عنيزة - لقاء - عطا الله الجروان
في عام 1382هـ أنشأ الوجيهان عبدالرحمن المنصور الزامل وصالح العبدلي مزرعة نخيل سمياها (الغزيلية) تقع جنوب عنيزة على مساحة تبلغ مليوني متر مربع، ومن مميزاتها أنها تعتبر من أشهر مزارع القصيم وتشتهر بجودة التنظيم وجودة المحاصيل المنتجة وتحتوى على 20 صنفاً من التمور الممتازة وتضم ثلاثين ألف نخلة، وحصلت المزرعة على العديد من خطابات الشكر والتقدير من العديد من الجهات والشخصيات. كان يشرف على الغزيلية منذ نشأتها رجلان بدأت علاقتهما بالأرض والزراعة منذ نعومة أظفارهما، فنشأتهما متشابهة تماماً فكلاهما بدأ حياته تحت ظلال النخيل وبين الحقول في مزرعة والده يسقي ويحرث ويحصد ويصعد النخلة ويواليها بالاهتمام والرعاية والعناية حتى تنتج ثمرتها الموسمية، هذان الرجلان اختارهما (المنصور والعبدلي) للإشراف على الغزيلية نظرا لما عرف عنهما من كفاءة ومهارة ونضوج والأهم إخلاصهما في عملهما.. (الجزيرة) التقت الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز المحيميدي ورفيق دربه الشيخ علي بن حمد الزنيدي وقلبت معهما ذكريات أربعين عاماً قضياها سوياً في الإشراف على مزرعة الغزيلية.
بداية متشابهة
كانت بداية الضيفين متشابهة إلى حد كبير، فكلاهما بدأ علاقته بالدنيا في المزرعة، ونشأ أول عمره في بيئة زراعية.
يقول المحيميدي: ولدت في عنيزة ولي من العمر الآن ثمانين عاما وتلقيت تعليمي الابتدائي في الكتاتيب، تعلمت القرآن الكريم والحساب والقراءة والكتابة وكنت أدرس عند الأستاذ عبدالرحمن الدامغ رحمه الله، كنا نتعلم بجوار مسجد (الخريزة) ونجلس على الأرض ونكتب على ألواح خشبية، تركت الدراسة واتجهت إلى العمل في مزرعة والدي لأساعده في الفلاحة، وكان لنا في عنيزة مزرعة تسمى (العمورية) عمرها أربعمائة وخمسين عاما تقريبا وتلقيت تدريبات عملية من أشهر الفلاحين في ذلك الوقت، أذكر منهم إبراهيم العبدالله العليان، وحمد الصالح الهطلاني، وسليمان الهطلاني ،وأمضيت عشرين عاما في مزرعة والدي تعلمت خلالها فنون الزراعة وأتقنت مهاراتها واكتسبت خبرة جيدة وعرفت كل شيء عن النخلة، وعندما بلغ عمري خمسة وثلاثين عاما طلبني الوجيه صالح العبدلي للعمل في مزرعته مشرفاً.
أما الشيخ علي الزنيدي والذي تجاوز عمره الثانية والثمانين ذكر بأنه نشأ في أسرة تحب الفلاحة وتعشق النخلة، يقول: درست بين يدي الشيخين صالح بن صالح وأخيه عبدالمحسن، تعلمت القرآن الكريم والحساب والقراءة والكتابة، ثم تفرغت للعمل في مزرعة والدي أساعده وكان عمري آنذاك لم يبلغ العاشرة، وبعد وفاة والدي تحملت مسئولية العمل في المزرعة حتى بلغ عمري الخامسة والثلاثين تقريبا، وفي أحد الأيام عرض عليّ الوجيه عبدالرحمن الزامل المنصور العمل مشرفا على جزئه في مزرعة الغزيلية التي تشارك فيها مع صديقه الوجيه صالح العبدلي، هذا العرض قابله رفض من والدتي لأنها كانت تفضّل بقائي في مزرعتنا، واستجبت لرغبتها واعتذرت من الوجيه المنصور الذي جاء إلى والدتي وأقنعها بأن أعمل في مزرعته وأن تعتبرها مزرعة لي، وبدأت العمل في الغزيلية التي كانت جزأين، جزءاً يسمى العبدلية والآخر المنصورية، وكلاهما يطلق عليه مزرعة الغزيلية.
البداية 600 نخلة
وعن بداية مشروع مزرعة الغزيلية ذكر الشيخ علي الزنيدي بأن البداية كانت بغرس ستمائة نخلة وتوالى جلب النخيل من عنيزة في الغالب، وكنا أنا ورفيق دربي الشيخ عبدالله المحيميدي نحرص على اختيار أطيب أنواع النخيل ونشتريها من أشهر المزارع في ذلك الوقت، وخلال ثلاثين عاما غرسنا ثلاثين ألف نخلة على مساحة مليوني متر مربع.
وعن حجم المبيعات لتمور الغزيلية أوضح الزنيدي بأنه باع ثمرة التمور في مزرعة المنصورية لعدة أعوام على أحد المستثمرين في منطقة القصيم وهو صاحب مصنع بمبلغ مليونين ونصف، كما أن ثمرة مزرعة العبدلية الجزء الثاني من مزرعة الغزيلية يباع كذلك بمليونين ونصف ليصبح الإجمالي خمسة ملايين ريال لثمرة نخيل الغزيلية.
وعن الاهتمام بالنخلة ذكر المحيميدي بأن الاهتمام في الماضي كان أفضل بكثير من الوقت الحاضر؛ ففي الماضي كانت النخلة تأخذ نصيبها من الأسمدة الطبيعية حيث نقوم بحرث حوضها ثم نحفره ونملؤه بالسماد الطبيعي، ومن الأمور التي يجهلها بعض المزارعين أن النخلة لا تحتاج إلى ماء كثير وهذا خطأ يقع فيه بعض المزارعين خصوصا من العمالة الوافدة لأن كثرة سقي النخيل بالمياه يضر بثمرتها كما أن العناية بالنخلة في الوقت الحاضر ضعفت ونتج عنه تغير في التمور من ناحية اللون والحجم والمذاق.
وحول عمل الشباب العاطلين في المزارع قال الزنيدي: المزرعة تنتج ذهبا وفيها خير كثير ولكن طبيعة العمل فيها يحتاج إلى جهد بدني كبير وتعب متواصل وشبابنا في الوقت الحاضر لا يرغبون في ذلك فهم يفضلون العمل (تحت المكيفات) وهجروا المزارع حتى أبناء العوائل المشهورة بالزراعة، ورغم أن أسواق الخضار والتمور فيها مكاسب مالية مرتفعة إلا أن شبابنا مازالوا يهجرون العمل الزراعي، ووافقه رفيق دربه الشيخ المحيميدي بأن شبابنا ينقصهم الإقدام والثقة بالنفس ويفضلون السهر على العمل ولكنهم لو عرفوا قيمة التمور وأن فيها مكاسب مالية ومربحة جدا لدخلوا مجالها فورا.
نخيل عنيزة في اليمن:
وعن تجربة غرس النخيل من عنيزة إلى اليمن ذكر المحيميدي بأن تجارا من اليمن جاءوا إلى عنيزة واشتروا منه مجموعة من (فراخة النخيل) من مشروع الغزيلية وقاموا بغرسها في مدينة شبوة اليمنية وبعد عدة سنوات عادوا إلى عنيزة وأخبروني بأن جميعها نجحت زراعتها وبدأت الإنتاج بصورة طيبة للغاية.
وحول كيفية معرفة جودة التمور المعروضة في الأسواق قال المحيميدي بأن أهم صفة يجب أن تتوفر في التمرة لتعرف أنها ذات جودة عالية التأكد من ثقلها وحجمها فإذا كانت التمرة ثقيلة وحجمها كبير فهي تمرة جيدة أما لونها فلا يدل على جودتها وإن كان بعض الناس يختار التمر حسب اللون.
من الغزيلية إلى البيت الأبيض
من المواقف التي يذكرها الشيخ عبدالله المحيميدي رحلته إلى الولايات المتحدة الأميركية ودخوله البيت الأبيض ومكتبة الكونجرس ومجلس الأمن، يروي قصته قائلا تعرضت لمرض لم يتمكن الأطباء من تشخيصه آنذاك وكنت أتألم منه باستمرار وكان ابن عمي عبدالله البراهيم المحيميدي يعمل في وكالة الأنباء السعودية في أمريكا وطلب مني السفر للعلاج وفعلا توكلت على الله وسافرت إلى أمريكا وحجزت موعدا في مستشفى جورج تاون وأثناء انتظاري للموعد قمت بالعديد من الزيارات فدخلت البيت الأبيض وتجولت فيه كما زرت مكتبة الكونجرس واطلعت على مخطوطات عربية تمنيت أنها متوفرة في مكتباتنا، كما حضرت أحد جلسات مجلس الأمن، وزرت العديد من الجمعيات الزراعية والمصانع والمشاريع الزراعية كما أتيحت الفرصة لي لزيارة مصنع سيارات (فورد) في ديترويت ومصانع الطائرات في ولاية سياتل واستغرقت زيارتي شهرين، وكان تعامل الأمريكيين معنا راقيا ولم نتعرض لأي مضايقة بالعكس فقد كنا نتمشى في البيت الأبيض وكأننا في إحدى مزارع عنيزة.