا يا هذا؟ لأن فحول السياسة عاجزون، ولأن موازين الأمور ومقرراتها باقية خارج حدودها، ولأن نهم السلطة والصراع عليها وعلى كراسيها لا يزال عالقاً في العقول مهيمنا على القلوب مسيطراً على الحركات والتحركات متغلغلاً في الغايات والتوجهات.
هذا منطق السياسة البيئية وقوانينها، وتلكم فروضها ونواميسها الماضية، لا بل وجميع ما لاح في فلول أفقها من سياسات حالية. ونقول أسفاً لا خير فيما مضى إذا لم يستفد منه الحاضر، ولا قيمة لما قضى أو انقضى إذا لم يلهم منه الحاضر ويستفد منه الحاضرون، فالقديم لن يكتب له الخلود إن لم يتلوه حديث وجديد يؤمن به فيصونه ويضمن استمراريته.. لكن كيف يؤمن الجديد بقديم فاشل؟ أو لقديم مهزوم؟ أو بقديم جاهل أحمق غير معلوم؟.
نعم قد يضيق البعض بعروض الحقيقة، لكن لا خير لهذا البعض إن ضاق عن الحق وكذب ومن ثم تنكر للحقيقة. وتبقى الحقيقة هي الحقيقة ساطعة كالشمس حتى وإن كابرها الإنسان لبرهة من الوقت وتنكر لها لبرهات.. ألا يعلم هؤلاء أن الإنسان صغير مهما كبر ومهما كان، وكائن من كان، بل وضعيف مهما بلغت قوته، وفانٍ في زمانه مهما طال أجل ومد في عمره، زد على ما سبق فإن الإنسان عليل مهما طال أمد صحته.. ألا يعلمون حتى الآن أن الإنسان معرض للخطيئة مهما نصح وعلم وتفقه وتعلم ومهما أخذ نفسه بالمعروف وجنبها المنكر، خصوصاً منكر السياسة ومفاسدها.
هذا إن سلمنا جدلاً إن فهم السياسة بمنطق الماضي كان ولا يزال ويبقى عسيراً على البعض مما يعني أن معضلة فهمه ستبقى أعسر خاصة بمنطق الحاضر المتقدم في المظهر ليس لكونه المنطق الذي لا لون له ولا طعم، وإنما لأن لا هوية له أو شكل. لا سبب واحد وجيه لذلك العثر والتعثر، فمنطق القوة وسؤدد الغاب باقٍ ما بقي الإنسان وتنوع واختلف بتنوع واختلافات المجتمعات الإنسانية.
لكن اين للمواطن العربي أن يدرك ذلك الواقع القديم المتجدد المواصل المتواصل طالما بقي وعيه رهين سجون بيئية عتيدة وتليدة؟ أين للمواطن العربي أن يطمئن ويهدأ دعك من أن يركن ويستقر فيما حركة السياسة الإقليمية والدولية دائرة ثائرة ناقمة عليه لا تلوي على شيء يلتوي بها بإستطراد وينوء بحملها كواهل العامة دون الخاصة في ذات الوقت الذي تجور عليه الحياة بكل شيء حتى بلغتها ومفاهيمها ومقاصدها الحقيقية.
تباً لهذا الواقع المفروض منذ القدم توارثه الأبناء عن الآباء والأجداد تنعمت ندرة بنعيمه تعيش في القمم العليا فيما تحترق بنيران جحيمه كثرة كثيرة تعيش في القيعان. نعم لم يدرك عامة العرب بعد أن من يفعل السياسة ليس كمن يرقبها، وأن من يرقب السياسة ليس كمن يفعلها ولا كمن يمارسهان لا بل ولا كمن يبرع في ممارساتها. فمن يملك السياسة ويمارسها لا يمكن أن يضر بها نفسه ناهيك عن أن يوجه حرارتها القاتلة نحو نحره، ليبقى عصياً في منأى عن شرورها طالما بقى ممسكا بمقودها مسيطراً على حركة زنادها.
لم يعي العرب حتى الآن أن من يقرأ السياسة بصوت عالي من منطق قوة ليس كمن يقرأها بسكون خافت من موقع ضعف وهوان، وذاك الفرق بين الفعل النافذ ناهيك عمن يملي رموز السياسة، وبين المفعول به أو من يكتبها مكرهاً ولا خيار له غير هذا وذلك. أخيراً من يستظهر بالسياسة على الملأ ويمعن في استظهارها عوجاً ليس كمن يملكها ويمتلكها شططاً، ولا كمن يهيمن عليها وعلى روافدها قسراً.. هذا ما بقي واضحاً بيننا وما ظهر جلياً فيما إن كان في العقول وعي ضئيل بمقدوره أن يرى ويدرك ويميز.
يقولون إن السياسة الخصبة حقاً هي التي تنفع صاحبها ولا تضره، وهي التي تقدم له ما يرضيه ويرضي عقله وشعوره، لا بل وتوحي له ما يريد ويهوى وتعيره من خصوبتها خصباً. هذا ما لا نراه ولا نجده حقاً وصدقاً في واقع السياسة العربية على الأقل تمنياً وترقباً حتى الآن فهي سياسة عواطف أبعد عن الجياشة وأقرب إلى القيافة تثور في العقول وتضطرب في القلوب وتستكين على الأيدي وتنتهي قرب الأفعال التي لم تلامس الأرض حتى الآن.