لإدراك خطورة ما آلت إليه أمور وطننا العربي، نستطيع لحسن الحظ الرجوع إلى ما يقوله الفيلسوف الصيني كنفيوشس: (عندما يقهر الناس على الخضوع بالقوة، لا تخضع عقولهم، وإنما يكون خضوعهم بسبب عجز قواهم، أما عندما تقهرهم بقوة الشخصية على الخضوع، فإن سرورهم يتخلل إلى قرارة نفوسهم ويمتثلون للخضوع فعلاً).
ووفقاً لهذا النسق من الأفكار، نجحت كل من أمريكا وإسرائيل وإيران، وغيرهم من الجهات المتربصة بالعرب في أن يشككوا بمصداقية فكرة العروبة، واختزال تاريخها في الحقبة الإسلامية وجغرافيتها في الجزيرة العربية، فكان ما كان بالنسبة للعراق والسودان وقبلها فلسطين، التي اغتصبها اليهود بذريعة أنهم حرروها من العرب المسلمين الغزاة الذين اغتصبوها إبان فتحهم للشام في عهد الخليفة (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه.
وحتى لا تظل هذه القضية صيدا ثمينا للمغرضين المتربصين بأمتنا العربية، نجد من الواجب علينا وضعها في إطارها التاريخي الصحيح، بعيدا عن عبث المستشرقين والمؤرخين والكتاب الغربيين، الذين تغلبت عليهم منذ قرون روح عصبية عمياء، وأثاروا علينا حربا شعواء، فشوهوا ما استطاعوا من تاريخنا، وأخفوا ما استطاعوا من حقائقنا، ودفعوا بعض الشعوبيين وبعض الذين جاز عليهم التضليل للتخفيف من شأن العرب في الماضي، وإخفاء روح الأمل لدى شبيبتنا في المستقبل، ولقد ظل مسلسل الحقد هذا مستمرا لآماد طويلة، بيد أنه ظهر جليا في أشرس صورة في الآونة الأخيرة، فما أحوجنا الآن أكثر من أي وقت مضى أن تتظافر جهودنا من أجل غربلة تاريخ شرقنا العربي المجيد، وتنقيته مما علق به من شوائب المغرضين. وإعطائه صوتا معبرا بين تواريخ العالم وعند هذا الحد نجد العون في سجلات آثار شرفنا العربي.
فعلى ضوء الاكتشافات الأثرية الحديثة، يذكر لنا (الدكتور عبدالعزيز صالح) في سفره النفيس -تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة- أن وجود العرب بخصائصهم وخصائص لغتهم يعود إلى تاريخ موغل في القدم، ومن الباحثين من يحتمل ورود تعبير قريب من تعبير (العرب) إلى نص مسماري من عهد (نار أم سين) الملك السامي الأبجدي خلال القرن الثالث والعشرين ق.م، وإن كانت قراءته لا تزال موضعا للجدل.
ونستطيع أن نستمر طويلا في ضرب الأمثلة الدالة على هذا الوجود. ومنها أنه عندما تحالفت مدن بلاد الشام ضده (شملنا نصر الثالث) الملك الآشوري في عام 853 ق.م، انضم إلى هذا الحلف ألف راكب جمل من رجال (جنديبو العريبي) ويعتبر لفظ جنديبو تحريفا لاسم جندب أو (جندبة) كما يعتبر لفظ (العريبي) تحريفا لصفة العربي، ولقد لقب (جنديبو) هذا بلقب الملك وتعددت إشارات النصوص الآشورية بعد ذلك إلى الجماعات العربية القريبة من دولتها والواقعة على طرق التجارة الواصلة إليها. وذكرت النصوص الآشورية أسماء ممالك وقبائل عدة مثل: سبأ وقيدري وتيماء ومصوري وثمودي وخبايا ومساء.. إلخ، وكان أهم ما تضمنته فيما نكتفي به مؤقتا، وبينما يفيد التاريخ العام، وهو أنها ذكرت أسماء خمس ملكات عربيات على أقل تقدير، حكمن في جهة ما من شمال شبه الجزيرة العربية فيما بين أواسط القرن الثامن ق.م ولم تحدد مكان دولهن صراحة، ولكنها ذكرت خلال الحديث عنهن أحيانا اسم (أداماتو) ذلك مما يحتمل حكمهن في (دومة الجندل) أو بقربها من منطقة الجوف الشمالي.
ولسنا نريد أن نتابع هذه الأمور بالتفصيل، فليس في هذه المقالة موضع لتقصي مثل هذه المسائل ولذلك نكتفي بالإشارة إلى ملكتين عربيتين ذكرتهما النصوص المسمارية في القرن الثامن ق.م، أولهما باسم (زبيبي) تحريفا عن زبيبة، وأضافت أنها اعترفت بالطاعة لدولة آشور وأدت الجزية إلى ملكها، وذكرت الثانية باسم (شمسي) تحريفا عن شمس في مناسبتين، مناسبة أدت الجزية فيها إلى الملك الآشوري كسابقتها، ومناسبة أخرى خلعت فيها هذه الطاعة، وساعدت البدو الآراميين أعداء الآشوريين، وتركت رجالها يهددون القوافل الآشورية، فحاربتها القوات الآشورية ولم يكتفوا بأن يسجلوا نصرهم على قوم (شمس) كتابة فقط، وإنما أسرفوا في تصويره إشباعا لكبريائهم. وبقي منه ما يصور فارسين آشوريين يلاحقان برمحيهما محاربا عربيا يجري مسرعا ببعيره ويلتفت إليهما في ضراعة، بعد أن أصيب بعيره بسهم في جنبه كاد يرديه، وصور عدد من القتلى من جيش الملكة وقتلى حلفائها ممددين على الثرى تحت سنابك الجوادين، وزادوا فصوروا امرأة بثوب كاس تسير باكية تلطم وجهها بكفها، أو تستره خجلا بكفها، وتمسك بالكف الأخرى جرة كبيرة، ويعقبها عدد من نوقها، وليس من المستبعد أنهم أرادوا أن يرمزوا بها إلى الملكة (شمس) نفسها، وإلى عجزها واستسلامها وعودتها إلى رعاية الإبل.
وأشارت النصوص الآشورية في القرن السابع ق.م، إلى ملكتين عربيتين هما (ليتينة وتلخونو) تحريفا فيما يبدو عن اسمي (يطعية وتلهونة) وذكرت عنها بطبيعة أنها ناصبت الآشوريين العداء، وربما تحالفت مع كبير الآراميين في العراق ضد الملك الآشوري، وأسندت قيادة جيشها إلى أخيها (بسقانو) تحريفا فيما يبدو عن (الباشق) ولكن الجيوش الآشورية هزمت جيشها وأسرت أخاها.
وسلكت الملكة الآشورية (تلهونة) مسلكها الخاص في سبيل الدفاع عن أرضها ومصالحها، فتحالفت مع من ذكرته النصوص الآشورية باسم (جزائيل) ملك قبائل قيدار المجاورة لأرضها في منطقة (الجوف) وعهدت إليه بقيادة جيشها المشترك، ولكن حلفهما فشل في أداء مهمته، على الأقل في حدود ما روته المصادر الآشورية. ولنصف مثلا آخر -ولا نخش الأمثلة- فحواه أن النصوص الآشورية قد ربطت بين ملكة عربية أخرى بين (أيا إيلو) ابن جزائيل ملك قيدار كخليفة له ضمن ملوك صار آخرين وذكرت هذه الملكة باسم (بائيلو) ملكة (أخيلو) واعتبر علَّامة اللغات السامية الشهير (إدوارد جلازر) اسم يائيلو تحريفا عن الاسم العربي (باهلة) من (قيس بن عيلان من مضر) كما قرب اسم (أخيلو) إلى اسم ديار (أخلة أو إجلة) في منطقة نجد، وبرر رأيه بما روته المصادر المتأخرة عن سكنى قبيلة باهلة (التي يشبه اسمها الملكة القديمة)، في هذه الديار، لكن لا يزال رأيه هذا في مرحلة المفروض.
ولننتقل الآن لنرى كيف حاول أهل العراق القدامى اللجوء إلى العرب حيث اشتد التنافس بين دولة بابل الجديدة وبين دولة الفرس، ومالت أحوال بابل للتدهور، فحاول آخر ملوكها (نابونهيد) أن يضع خطة مع المناطق العربية عله يسترجع مجده الذاهب، فغزا جنوب الشام حتى غزة، واتجه إلى (تيماء) ربما ليحيي أهميتها الاقتصادية على الطريق التجاري الرئيسي بين شمال غرب شبه الجزيرة العربية وبين العراق من ناحية، وبين البحر المتوسط من ناحية أخرى، ثم ينتفع بجوارها، أو على أمل يستعين بها وبوسطها البدوي على تطعيم جيشه بقوات فتية يستعد بها لمعركة قريبة بينه وبين الفرس أو على أسوأ تقدير ليهيئ بها ملجأ يبعده عن طائلة الفرس حيث الضرورة.
على الرغم من هذه الأغراض الملحة، لم يكن (نابونهيد) موفقاً في سياسته، فاشتد على تيماء التي يريد أن يتخذها قاعدة جديدة لحكمه، وفتك برؤسائها وأخضع سكانها وقتل ملكها، ثم أعاد تسويرها قام بها بضع سنوات في قصر جديد محصن على مثال قصره البابلي، ومد نفوذه منها جنوبا على داخل الحجاز، وربما وصل حتى (يثرب) وأخيراً أدرك عقم محاولته فعاد إلى بابل حيث لم يلبث أن خسر دولته كلها أمام الفرس عام 538 ق.م، أفلا يشبه هذا من قريب مغامرة الرئيس الراحل (صدام حسين) وما آلت إليه أمور العراق من الوقوع في أيدي الفرس..؟!
من الحقائق التاريخية المتواترة، أن غالبية الوطن العربي منذ تلك الآونة قد غدا في مهب الريح تداولته أيدي الفرس، ومن بعدهم اليونان فالرومان فالبيزنطيين حتى بزوغ فجر الإسلام، فمن مميزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم التي لم يذكرها له العلماء من جملة معجزاته، إنه أعاد للشرق العربي هويته القومية واللغوية، لقد وجدنا كثيراً من الأدلة تؤكد إطلاق تسمية العرب على الحضارات والشعوب العراقية والشامية بل تعتبر عربية كذلك الشعوب المصرية والبربرية. ومن ذلك قول (غوسان جيكي) كذلك الأثريات المصرية في كلية (نيوشاتل) في كتابه (تاريخ المدينة المصرية): (إن سكان مصر القدماء الذين جاؤوا إليها من جزيرة العرب قبل ستة آلاف عام. وأن الأسر الفرعونية الأولى هي من هؤلاء القادمين. وقال مثل هذا (هنري بروخ) الألماني، و(هنري جونسون) الإنجليزي في كتابيهما تاريخ مصر أيضاً.
وكان (أحمد كمال باشا) من رواد علم الآثار في مصر كان قد كتب بحثا مستفيضا في علاقات العرب بوادي النيل ما قبل الإسلام، وتقارب اللغتين الهيروغليفية والعربية تقاربا حدا به إلى التصريح بأن إحداهما قد تكون مشتقة من الأخرى. وإن كنت على صواب في تفسير الأدلة. فإنه لذلك استطاع سيدنا إبراهيم (عليه السلام) أن يتنقل بين العراق والشام ومصر والحجاز، وأن يتفاهم مع جميع سكان تلك الأقطار، إذ لم يكن بين لغاتها من فرق. ووفقا لهذا النسق من الأفكار يزعم العلامة الدكتور (جواد علي) في سفره النفيس -تاريخ العرب قبل الإسلام-: إنني سأطلق لفظة عرب على جميع سكان الشرق العربي بغض النظر عن الزمان الذي عاشوا فيه والمكان الذي وجدوا به، مثل هؤلاء في نظري عرب، وعرب لقومية خاصة، والمصطلح ظهر وتركز وثبت بعد الميلاد خصوصاً. وقبيل ظهور الإسلام على الأخص، وعلى هذا فالذين عاشوا قبل الميلاد بقرون عديدة وبآلاف السنين، هم عرب بالطبع، وإن لم يدعوا عربا. لأن هذه الكلمة لم تكن معروفة بهذا المعنى بأيامهم ولكنهم عرب أصالة، ومن أحق وأجدر أن تطلق عليه هذه اللفظة منهم، مهما اختلفت لهجاتهم وتباينت لغاتهم وتعددت أماكنهم.