Al Jazirah NewsPaper Sunday  12/08/2007 G Issue 12736
الاصدار الدولي
الأحد 29 رجب 1428   العدد  12736
المخرج الإيطالي فيديريكو فيلليني: حياته وأعماله

الكتاب: Federico Fellini: His Life and Work

المؤلف: Tullio Kezich

الناشر: Faber and Faber

استحوذت حياة المخرج الإيطالي فيدريكو فيلليني على العديد من كتّاب السير الحياتية الذين ألفوا عشرات الكتب عنها، وذلك بسبب أسلوبه المتفرد في الإخراج الذي ابتدعه في وقت مبكر من حياته. وكل سيرة من تلك السير الحياتية حاولت أن تقدم تحليلا حقيقيا ومتفردا عن حياة هذا المخرج الإيطالي الشهير، ولكن هذا الكتاب يتمتع بميزة لم يحظ بها سابقوه؛ وهي أن مؤلف هذا الكتاب كان صديقا حميما ومؤتمنا على الكثير من الأسرار في حياة فيلليني.

ومؤلف هذا الكتاب هو توليو كيزيتش، ويعمل ناقدا سينمائيا في جريدة (كورييرا ديللا سيرا) الإيطالية الشهيرة، وأطلق على هذا الكتاب اسم: (فيدريكو فيلليني: حياته وأعماله). وقد كان لقاؤه الأول مع هذا المخرج الشهير في مهرجان كان للسينما عام 1952م، ومنذ ذلك اليوم ظل الرجلان صديقين حتى وفاة فيلليني عام 1993م.

كان كيزيتش بمثابة الصديق الخبير والمؤتمن في حياة فيلليني، لذا استطاع أن يملأ كتابه بالعديد من التفاصيل الدقيقة وغير العادية، والكثير من اللقطات الفنية السينمائية في حياة المخرج الإيطالي الشهير، كما قدم تأريخا متفردا لحياة فيلليني من خلال أفلامه، وأورد العديد من الحقائق بأسلوب استرجاع الذكريات الجميلة لهذا المبدع والمخرج المبتكر.

ولم يقس كيزيتش طول حياة فيلليني بعدد السنوات، ولكنه قاسها بعدد أفلامه التي لا يزال الناس يتذكرونها حتى اليوم، وأفرد مساحة كبيرة لأهم الأعمال المحورية وأكثرها تأثيرا في حياة فيلليني المهنية، مثل أفلام (لا سترادا) (1954م)، (لي نوتي دي كابيريا) (1986م)، (لا دولس فيتا) (1960م)، (8 ?) (1963م)، و(جينجر أي فريد) (1986م). وقد وضع المؤلف تلك الأفلام المهمة كنقاط محورية في السيرة الحياتية لفيلليني، وتجمعت حولها العديد من الذكريات الخاصة عن حياته ومرضه وعلاقاته. ولكن على الرغم من ذلك جاءت أكثر حكايات كيزيتش تشويقا هي تلك التي وقعت في الفترة التي خلت حياة فيلليني تماما من الأفلام.

وقد ولد فيلليني في مدينة ريميني الإيطالية لأم رقيقة المشاعر ومنظمة في حياتها، وقد كانت عازمة على أن يصبح ابناها كاهنا والآخر محاميا، في حين انتهى الأمر بالأول لأن يصبح مخرجا سينمائيا، في حين عمل الآخر مغنيا، ولهذا السبب لم يتلق فيلليني أي تعليم في صباه وشبابه يتعلق بعالم السينما أو أي تدريب رسمي على هذه الصناعة.

ويقول كيزيتش إنه من خلال الخبرة والقصص الإنسانية، ومن خلال العفوية التلقائية لمدرسي فيلليني في المدرسة، تعلم فيلليني حب السينما، وهو ما دفع هذا المخرج الشهير إلى هذا العالم، ويقول عنه كيزيتش: (إنه لم يكن مثقفا في مجال ما بصفة خاصة، كما لم يهتم كثيرا بالمدرسة أو الدراسة، ولكنه كان يلتهم العديد من الصحف يوميا)، ولم يدر بخلد فيلليني أنه سيصبح مخرجا سينمائيا حتى بلغ الثانية والثلاثين من عمره.

ويقول كيزيتش إنه على الرغم من بدء النضوج الفني لفيلليني في وقت الحرب وما أعقبها من فاشية، إلا أن فيلليني ظل بعيدا تماما عن السياسية، ولم ينضم إلى جيش موسوليني، ولكنه في المقابل انضم إلى شركته لإنتاج الأفلام، كما ترك العمل في بعض الأفلام الأخرى المتعلقة بالسياسة، مثل فيلم (أوروبا 51) للمخرج روسيلليني، وقد كان هذا الفيلم يحمل رسالة أخلاقية عن الحرب.

وعلى الرغم من ذلك بدت بعض أفلامه وكأنها تخاطب موضوعات سياسية؛ مثل إعادة بناء إيطاليا، ولكن يقول كيزيتش ان ذلك بسبب أن فيلليني رغب أن يبدو مواكبا لعصره ومتحضرا، ولكنه على الرغم من ذلك كان يبدو عليه نوع من الامتعاض السياسي والاجتماعي من بعض القضايا. وقد عمل فيلليني في الصحافة في البداية، وكان ساخرا وهجائيا، وكان سبب طرده من جريدة ريميني هو أنه قد رسم بعض رسوم الكاريكاتير التي اعتبرت غير مناسبة.

وفي سن العشرين من عمره كان فيلليني قد نشر المئات من رسوم الكاريكاتير وبعض المقالات، كما كان يكتب عمودا بعنوان: (هل ستستمع إلى ما يجب علي أن أقوله؟)، وذلك في مجلات فلورنسا وروما. والعمل في الصحافة قاده إلى العمل الإذاعي، الذي قاده بدوره إلى العمل في كتابة السيناريوهات، وقاده كتابة السيناريوهات إلى كتابة القصص السينمائية، ثم انتهت به كتابة القصص السينمائية إلى أن أصبح نجما لامعا في مجال الإخراج.

ولم يغفل كيزيتش أية تفاصيل من تلك السلسلة المعقدة التي مثلت رحلة فيلليني إلى عالم الشهرة السينمائية، ففي هذا الكتاب كان كيزيتش حريصا على رسم صورة كاملة لحياة فيلليني، بل إنه في كثير من الأحيان يترك التركيز على بطل هذه السيرة الحياتية ليكرس العديد من الصفحات لتصوير الشخصيات الأخرى التي ساندت فيلليني في حياته، وأحيانا دخلت في إمبراطورية الإبداع لهذا المخرج، مثل بيانكا التي كانت مصدر إعجابه في طفولته ووصلت إلى منزلة خرافية في أعمدته الصحافية، وجيوليتا ماسينا زوجته التي كثيرا ما كانت تتخذ أدوارا قيادية في حياة المخرج الشهير، وكانت شريكة دائمة له في معظم الأحيان على الرغم من بعض حالات التذبذب في العلاقة بينهما، وهناك أيضاً روبرتو روسيلليني، الذي كان يصفه فيلليني بأنه استاذه العظيم الذي لم يعلمه شيئا، وهناك ألدو فابريزي الذي كان يعمل ممثلا مساعدا معه وبعد ذلك أصبح صديقه (غريب الأطوار)، وهناك أيضاً لوتشيانو فيسكونتي، المنافس لفيلليني والزميل له بعد ذلك.

من الناحية الفنية فإن سيرة فيلليني التي كتبها كيزيتش لم تغادر مطلقا مملكة السينما، ويوضح المؤلف أن فيلليني كان في حالة إبداع مستمرة داخل النطاق السينمائي وخارجه حتى في أثناء حياته الشخصية، التي كان يمارسها وكأنه يخرج فيلما. وحتى في تلك المقاطع التي تبدو أنها خارجة عن القصة الحياتية الرئيسة لفيلليني فإن القراء سيجدونها عبارة عن سلسلة من الروايات التي تم تغذية الكتاب بها من أجل تدعيم الركن الأساسي من السيرة الحياتية للمخرج الإيطالي. وقد قدم كيزيتش في هذا الكتاب أطيافا متعددة وديناميكية للمشاعر المختلفة والعلاقات المتشابكة من الحب والبغض بين المخرج وبين معجبيه ونقاده وزملائه المحترفين في مهنة الإخراج، ولكنه لم يستفض في حكاياتها, وحذف شخصيته الخاصة كصديق مؤتمن ومنعها من أن تدلي بدلوها في تلك المشاعر الإنسانية.

وبالنسبة لأولئك المتحمسين لأعمال فيلليني فسوف يجدون أن هذا الكتاب الذي يقص حياة هذا المخرج الإيطالي الشهير يمثل بحرا من المعلومات الثمينة والقصص الطريفة والمغرقة في التفاصيل في بعض الأحيان لحياة فيلليني، أما بالنسبة لأولئك الذين لم يقتربون من استاذ السينما الإيطالية وأعماله فسيجدونه بمثابة التقديم لحياة هذا الرجل وفنه. وقد خرج الكتاب في صورة مثيرة سوف تستحوذ على اهتمام القراء, حتى أولئك الذين يشعرون بأدنى إعجاب بهذا الفنان المبدع، كما ستستحوذ على اهتمام أولئك الذين لديهم اهتمام بتاريخ صناعة السينما العالمية.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد