Al Jazirah NewsPaper Sunday  12/08/2007 G Issue 12736
وَرّاق الجزيرة
الأحد 29 رجب 1428   العدد  12736
الأسرة العيونية نسبها ومسائل أخرى!!

يجمع الباحثون المعاصرون أنّ الأسرة العيونية التي حكمت البحرين ونجد في القرن السادس والسابع من قبيلة ربيعة بن نزار، ويختلفون في البطن الربعي الذي ينتمي إليه العيونيون، غير أن أغلبهم يشير إلى عبد القيس، في هذا المقال سنبحث انتماء البيت العيوني إلى ربيعة بن نزار.

وما يظهر لي أن أكثر من بحث بنسب الأسرة العيونية اعتمد على أشعار الشاعر علي بن المقرب، وعلى علاقة قبيلة ربيعة بمنطقة البحرين، وبرأيي أن هذا ليس كافياً لاستنتاج نسب الأسرة العيونية، وكان الأفضل إقامة دراسة جادة لتحقيق نسب الأسرة العيونية وترجيحها إلى ما هو أقرب للصواب والواقع الجغرافي والتاريخي والزمني للدولة العيونية .

فهناك ما هو مؤكد ومشهور عن نسب العيونيين، وهناك ما هو محل اختلاف، وسنلخص ما هو مؤكد عن نسب العيونيين كما يلي:

1- نسبتهم إلى (العيون) وهي بلد قائمة بنفس مسماها هذا إلى يومنا هذا، ونحن نرجح أن هذه البلدة نسبت للعائلة وسميت باسمهم وليس العكس.

2- وهناك مؤكد آخر عن نسب الأسرة العيونية وهم نسبة إلى بطن يقال له (عبد الله) والنسبة له (عبدلي) وقد ظن البعض من الباحثين أن العبدلي نسبة لعبد القيس وهو أمر خاطئ فعبدلي عند العرب تنسب دائماً لاسم عبد الله2(1) 3 - وأمر آخر مؤكد عن نسب الأسرة العيونية هو أنهم ينتمون إلى بطن يقال له (آل إبراهيم) حيث ورد اسم هذا البطن في الأشعار مما يدل أنه جد قريب للأسرة العيونية ، وبعد ذلك نستطيع القول إنهم ينتمون إلى ربيعة وهنا يجب أن يقع الخلاف في نظري، فليس الخلاف في أي بطون ربعية نزارية توجد الأسرة العيونية، بل الخلاف يجب أن يقع في انتسابهم إلى ربيعة الفرس من الأصل، حيث إن هذه النسبة غير مؤكدة، وسندلل على العوامل التي تجعلنا نشكك أن يكون العيونيون من ربيعة الفرس.

4- انتماء العيونيين إلى قبيلة بني عامر أمر مؤكد ذكره ابن المقرب في شعره، ولكن الباحثين المصرين على نسبة الدولة العيونية إلى ربيعة فسروا عامر على انها عامر عبد القيس للاتفاق مع قول الشاعر نفسه أنه من ربيعة بن نزار.

وبموجب هذه النقاط بكون عمود نسب الشاعر ابن المقرب العيوني كما يلي : محمد بن علي العيوني من بني عبدالله من آل إبراهيم من ربيعة من بني عامر، والخلاف هو ما بعد (بني عامر)، هل هو عامر عبد القيس الربعية كما يقال؟! أم هو من بني عامر قيس عيلان وهو ما نرجحه في هذا المقال كما يلي:

ربيعة العامرية هي نسب العيونيين وليست ربيعة بن نزار:

وهي ربيعة التي نرجح أن العيونيين ينتمون إليها، وسنسوق عوامل عامة تبرر لنا هذا القول كما يلي:

أولاً - في العهد العيوني ليس هناك أي ذكر لربيعة نزار او أي من بطونها عبد القيس وبكر وتغلب وعنزة والنمر، وأقصد تواجداً ربعياً ديمغرافياً بحيث ينعكس على أحداث المنطقة بوضوح، حيث كان البحرين يغص يقبائل بني عامر وجزء من قبائل اليمن وهم عائذ سعد العشيرة، ونفس هذه التشكيلة القبلية تتواجد في اليمامة تلك الفترة، بل إحداهما امتداد للأخرى، وأهم البطون العامرية الموجودة هم : بني سليم وخفاجة وكلاب وعقيل ومنها ربيعة التي نرجح انتماء الأسرة العيونية إليها.

أما ربيعة بن نزار فكانت تتواجد في تلك الفترة في شمال جزيرة العرب وتخضع لحكم قبائل ربيعة الطائية المتحكمين ببادية العرب الشمالية وكانوا على عداء مع العيونيين.

ثانياً - إشارة القاضي التنوخي المتوفى سنة 384هـ في كتابه (نشوار المحاضرة) ان بني عقيل منهم بطن يعرف ببني معاوية من آل إبراهيم كان معارضاً لحكم القرامطة في الأحساء، حيث نقل القاضي التنوخي قصة عن احد آل إبراهيم هؤلاء، وآل إبراهيم هم البطن الذي تنحدر منه الأسرة العيونية التي تمكنت من القضاء على القرامطة فيما بعد، وبنو معاوية هؤلاء من بني عامر ربيعة من بني صعصعة وليسوا من ربيعة النزارية، ولعل القرب الجغرافي والنسبي بين بني عقيل وبني عامر ربيعة جعل التنوخي يقول إنه من بني عقيل بن عامر، والقصة التي أوردها القاضي التنوخي وقعت في أواسط القرن الرابع الهجري وملخصها ينم عن بداية تمرد من بني عامر على سلطة القرامطة في البحرين، ومن المؤكد أن هذا التمرد كان بداية السلسلة التي توجت بتغلُّب العيونيين على القرامطة.

ثالثاً - عبد القيس وبطون ربيعة بن نزار الأخرى انقطع ذكرها عن المنطقة قبل الدولة العيونية، وأعني بها البحرين منذ أن حكم القرامطة أواخر القرن الثالث الهجري، ومن المعروف أن بني عقيل وعموم قبائل عامر هم القوة الضاربة للقرامطة، وهم من أنهى حكمهم، قال ابن خلدون الحضرمي في تاريخه:

(كان بأعمال البحرين خلق من العرب، وكان القرامطة يستنجدونهم على أعدائهم، ويستعينون بهم في حروبهم، وربما يحاربونهم ويقاطعونهم في بعض الأوقات، وكان أعظم قبائلهم هنالك بنو ثعلب وبنو عقيل وبنو سليم، وأظهرهم في الكثرة والعزة بنو ثعلب) أ. هـ ونظرة فاحصة لأسماء هذه البطون تؤكد لنا منطقية السياق التاريخي لعرب البحرين، وتحول ربيعة النزارية عن المنطقة وعدم تواجدها ، فالقرامطة أزاحوا ربيعة عن بلاد البحرين وهي عدو بني عامر اللدود وكانت بين الطرفين حروب مستمرة ظهرت واضحة لنا في تاريخ ربيعة منذ العهد الأموي حتى عهد الدولة العيونية.

كما أن كل أسماء البطون الربعية اختفت في حقبة العيونيين، ولم يرد عنها أي خبر، وبقي فقط اسم عنزة أو (بني وائل) وقد ورد عنهم خبر هام في شرح ديوان ابن المقرب أكد عدم صلة ابن المقرب في ربيعة.

إشارة ابن المقرب عن نفسه وفخره بقبائل ربيعة

وأغلب من يرجحون انتساب ابن المقرب إلى ربيعة نزار، إنما يستندون على شعر ابن المقرب العيوني وشروحه التي تزيد على عشرين نسخة أصحها ما عرف بالطبعة الهندية التي طُبعت في الهند سنة 1310هـ، ولم يرد فيها نسب صريح لابن المقرب سوى ادعائه انه من ربيعة بعمومها، وافتخاره بمفاخرها الجاهلية فقط ، دون إشارة إلى مفخرة أو منقبة وقعت في عهد الشاعر نفسه. والعجيب ان الباحثين المعاصرين لم يضعوا في اعتبارهم - ولو على سبيل الاحتمال - عدم صحة نسبة العيونيين إلى ربيعة الفرس، ولم يختلفوا فيها وهي الأولى بالخلاف، إنما اختلفوا في أي البطون الربعية يقع نسبهم، والشاعر علي بن المقرب إنما افتخر في أغلب شعره الموثق باسم ربيعة بعمومه ولم يحدد بطناً ربعياً بعينه، فتارة يقول يفتخر بعنزة ، وتارة بشيبان، وتارة تغلب والنمر، ولم يصرح ابن المقرب في كل شعره في حقيقة موقع عائلته بقبيلة ربيعة إلا بما يتعلق بذكره آل إبراهيم وبني عامر وهم رهطه المباشرون، كما ان ابن المقرب لم يفتخر بشعره بأي من أحداث وحروب ربيعة في عهده هو، فكل فخره كان لحوادث ربيعة الجاهلية، فهو هنا لم يكن مثل أبي فراس الحمداني أو عبد الله بن ورقاء الشيباني الصريحيْ النسب في ربيعة، فلما انتصر سيف الدولة الحمداني على بني عامر هـ ذكر ابن الورقاء قصيدة في مدح سيف الدولة وقبيلة ربيعة بهذه المناسبة، وهذا التفاعل مع الأحداث والمستجدات الربعية لم نجد له أثراً عند ابن المقرب العيوني لو كان صادقاً بنسبة نفسه وأهله إلى ربيعة الفرس.

وبالنسبة لي أرى وأرجح أن علي بن المقرب كان يفتخر بربيعة ادعاءً، وتفاخراً على عرب البحرين في عهده وهم بني عامر قيس عيلان، ومعلوم عداوتهم التاريخية مع ربيعة، ورغبة الشاعر تمييز رهطه الحكام عن عامتهم، وتشبه حالة ابن المقرب العيوني هنا حالة مشهورة ذكرها ابن خلدون في مقدمته الشهيرة:

*

ونحن نرى أن ابن المقرب العيوني الشاعر من هذه العينة التي ذكرها ابن خلدون وما أكثرها في زمننا هذا، ومما يدل أن ابن المقرب ليس من ربيعة أو يوحي بهذا الشي من شعره قوله:

وطالبتنا بنو الأعمام عادتنا

فلم تجد بكماً فيناً ولا صمماً

وقال شارح الديوان يشرح هذا البيت: بنو الأعمام يعني قبائل ربيعة بن نزار4

*، ولم يشر الشارح لانتماء

الشاعر إليهم أعني إلى ربيعة، ولم يشر أيضاً إلى أشرافهم وبطونهم التي طالبت الأسرة العيونية للمساندة ضد القرامطة على حد قول ابن المقرب، وقد يكون المعنى المراد أن الشاعر يشترك مع ربيعة في نزار الجد الأعلى (نزار) لا انه من ربيعة ذاتها.

*، الأمر الذي أدى إلى جلاء ربيعة ليس فقط عن البحرين، بل عن كافة جزيرة العرب.

ومما يؤكد أن العائلة العيونية هي عائلة عامرية قيس عيلانية هو خبر الحرب بين عرب البحرين وعرب طيء وأمرائهم ربيعة سنة 600هـ ، وقد ورد خبر هذه الحرب وتحدث عنها ابن المقرب وتفاخر بها في شعره، رغم أن لا ذكر لقبائل ربيعة الفرس فيها، وورد في شرح الديوان المقربي ما نصه وهو يتحدث عن ربيعة طيء:

(ذلك أنهم - أي آل ربيعة - جمعوا قبائل طيء وزبيد وعنين وغيرهم من عرب الشام والحجاز وساروا يريدون البحرين ودفع من بها من العرب ويملكونها دون قبائل عقيل، وأهمهم ذلك فقالوا : نبتدئ بعبادة وخفاجة ومن بالعراق من قبائل عقيل ثم ننحدر على البحرين ونملكها، فبعثوا إلى الأمير محمد بن أبي الحسين وهو بالبحرين، ونهض بعرب البحرين من عبادة وخفاجة ومن معهم من عقيل) أ.هـ

وهذا النص يدل بوضوح أن عرب البحرين هم بني عقيل بن عامر قيس عيلان وإخوانهم خفاجة وعبادة وربيعة قيس عيلان، ولو كان لربيعة بن نزار أي تواجد حقيقي ملموس لذكروا في تلك الحرب، وخاصة أن الشريف محمد بن عبد الله بن منصور بن حمزة أحد أئمة الزيدية بصنعاء كان معاصراً لتلك الأحداث، ونسب فضلها إلى عائذ أحد فروع بني عامر قيس عيلان في قصيدته المسماة ذات الفروع.

1 - باحث في التراث والأنساب.

(1) 2 من الذي استنتجوا أن العيونيين منسوبون إلى عبد القيس بدعوى أنهم عبادلة الباحث عمران العمران في كتابه (ابن المقرب حياته وشعره).

(2) 3 مقدمة ابن خلدون - المكتبة العصرية ص 125

(3)4 شرح ديوان ابن المقرب العيوني، المركز الثقافي، المجلد الثاني ص 943، تحقيق كل من: عبد الخالق الجنبي، علي بن سعيد البيك عبد الغني أحمد العرفان.

(4) 5 وبنفس شرح الديوان السابق يبقى هذا البيت الذي نقتله قول علي بن المقرب:

وحرقوا عبد القيس في منازلها

وصيروا الغر من سادتها جمماً

والغريب أن الشارح للديوان لم يشر الى عبد القيس إلا بقوله ان القرامطة جمعوا أكثر عبد القيس في محلة عرفت باسم (المحرقة) وقاموا بإضرام النار فيهم وإحراقهم، وهذه الحادثة لا نشكك بصحتها بل هي السبب في انقطاع ذكر عبد القيس النهائي عن المنطقة وضياع عمود النسب لهم، وقد أكد وقوع هذه الحادثة المقريزي المؤرخ في كتاب (اتعاظ الحنفاء في أخبار الفاطميين الخلفا)، والغريب هو إصرار محققي الديوان والشرح على نسبة ابن المقرب الى عبد القيس رغم أن شارح الديوان والشاعر نفسه لم يشيروا أبداً الى ذلك.

نايف بن غانم العنزي


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد