Al Jazirah NewsPaper Tuesday  07/08/2007 G Issue 12731
محليــات
الثلاثاء 24 رجب 1428   العدد  12731

دفق قلم
مأساة التاريخ
عبدالرحمن بن صالح العشماوي

قال لي صاحبي: تجوَّلت في ديوانك (مأساة التاريخ)، وقرأته مرتين فوجدت فيه شيئين بارزين، أولهما: استخدامك لأساليب الشعر الحر فيه، وعنايتك بالصور الشعرية والعبارة الأدبية التصويرية، وثانيهما: استخدامك للأسلوب المسرحي لأنك أجريت في ديوانك كله حواراً بين (الأصوات) و(الصوت) و(الشبح) و(التاريخ) وقد أعجبني ما فَعَلْت هنا، ولكنَّ الشيء الذي أثار سؤالاً في نفسي، ودفعني إلى نقله إليك لعلي أجد الإجابة الشافية هو: حرصك في هذا الديوان على تبرئة ساحة التاريخ الإسلامي من الأخطاء، وعلى إبرازه للقارئ تاريخاً نزيهاً مثالياً دائم الإشراق، فهل فهمي هذا صحيح أم لا؟ وماذا قصدت من هذا الديوان؟ وهل تؤمن بمثالية التاريخ الإسلامي، وعدم نقده وتصويب ما فيه؟

قلت لصاحبي: أشكرك على اهتمامك، وأبدأ بالإجابة مباشرة:

في الإهداء الذي جاء في أولى صفحات الديوان ما يعبِّر عن المقصد الحقيقي من إصداره، فقد قلت في إهداء مختصر: إلى الذين يعشقون تاريخهم بعيداً عن الدسائس والأكاذيب، فأنت ترى أن جملة (بعيداً عن الدسائس والأكاذيب) تشير إلى أنني أرى أخطاء كثيرة في روايات وأخبار كثيرة وردت في كتب التواريخ والسير، وأنَّ معظم تلك الأخطاء مرتبط بالدس والتشويه والكذب، ومعنى ذلك أنني لا أرى أن تاريخنا سليم من الأخطاء؛ فهو تاريخ بشري، والبشر يخطئون، وأنني - تبعاً لذلك - لا أرى عدم نقد أخبار وأحداث التاريخ وتقويمها وتصويبها، بل إنني أميل إلى نقدٍ موضوعي منصفٍ من علماء معتبرين، يضع الأمور في نصابها. فلقد مرَّ التاريخ الإسلامي بفتراتٍ مختلفةٍ، ودول متعدِّدة، وضمَّ في مسيرته أخبار وأحداث طوائف وفرق متعددة الآراء والأفكار، والمعتقدات أحياناً؛ ما أدخل على التاريخ كثيراً من القصص والمواقف والأشخاص لا يتفق ما روي عنها مع حقيقة تاريخنا الإسلامي الناصعة، وهذا كله بحاجة إلى النقد الموضوعي الجاد. أما حرصي على تبرئة ساحة التاريخ الإسلامي مما عَلِق بها من الأباطيل والأغاليط فهو هدف مهم مازلت أسعى إليه، وأحرص على إشاعته بين المسلمين، وهو هدف حضاري نادى إليه كثير من العلماء قديماً وحديثاً، بل إنَّ بعضهم قد خطا خطوات عملية فيه كابن العربي في كتابه الشهير (العواصم من القواصم) -قديماً - وككتاب (أغاليط المؤرخين) لمحمد أبي اليسر عابدين، و(أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ) للدكتور إبراهيم شعوط - حديثاً - وكمحاولات الشاعر وليد الأعظمي في كتابه (السيف اليماني في نحر كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني)، والمحاولات العلمية الجادة للدكتور أكرم ضياء العمري في استخدام ضوابط أهل الحديث في أخبار السيرة النبوية ومواقفها، وهو كما ترى هدف عظيم يحتاج إلى عمل مؤسسي كبير.

لقد جاء ديواني (مأساة التاريخ) نفثة من القلب، أفرغتها في قالب حواري دون قصد مني إلى أن يكون (مسرحية شعرية)، فهو بعيد عن الأسلوب الفني للمسرحية الشعرية، وإنما هو حوار تخيلتُ شخوصه لأنفث من خلالهم ما وجدت في قلبي من إحساس بأن تاريخنا الإسلامي مظلوم من بعض الرواة، فكان الديوان محاولة لنصرة المظلوم، وللتعبير عما شعرت به بعد قراءة مركزة ومستمرة لكثير من مراجع تاريخنا الإسلامي الكبرى.

ولهذا بدأ الديوان بسرد بعض الأحداث التي رويت في بعض كتب التاريخ بصورة مشوهة لا تثبت أمام التحقيق، ولا تصمد أمام الدليل، ولعل أقرب مثال إلى ذهني الآن تلك القصة التي رويت في بعض كتب التاريخ عن قتل الخليفة العباسي الأول (أبي العباس السفَّاح) ثمانين رجلاً من بقايا بني أمية، من بينهم (الغَمْر بن يزيد الأموي)، وأمره بأن تُرَصَّ جثثُهم بجوار بعضها، وأمره بنشر البساط عليها وجلوسه على البساط يأكل وما يزال الأنين يتصاعد من بعض المقتولين، وهي رواية واضحة الاختلاق، وقد نسبها البعض إلى عبدالله العباسي عم أبي العباس السفَّاح، فقد أجريت في الديوان حواراً بين الصوت وبين التاريخ حول هذه القصة يخرج منه القارئ بما يؤكد له ما فيها من المبالغة والاختلاق، وهكذا في الأحداث الأخرى التي تناولها الديوان.

إن الديوان نَفْثَةٌ شعرية مرتبطة بشعور إسلامي مرتبط بنصاعة تاريخنا الإسلامي التي تمكننا من رؤية ما فيه من الصواب والخطأ بعيداً عن المبالغات والأكاذيب، هذه حقيقة الديوان، فعلك تصل إليها بوضوح لو أعدت قراءته بعد حديثك معي، مقدراً لك هذه الإثارة الجميلة لهذا الموضوع المهم.

إشارة:

قِفْ أيُّها التاريخ وقفة منصف

واسرد على أسماعنا ما كانا

www.awfaz.com

لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب5886 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد