Al Jazirah NewsPaper Friday  03/08/2007 G Issue 12727
مقـالات
الجمعة 20 رجب 1428   العدد  12727
القيادة الإدارية ومؤسسات القطاع العام
د. عبد المجيد محمد الجلال

يشير مفهوم القيادة الإدارية إلى ذلك (النشاط الذي يمارسه القائد الإداري في مجال اتخاذ وإصدار القرار، وإصدار الأوامر، والإشراف الإداري على الآخرين، باستخدام السلطة الرسمية، وعن طريق التأثير والاستمالة بقصد تحقيق هدف معين).

وللقيادة الإدارية أسس ومقومات علمية ومهنية وإبداعية، اهتم علماء الإدارة بجمعها وحصرها، من أبرزها: الإلمام بالعلاقات الإنسانية، وعلاقات العمل، واللوائح والقوانين المنظمة له، وامتلاك المهارات الفنية القادرة على رسم السياسات، والخطط، ووضع الإستراتيجيات، وتحديد الأهداف، وإنجاز الأولويات، والجرأة والشجاعة على اتخاذ القرار، وتحمّل تبعاته، وبث روح الفريق الواحد في بيئة العمل، وتنمية قدرات هذا الفريق الفنية والإبداعية، ودعمه وتشجيعه لمزيد من العمل والإنتاجية، وإشراكه في المناقشة وصنع القرار، وتقسيم العمل، وتوزيع المسؤوليات، حسب التخصص والخبرة والكفاءة، والتنسيق بين الوحدات الإدارية لضمان تحقيق أعلى مستوى من الكفاءة والفاعلية، ومعالجة المشكلات، وتذليل العقبات التي تواجه بيئة العمل والعاملين، إضافة إلى تمتع القائد الإداري بالأخلاق العالية في التعامل، وتجنب الأنانية وحب الذات، والمرونة، وسعة الأفق، وتقبل النقد البنّاء، وتوخي العدالة، فضلاً عن المواظبة والانتظام ليكون قدوة لمرؤوسيه.

إنَّ القيادة الإدارية بهذه المواصفات والاشتراطات عنصر مهم من عناصر نجاح المؤسسة في توظيف كل أو معظم الموارد والإمكانات المتاحة لتنمية وتطوير قدراتها البشرية والمادية، وصولاً إلى أقصى إنتاجية ممكنة.

عملياً تفتقر غالب مؤسسات القطاع العام في دول العالم الثالث، أو الدول النامية إلى مقومات القيادة الإدارية الفاعلة، القادرة على امتطاء صهوة التطورات الإدارية المتسارعة في عالم اليوم، ما انعكس سلباً على البنية التنظيمية لهذه المؤسسات، فظلت حبيسة لنظم إدارية، وبيئة عمل متخلفة، أسهمت في استمرار تدني مستويات الأداء والإنتاجية مقارنة بمثيلاتها في الدول والتجارب الأخرى المتقدمة.

وفي التجربة السعودية، ورغم مؤشرات الإنجاز التراكمي، لخطط التنمية المتتابعة منذ عقود من الزمن، فما زالت البنية التنظيمية في معظم مؤسسات القطاع العام تفتقر إلى العناصر القيادية الفاعلة التي تنهض بالمنظومة الإنتاجية والفنية والخدمية، وتحقق المزيد من المنجزات السنوية والتراكمية، إذ إنَّ غالب القيادات الإدارية المهيمنة على هذه المؤسسات لا تخلو أن تكون إما قيادات (بيروقراطية) أسيرة للوائح والنظم والتعليمات، لا تمتلك الجرأة والشجاعة على تطوير بيئة العمل القائم، وبث عناصر الإبداع والتطوير، والرفع من قدرات العاملين، وإما قيادات نفعية (القيادة الأوتوقراطية) تهتم في المقام الأول بتعظيم ذاتها، ومنافعها، وتسخير إمكانات المؤسسة لتحقيق ذلك دون أدنى اعتبار لمتطلبات البناء والتنمية والتطوير.

وفي اعتقادي أنَّ وجود هذه النوعية من القيادات الإدارية غير الفاعلة يشكِّل أبرز معوقات عمليات التطوير الإداري، وإتقان المنتجات، وتحسين الخدمات، ويتقاطع كلياً مع التطورات المتسارعة في نظم الإدارة والقيادة، وتطبيقات الحكومة الإلكترونية التي تستهدف استعمال تكنولوجيا المعلومات لإعادة تنظيم الإدارات الحكومية عن طريق مداولة وتبادل المعلومات إلكترونياً بين مؤسسات القطاع العام ذاتها، ومع الأفراد ومؤسسات الأعمال.

إذن، وفي ضوء هذه العناصر والمتطلبات، ولأهمية الأدوار الموكولة إلى القيادات الإدارية، لرفع مستويات الأداء والإنتاجية في مؤسسات القطاع العام، ينبغي إعادة النظر في الأسس والقواعد التي بموجبها تتم عملية اختيار القيادات الإدارية، واعتماد معايير محددة تستند إلى أسس منهجية وفنية ومهنية، تؤخذ في الاعتبار عند عمليات الاختيار والتعيين، تضمن تحقق الشروط والمواصفات المطلوبة في القائد الإداري، وربط هذه المعايير بآلية للمتابعة والتقويم لقياس مهارته القيادية في مجال تحقيق الأهداف المحددة وتطوير بيئة العمل ورفع قدرات العاملين فنياً ومهنياً، وتعمل على إحلال قيادات إدارية جديدة عوضاً عن تلك التي يتضح عدم فعاليتها، بهدف معالجة أوجه الخلل والقصور، والدفع بالمؤسسة قدماً نحو آفاق التنمية والتطوير.

إنَّ الاهتمام باختيار العناصر القيادية المؤهلة والواعدة سوف يحد من التبديد النسبي للموارد والمخصصات المالية المعتمدة لمؤسسات القطاع العام، ويوجهها نحو منافذ إنفاقية منتجة، خاصة في مجالي التنمية والتطوير، بما يخدم في المحصلة النهائية أهداف وسياسات خطط التنمية السعودية في مجال التطوير الإداري وتوفير البيئة التنظيمية المحفزة للتنمية، وتحسين استغلال الموارد الاقتصادية، ورفع كفاءة مؤسسات القطاع العام.

قد تكون مسألة اختيار القيادات الإدارية المناسبة تحفها بعض الإشكالات التي قد تنتج في الغالب من تشابك المصالح والمنافع، وتباين المستوى الثقافي والمعرفي، ومستويات الإدراك والوعي، ولكن يظل الرهان والأمل في تفعيل دور الرقابة الحكومية وقنوات الإصلاح الإداري لبلورة نهج إصلاحي بأطر وقواعد فنية، تستند إلى مبررات موضوعية قوامها الكفاءة والمهارة القيادية الذاتية من أجل أن نكون قادرين على استشراف آفاق المستقبل برؤى واضحة ومحددة، ومواكبة تقنيات الإدارة الحديثة، في عالم متغير يعج بالحراك على كل الصعد.

من مأثور الحِكم:

قيمةُ الإنسانِ ما يُحسِنُهُ * أَكْثَرَ الإنْسانُ مِنْهُ أَوْ اَقَلْ. (ابن الوردي).


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد