Al Jazirah NewsPaper Thursday  13/09/2007 G Issue 12768
الثقافية
الخميس 01 رمضان 1428   العدد  12768
استراحة داخل صومعة الفكر

* رويدا.. باتجاه الأرض

* إبراهيم زولي

*114 صفحة من القطع المتوسط

ذكرني عنوان ديوان بمقولة رهين المحبسين وشاعر المعرة أبو العلاء

خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد

هل أننا سنلتقي معه عند تلك المقولة؟ أم أن شيئاً ما يختلف؟ هذا ما سوف تكتشفه القراءة لبنات أفكاره..؟!

* سيرة الأطفال الأولى (باكورة قصائده) ماذا يقول فيها:

و(حمادة) طفل يشاغب جاره العادي

يخفي نعله.. ويجد في تقليد مشيته

على أسمائه يتوالد المكر. الوساويس. الذباب. الدود

يقلقه الشقي حمادة

لا شئ في الأمر جديد.. معظمنا كان حمادة في شقاوة صغره.. وأكثر..

في الصبح يصعد فوق سطح الدار

يبصر أوجها في وجهه. وأصابعه ليست أصابعه

الأطفال من حوله يهرعون إليه وقد باع لهم بالسر.. يصيحون به على صوت طفل واحد.

يا أنت.. إن يباسك الممتد معقود على الماء.

لا يهم.. حتى ولو كان معقودا على التراب أو اليباب.. لقد استغرق ما في حياته من أخيلة. اطل على الشارع من سطح داره وراح يفكر ويتساءل:

هل أضرم الشعراء من جسدي مشاعلهم

وساروا نحويته.. أتقول حنجرتي الذي لا اشتهيه؟!

دع للأطفال شقاوتهم.. ودع للشعراء غوايتهم انهم في كل واد يهيمون.. ويقولون ما لا يعلمون.. وما لا يعملون.. ليس كلهم..

يطرح شاعرنا (مساءلته):

أمرٌ أسائل الناس الذين على نواصيهم

أرى شجراً.. وأطفالا لهم في الشمس إرث. ليس يختلفون

أسائل في المدى قمرا يُعلِّم عاشقيه الموت

حين ينام أهل الحي عن رجل يجيء

إذا النعاس أدار مروده بعين الأهل

كان صبيا.. وكانت فصاحة سمته القروي تربك الناس.. وسيف رجولته المبكرة يضيء ببريق جسده.. لم يلق له مكانا بين ظهرانيهم هاتفه من بعيد صوت يناديه ويناجيه ويوقظه لديه ذاكرة من صمتوا

اجب ياصمتهم.. يا موتهم.. أو يا...

(تجليات الفتى الأسمر) اجتزئ من قصيدته هذه الأبيات الموحية بجمالياتها وتجلياتها

سيدي. قف عجبا على كتفي

لم اعد أستطيع النواح

صاعدا نحوك. الإثم يلد غني

هل أسير وحيدا يخضب ما اقترفتْ ساعداك فمي؟!

أيكون الشقي الذي استنشق الزعفران على كاحليك أنا؟!

فأكتسي بالعلو المباح!

من جاء خياره الصعود.. واستنشاق رائحة الزعفران.. واختار عباءة الصعود لا الدنو ليس في حاجة إلى اعتذار.. ولا نوح.. وإنما بوح حياة تأبى المنحدرات.. والمياه الراكدة.. الحياة لا تهزم الحيوية داخل ذاتك.

ومن يتهيب صعود الجبال

يعش أبد الدهر بين الحفر

(أبوالقاسم الشابي).

من شجرة (هجس العشي المعلن) أقطف هذه الثمرة السائغة.

أيها الشعر لا تبح الآن بأسرارنا

أيها الفقر لا تفتح اليوم نافذة للظهيرة

كي ما تمر بأجسادنا

إن روح المحبين ما ابترءت من جوى البارحة

والفضاء المزوَّر ليس لنا..

وحنى رأسه مثلما الطفل

تفضحه نجمة جارحة..

ليس في أسرار شعرك ما يفضحك.. وليس في مرارة فقرك ما يعيبك.. أنت أقوى من صمت الشعر.. وصوت الفقر مادامت خاطرة الحب تحتل مكانها في قلبك,,

وفي مقطوعته (التهامي) يحدد المسافة بينه وبين الماء:

بيني. وبين الماء واد باتساع الخوف فيَّ

وجه التهامي. والطريق تشيطنت

فتسمر القروي.. واجترح النشيد

(إن تتهمي.. فتهامة وطني..)

أو تحتويني فالروي وعدي

حلق بعيدا يا غراب..

ليس للغراب مكان ولا مكانة في فضاءات الوفاء والانتماء.. وحدها الحمامة رمز السلام.. ووحدها العقيدة روح الإسلام.

(الحجر البرتقالي) له رنة مسموعة موحية بالكلمات:

هو الحجر البرتقالي. أتى متشققة قدميه

به لعنة الانتظار وتنسل من جانبيه فلسطين

تلك التي حدها الأهل. والأحرف البالية

لكِ المطر الأبيض المستحيل..

وكل نهار صباحاته عالية.

من قال انه يوجد مستحيل ما دام للنهار صباحاته العالية.. فلسطين ستظل رغم جراحها تتسامى على جراحها لأنها أقوى شوكة من حراب وخراب الهزيمة..

متى انتفضت إرادة الحرية.. ومتى انفضت رياح الحياة..

فلا بد لليل أن ينجلي

ولا بد للقيد أن ينكسر

(الشابي). أيضا. شيء واحد يؤكد النجاح.. توحد الشعب الفلسطيني.. وتبني القضية عربياً وإسلامياً.. وإنسانياً.. هذا هو الحل..

(السر) يكشف لغزه لنا دون سؤال:

الأسئلة السمر هنا ما اتحدت بالنور

وما باح سوى الأطفال في الحي بها

حين كان المطر يشتد. يحنو له الأناشيد!

ويغشى الشارع الكحلي من فاكهة الغيم

مصابيح صغيرة.

من هنا يخرج من لؤلؤة الوقت الظهيرة

هذه نجمة رؤياه.. مسحت من حائط غيهم واستترت في لغة النسيان.. رمزية تحتاج إلى مجهر يجليها لمن لا يقرأ الرمز.. وتلك مشكلة!

والآخرون.. إطلالة منه عالم النكران الذي لا مكان له في عالم الإنسان:

قادم باتجاه البيوت التي يعرف الكف أبوابها..

باتجاه العيون التي يُغرق القلب أسرارها

ولكنها. أنكرتني الشوارع يا أبتِ

كم تحب الشوارع كنت

التي لا تخون هواجس من يعبرون عليها..

أقول له ما قاله الشاعر:

إذا خانك الأدنى الذي أنت حزبه

فواعجبا أن سالمتك الأباعد

تلك إشكالية مجتمع تمرد على ثوابته.. وتجرد من خصائصه.. ما عليك كن وفيا لشوارعك ومن يتحركون عليها. لا تقابل الإساءة بمثلها

(صورة) رسمها بريشة قلمه المغموسة في حبر ألمه من أجلها:

تمد سواعدها في الفضاء

وأقدامها تتشجر تحت التراب

سيوف التقارير تشطرها

وتُجرِّح وجهَ الطفولة فيها

بأي ذنب أُخذَت؟! وبأية جريرة سبقت إلى ما يشبه المقصلة؟!

تسلمها للنور تنقر عينيها

فيسَّاقط الجسد القروي

وأحلامها تتبعثر خلف مرايا الرعاة

فيتلون في أثرها الفاتحة..

قد تكون شهيدة حرب.. أو ضحية سلم لا يحتفظ لأهله بالسلام.. أو مستحقه لنهاية لا ندري أسبابها...

(الحلم) قصيدة.. قد يكون مصيدة لمن يراوده حلم

في براري الكتابة

أبصرته نافرا بين عشب الحروف

- هو الغرس الحلم -

أنشأه الشعراء على عرش الريح

مركب صعب القبول به هزة لا تبقي ولا تذر.. ولكن ما علينا وهو من عرش الريح وإليه.. ماذا جرى لفارسنا المغلوب على أمره:؟! المليحات من حوله يُراودنه.. فيأبى لأن له عفة الفكر والطهر.. يحفرون له بالأظافر فوق جدار الفراغ حقولا لها نكهة الجوع

خاطبته البلاد علانية

ارفا وجهك السرمدي

فجأة كالمارد.. أو الساحر.. فاح البخور ليغطي سماء الجزيرة.. ومن ثقب الأفق البعيد تطل نجمة تومض لعلها مرآة ذاته ما تلبث غيمة أن تحجبها... ويبقى السر في بطن الشاعر..

(مسافة لشجر الكلمات) يبدو أن حقلها يتجاوز حدود عقلها.. فالكلمات مشاعة دون ثمن.. ومباحة دون ضوابط.. فِق أَثَمك ويرزقك الله.. على حد قول المثل.. ألسنا ظاهرة صوتية في شعرنا ونثرنا وأحاديثنا مع بعضنا؟!..

من ضلعي الأيسر يخرج طير الحب

على فمه شرر أبدي

يرسم في الأرض حدودا لا يتجاوزها

نظرات الناس تلاحقه..

الناس الأشرار!

يمرق من طرقات الإسفلت المتمدد كالثعبان.

ويُنقر ذاكرة الوقت المتحجر

يكشف سوأتها

ويعري هذا الرمل الطاعن في العقم

الكلمات اعتمرت وجه الماء

انتعلت سر النار

العشاق تباركهم. وتقبل فرسان الخيل الأبرار..

حتى الآن وكل شيء لا غبار عليه..

طير الكلمات الدموي استشرى في جسدي

ويقاسمني السهر الليلي. ينام مع الجوعى

الليلة غرد في شفتي..

فأتيت لكم بالموت الأجمل من هذا الموت..

لا شيء اجمل في الموت إلا أن يكون موت حياة. لا حياة موت.. لندع لشجر الكلمات أن يثمر.. أن يملأ ساحته ومساحته حبا. وعدلا. حقا. وحقيقة.. يقظة تذيب جليد السبات والغفلة.. ترسم حدودها بعد أن يستبين لها الليل الأبيض من الليل الأسود من الفجر..

(عودة التتار) واحدة من قصائده الجلية في سطورها.. الجميلة في سردها:

خلسة من نخيل العراق. وفي غفوة الرافدين

أتى توأم الغدر طائرهُ الدموي

فأشعل غليونه من حياء البُنيات

خاط ملابسه التترية من جسد الشعب

- والشعب في خدر البعث. والنكد. والسفك -

قال له وهو يوقد في عشب خاطره حطب الحرب:

(قم زوِّع الافلة بالورد. والدود بالند

واطو الحرارات من دمك المتفسخ بالبرد)

ويستطر شاعرنا في رسم الصورة القاتمة..

عَدت الطائرات على جملة من عصافيره المطمئنة

وهي تهدهد آفاقه البيض

أقصت بنادقكم قامة السنبلة

كيف عنَّ لكم قصف داناته غيلة في العشيات؟!

وَأد أطفاله.. واعتقال نوارسه

دانة في الخليج إذا استعرت تستحيل إلى قنبلة

مفردة تستحيل هنا تغير المعنى لأنها من الاستحالة.. والصحيح (تحيل أو تتحول إلى قنبلة) أبيات مليئة بالمعنى لا أظنها في حاجة إلى المزيد..

ونحن نقترب من خط النهاية.. وأمامنا الكثير... لا بد أن نصطفي ما نملأ به المساحة المتاحة مما تبقى..

(الرماد) عنوان وبقية من نار انطفأت وقتلت وقودها)

لم يعد للحقيقة شكل يليق بها

فاجأتني الأصابع..

لم يعد للمنازل وجه يليق بها

والرماد تسد جناحاه آفاقنا الماطرة يشتهى طعن خاصرتي. واحتواء سريري

دمي.. ساحة الدار..

قال: له موعد في القرى!

أيتها الكلمات التقمن الرماد

لئلا يهب إلى الذاكرة

أخيراً.. نختتم جميعا الجولة الشاعرة مع شاعرنا إبراهيم زولي في حالته التي لا تسر:

مد طير القصيدة منقارة في بحيرة روحي

أطال على غير عادته

لم أعد أستطيع

هتفت به...

أيها.....

كان قد غاص حتى الوجع

له عذره.. انه يحتفظ بكرامته.. بعدم إهانته.. طير.! وطير قصيدة لا يمكن اصطياده لأن له أجنحة تُحَس ولا تلمس.. منقاره حاد حين يغضب.. وأوتاره شدية ندية حين ترجع الحانها..

وبعد.. ياشاعرنا نعيد ما قلته (رويدا بالأرض.. ونعيد ما قاله المعري..

خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد

الحياة مسكونة بما نشتهي.. وبما لا نشتهي.. اختبار لا خيار لنا فيه علينا أن نتعامل معه دون إعلان حرب..!

سعد البواردي
الرياض - ص.ب 231185 الرمز 11321 - فاكس 2053338



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد