المخلصون الأوفياء هل نراهم بؤساء وأذلاء.. وهذه من المفارقات العجيبة في هذه الحياة، فالمخلصون دائماً يعملون بجد واجتهاد يعملون بصورة تستنزف كل دمائهم التي تجري في عروقهم وكل طاقاتهم النفسية، يعملون ويعملون حتى الثمالة وكأن العمل الذي هو أداء سلوكي وعقلي وشعوري كأنه كأس من الخمر يشربونها حتى يسكروا لكن شارب الخمر يسكر من النشوة والتحليق في سماء الواقع الذي يعيشه فينظر إليه عن بعد مزهواً مغروراً ساخراً صاخباً، أما المخلصون الأوفياء فيسكرون لدرجة أنهم يفقدون عقولهم وحواسهم من شدة إخلاصهم فيكونون في أدنى درجات النشوة أو الرضا أو السعادة، بل هي أبعد ما تكون عنهم لأنهم يكونون قد شقوا لدرجة البؤس.
المخلصون بحقٍ ناكرون لذواتهم، فلا يعطونها إلا الفتات بل بالعكس لا يعطونها إلا الجوع العضوي والجوع الشعوري. أو بتعبير آخر متنازلون ولكن متنازلون تحمل في قالبها اللفظي شيئاً من الجمال شيئاً ولو بنسبة ضئيلة من الرضا عند هذا المتنازل عن طيب خاطر وليست هكذا ولكن فقري اللغوي يحوجني إلى استخدامها مضطرة فلتكن هذه المفردة متنازلون عن كل شيء للآخرين الذين قد يكونون الأقارب، الأصدقاء، طاقم العمل، الأزواج، الزوجات، الأبناء.. ولأنهم مخلصون فقد تنازلوا بإخلاص أي أنهم تنازلوا عن جميع التفاصيل الحلوة التي يمكن أن يعيش من خلالها الإنسان وهذا التنازل يجر في طريقه فقدان أساسيات الحياة فتكون المحصلة البؤس والشقاء وليس بعيداً الإذلال!!
لماذا الإذلال..؟! لأنه بعد كل هذه التنازلات يأتي هؤلاء الآخرون يصرخون في أوجه هؤلاء المخلصين وبقوة.. لماذا يصرخون وماذا يقولون في صراخهم وعلى ماذا يعترضون لا أعرف ولكن ما أعرفه أنهم يصرخون!!
المخلصون الأوفياء يعيشون أقل من السائد العام، يعيشون محرومين (متنازلين)، كادحين (مانحين)، يبلعون الكف الأول والعاشر والأخير (صابرين) معزولين (ينقبون في الأقبية عن السعادة)، معزولين (هاربين من المصطلح الاجتماعي الناس).
هؤلاء المخلصون الأوفياء على مدى ثلاثين عاماً أو خمسين عاماً أو سبعين عاماً تجدهم يتجرعون مرارة الإذلال ممن أخلصوا لهم! تجدهم يسمعون كلمات الإقصاء والإنكار والحسبلة هل لأنهم مخلصون وأوفياء؟
لا تذهب بعيداً سيدي القارئ فمن عجائب المخلصين أنهم بعد تجرع كأس الإذلال قد يغيبون - ولا غرو لغيابهم فهناك بقايا من كرامة الذات لديهم التي في الأساس لم يدفعهم إلى جعلها مثل سجادة عتيقة يداس عليها بالأقدام إلا الرغبة في الحفاظ على ما هو أغلى منها!! - وفي المرة القادمة عائدون مخلصون وأوفياء أكثر من قبل حتى في فترة غيابهم يؤنبون ذواتهم ولذلك يعودون أكثر كدحاً وأكثر جدية وأكثر إخلاصاً وأكثر وفاءً. وهم واثقون أن كأس الإذلال في المرة القادمة أكبر سعة، والكف القادم أكثر أذى، والصدمات الكهربائية لمشاعرهم أكثر عمقاً ومع ذلك يعودون ويستمرون.
ترى أي عين جارية لمعين القوة النفسية في دواخلهم التي تدفعهم دفعاً إلى العيش والاستمرار مخلصين وأوفياء بؤساء وأذلاء وغالباً يبتسمون؟!
لأنهم يعلمون يقيناً أنهم كالأحجار الكريمة، هم في حياة الآخرين ثراء لا يقدر بمال ومعادنهم أصيلة تشع بالمودة والمحبة والتسامح وإن تجرعوا كأس الإذلال لا يتغيرون بل يزدادون قامة وأيديهم تمتد بالعطاء والسخاء حتى في أقسى اللحظات.