Al Jazirah NewsPaper Friday  14/09/2007 G Issue 12769
مقـالات
الجمعة 02 رمضان 1428   العدد  12769
من ذي قار.. نستخلص العبر
د. محمد بن ناصر أبو حبيب الشثري

لأن التاريخ هو منبه الوعي بالذات، ودافع لطلب السمو والعزة ومن خلاله تتحدد القسمات القومية والسياسية والحضارية لأفراد الأمة جيلاً بعد جيل ولأن التاريخ خصوصا الإسلامي النبوي هو البوصلة القادرة على إعادتنا إلى الاتجاه

....الصحيح نحو غد يمثلنا، أفردنا هذه الدراسة، وما فائدة التاريخ إذا لم نستخلص منه العبر؟لا يخلو تاريخ العرب من مواقف رائعة على مستوى الجماعات، حيث يحن الدم للدم ويتناسى القوم الحزازات أمام العدو المشترك... وبين هذه المواقف العامة تتجلى مواقف رجال، في لحظات المحنة والشدة، يكون لهم في النصر أو في نصيب إذ يقفون كالطود الراسخ، لا تزعزعهم القوة الجامحة، ذلك أنهم وطنوا أنفسهم على التضحية في سبيل النصر الغالي، وليس لهم من وقفتهم إلا إرادة حازمة، تفيض على الجموع حولها فتكسبها ثباتاً ومشاركة، فيتحقق لهم ما أرادوا، بصدق إخلاصهم وحسن نواياهم، وأعز أيام العرب في جاهليتهم هي موقعة ذي قار.

كان (النعمان بن المنذر) 580 - 602م، آخر ملوك المناذرة من بني لخم في الحيرة، وأظهر ما يتجلى في شخصيته هو عروبته الخالصة، ويبدو ذلك جلياً من خلال علاقته بالقبائل العربية، التي كانت طيبة ووثيقة، إلى حد ساهم في بلورة رأي عام عربي في قضايا تتجاوز المكاسب والمفاخر القبلية. ووفقاً لهذا النسق من الانتماء، شعر (النعمان) بالأوضاع المضطربة التي تسود الدولة الساسانية، وفي مقدمتها صراعها المنهك مع البيزنطيين، وانقسام الأسرة الحاكمة، وحاول أن يوظف هذا من أجل التخلص من السيطرة الساسانية، خصوصاً بعد مغالاة ملك الساسانيين (أبرويز) في الاستخفاف بالعرب واستحضار مثالبهم على مرأى ومسمع النعمان، وهذا بدوره جدير بأن يفسر لنا استدعاءه لبعض رؤساء القبائل العربية مثل: أكثم بن صيفي وحاجب وزارة التميمين. الحارث بن عباد وقيس بن مسعود البكريين، خالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل العامريين، عمرو بن الشريد السلمي، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المري... فقدموا إلية واستقبلهم وقال لهم: قد عرفتم هذه الأعاجم، وقرب جوار العرب منها، وقد سمعت من كلام كسرى مقالات، تخوفت أن يكون لها غدر البعض طماطمته في تأديتهم الخراج إليه، كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله ويفهم من هذا أن النعمان كان متمسكاً باستقلاله وكرامته، وأن لديه قبائل عربية كبيرة تؤيده، وإذا دققنا في مخاطبة النعمان لرجالات العرب، تحسسنا بشكل واضح إيمانه الصادق الراسخ بعروبته الذي ينبعث من القلب، يقول ابن عبدربه عنه أنه خاطب رجالات العرب بقوله: إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكت وعززت بمكانكم، وما يتخوف من ناحيتكم وليس شيء أحب إلي مما سدد الله أمركم، وأصلح به شأنكم وأدام به عزكم، والرأي أن تسيروا أيها الرهط، وليعلم كسرى أن العرب على غير ما ظن أو حدثته نفسه وتوجه وفد العرب إلى المدائن، وتحدث كل منهم بما جاشت به قريحته، فتخوف كسرى من لهجتهم وعزة نفوسهم وميلهم إلى الاستقلال وعدم الخضوع، ومن ثم شرع في التدبير الجاد للتخلص من النعمان. والواضح هنا دو الالتجاء إلى الإسهاب في الأدلة، أن القوة العسكرية الكبيرة للخميين، مضافاً إليها تطلعهم المتزايد نحو توحيده القبائل العربية، قد أثار مخاوف الساسانيين، ناهيك عن اعتناق النعمان للنصرانية المخالفة لدين الدولة.

وأحس النعمان بالشر، وأنه لا شك مقتول، وفي هذه الظروف العصيبة الجو المكهرب، ترك النعمان الحيرة ونزل بذي قار في بني شيبان - وهي ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة بينها وبين واسط - وأودع لدى هانئ الشيباني أمواله وسلاحه بعد أن وعده بقوله: لقد لزمني ذمامك، وأنا مانعك مما أمنع نفسي وأهلي وولدي منه ما بقي من عشيرتي الأدنين رجل والسياق يفيد إذا صح، أن كتيبة عسكرية اعترضت طريق النعمان أثناء تنقلاته، والقت القبض عليه وأخذته أسيراً إلى العاصمة حيث قتل. وفي رواية أخرى أنه توجه إلى مدائن كسرى لعله يستطيع أن يجد لنفسه مخلصاً مما وقع فيه من غضب الملك، لكن كسرى لم يمهله وأمر بقتله.

وعلى أية حال، فقد ولى كسرى على الحيرة إياس بن قبيصة الطائي وهو رجل غريب عن البيت الحاكم (لخم) ثم بعث إليه يسأله عن تركة النعمان، فأجابه بأنها في حوزة قبيلة بكر بن وائل التي منها بنو شيبان، وأرسل كسرى إلى (هانئ الشيباني) يطالبه بوديعة النعمان، فرفض تسليمها فغضب كسرى أشد الغضب، وأظهر أنه سيستأصل قبيلة بكر بن وائل، وانتهز الفرصة أحد خصومهم ممن يحب هلاكهم فأشار على كسرى أن ينتظر حتى تأتي شهور القيظ، فإن بكر إذا جاء القيظ تحضر إلى ماء يقال له (ذو قار) وتتساقط عليه تساقط الفراش في النار، وأن أعدائهم في ذلك الوقت من حولهم كثيرون، فحينئذ تأمر فيهم بما تشاء، وتصل منهم إلى ما تريد، فلما حان الوقت، أرسل إليهم كسرى رسولاً يخبرهم إما أن يستسلموا للملك فيحكم فيهم الملك بما شاء، وإما أن ينصرفوا من أماكنهم وأوطانهم بذي قار، وإما أن يأذنوا بالحرب وتشاور القوم فيما بينهم، ثم اختاروا الحرب، ونظروا فيمن يتولى قيادة الجيش، ويكون صاحب الأمر والنهي فيهم، وأخيراً أجمعوا أمرهم على أن يولوا حنظلة بن ثعلبة بن سيار) وكانوا يتيمنون به في حروبهم، وطلبوا منه الرأي في موقفهم وفيما اختاروه من الحرب، فقال لهم أني لا أرى إلا القتال فلأن يموت الرجل كريماً خير له من أن يحيا مذموماً لأنكم إن سلمتم أمركم لكسرى وتركتموه يختار فيكم رأيه قتلكم وسبى زراريكم، وإن هربتم منه وتركتم مكانكم قتلكم العطش وتلقاكم أعداؤكم من العرب فأهلكوكم، فليس لكم إلا أن تؤذنوا الملك كسرى بالحرب، وكان الرسول ينتظر الجواب، وإذا برسول بكر بن وائل يعود إليه قائلاً: قد لملكك قد آذناه بالحرب.

ولابد لنا من ملاحظة مبدئية هنا: وهي أن التاريخ قد عد قتل النعمان وامتناع هانئ الشيباني وتسليم ودائعه سبباً مباشراً في قيام الحرب بين الجانبين وتكاد تكون هذه الأسباب مقبولة، إذا ما نظر إليها من خلال أسباب الحرب المباشرة، ولكننا كما أوضحنا أعلاه نستطيع أن نعزوا أسباب الحرب، ذلك الصراع الطويل بين العرب والفرس، والذي حرك لدى القبائل العربية الشعور والإحساس بوجوب حماية أنسهم بوجودهم.. فبعد أن قتل النعمان، غضب بنو شيبان لاغتياله، واتخذت موقفاً موحداً مع بعض بطون بكر بني عجل ويشكر، وأخذت تشن غاراتها على أطراف الأراضي التي تسيطر عليها الفرس، وللتمثيل على وجهة النظر هذه نورد جواب كسرى لابنه حول قتله النعمان حيث قال: وأما ما زعمت من قتلي النعمان وإزالتي الملك عن لخم إلى إياس بن قبيصة، فإن النعمان وأهل بيته واطأوا العرب وأعلموهم توكفهم خروج الملك منا وإليهم، وقد كانت وقعت إلىّ في ذلك كتب فقتلته وهكذا أرسل كسرى إلى (إياس بن قبيصة) أن يخرج بجيوشه كما أرسل إلى أحد قواده واسمه (الهامرز) أن يتجه بمن معه من أجناد وبعث إلى قائد آخر اسمه (جلابزين) أن يذهب بمن يتولى قيادتهم من الجنود وكتب إلى بعض المتخاذلين من العرب ومنهم (قس بن مسعود) وكان من عمال كسرى على (طنسوان) كما عقد النعمان بن زرعة التغلبي على تغلب والنمر، وانضمت إلى الفرس أيضاً بعض قبائل قضاعة وإياد، أقبلت جنود كسرى من كل فج وأحاطوا بقبيلة بكر بن نوائل لينفذوا فيهم ما يريده بهم كسرى وقبل أن تبدأ الحرب راسلت بنو شيبان قبائل العرب، وتراسلت بكر فيما بينها وتوافدت بذي قار، توافد الناس من عبدالقيس وحنيفة وغيرهم من بكر من اليمامة والبحرين، تلبية لنداء الواجب القومي وبلغ الوعي القومي والمد العربي ذروته في هذه المعركة أمام العدو المشترك في موقف بني تميم فقد كان في بكر أسرى منهم يقرب عددهم من مائتي أسير وفيهم رجل من بني رياح من تميم يقال له (جزء بن سعد) فقال لبني بكر خلونا نقاتل معكم فإننا بذلك ندافع عن أنفسنا فقالوا له إننا نخاف أن لا تكونوا مخلصين معنا في القتال، فعاهدوهم على الإخلاص، وأنهم لن يهربوا حتى بعد انتهاء القتال، سوف يرجعون يسلمون أنفسهم، فأطلقوهم فكانوا عوناً كبيراً وصدقوا في عهدهم وموقفهم، وهذا شعور بمصير العرب ودفاعهم عن الهوية العربية، ولنضف مثلاً آخر ولا نخش الأمثلة، فقد نجحت الاتصالات بين بين شيبان بن بكر بن وائل وبين من انحاز من العرب إلى جانب الفرس قبل بدء المعركة بليلة فأرسل قوم من طيء والعباد وإياد وسائر من كان من العجم من العرب إلى بني شيبان بن بكر بن وائل رسولاً يعلمهم أن انتصارهم على الفرس أحب إليهم وقالوا (أي الأمرين أحب إليكم؟ أن نسير تحت ليلتنا فنذهب أم نقيم ونفر حين تلاقوا القوم، فقالوا: بل تقيمون فإذا التقى القوم انهزمتم بهم.وبعد أن تكاملت حشود العرب دعا هانئ الشيباني بخيل النعمان وسلاحه ووزعها على فرسان قومه (وقام حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي) فقال: يا معشر بكر: إن النشاب التي مع هؤلاء الأعاجم تفرقكم، فعاجلوا اللقاء وابدءوا بالشدة ولم يكتف بهذا القول بل إنه اتجه إلى النياق التي تحمل النساء في الهوادج فقطع الأحزمة لكي لا تستقر الهوادج على ظهور الإبل إن أراد أحد الهرب من معه من النساء وبدأ حنظلة بقطع حزام هودج ابنته (ماريه) ثم زاد حنظله (الموقف حماسة وشجاعة، إذ أنه ضرب قبة على نفسه ببطحاء ذي قار، وأقسم أن لا يفر حتى تفر القبة، فلما رأى الناس ذلك التفوا حوله وكلهم عزائم لاتخشى البأس ولا ترى في الموت مخافة ودارت عجلة الحرب الأحداث لصالح العرب. حين قال: حنظلة لقومه عليكم بالتزود من الماء بحيث يكون ما معكم يكفي لعدة أيام فكان ذلك مما ساعد على ثباتهم، ووقوفهم في وجه أعدائهم الذين لم يعملوا للماء حساباً في صحراء أقسى ما يلاقيه الإنسان فيها العطش - ظناً منهم أن العرب الذين يقاتلونهم من القلة حيث يفرون عند أول لقاء، وهكذا عملوا على إرباك أنفسهم بأنفسهم، وأسقطوا على الطبيعة قصور عقولهم وخلطوا بين تصورهم للواقع والواقع نفسه.ومن طرف ما يذكر عن مرحلة الإعداد للمعركة أن قبيلة (السكون) كان يزيد بن حمار السكوني حليفاً لبني شيبان فقال لهم: أطيعون وضعوا كميناً لجيوش الأعداء يفاجئهم على حين غرة، فوافقوه على ذلك وجعلوه هو على رأس هذا الكمين، وما يؤثر عن الجانب المعنوي لدى العرب أن سبعمائة رجل من بني شيبان قطعوا أكمامهم من ناحية مناكبهم لتخف أيديهم لضرب السيوف.وكان ذلك إيذانا ببدء المعركة، حيث برز (الهامرز) ونادى بالفارسية قائلاً مرد مرد يريد أن يقول رجل لرجل، فقال برد بن حارثة اليشكري ما يقول هذا الرجل؟ قالوا: إنه يدعو أن يبارز رجل لرجل، فقال أقسم أنه لقد أنصف وأنا الذي سأبارزه وحمل عليه وجال معه جولة، ثم أسفرت المعركة عن انتصار ابن حارثة وقتله للهامرز، وشنت الميسرة العربية بقيادة هنظلة هجومها على ميمنة الجيش الساماني (الفارسي) بينما هجمت الميمنة العربية بقيادة يزيد بن مسهر الشيباني على ميسرة الجيش الساماني، ولما اشتبك القلبان انسحبت (إياد) من قلب الجيش السامني وفقا لاتفاقها مع بكر، فكان لكل هذا أثره في ضعضعة جيوش كسرى وإلقاء الذعر في نفوسهم، على رغم كثرتهم، وما عليهم من عدد وسلاح، فتقهقر الجيش الساماني حيث فاجأه الكمين بقيادة يزيد السكوني وفرضت الهزيمة المخزية والقاسية على الجيش الساماني وقتل قائد ميسرته (الجلابزين).إن انتصار العرب في ذي قار كان نصراً عظيماً للعرب وذا أثر حاسم، إذ حطم غطرسة الفرس وهيبتهم وشجع القبائل العربية على الاستهانة بهم والإغارة عليهم وظهرت قوة القبائل العربية بعد أن أصبحت الحدود مفتوحة أمامها لمد نفوذها لتحرير العراق فيما بعد. وقد افتخر العرب بهذا النصر وخلدوه، شكراً لله حيث انتصفت العرب من العجم يوم ذي قار، وخلده الشعراء كما خلدوا بطولات جيشه وأقسم الأعشى بيوم ذي قار تعظيماً له وخلد على توالي القرون وتعاقب الأجيال.وأشد مما سبق تشويقاً وإثارة للاهتمام، أن الله قد ألهم قبيلة بكر - وكانت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم قد سرت في جزيرة العرب - أن تجعل شعارها (كلمة السر) في موقعتها في ذي قار، أن يقول كل فرد وهو يضرب في أعدائه (يا محمد يا منصور) ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم عندما وصلت انباء النصر إليه في مكة: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروافلما جاء الإسلام غزا العرب المسلمون الفرس بزعامة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان أفضل سلاح لهم الدعوة إلى الله وبها نصروا لأن الله وعد من قام بالدعوة إلى لاتوحيد بالنصر والتمكين وأصبحت بلاد فارس تحت قيادة العرب في المدينة المنورة وذلك لعلم لاعرب أن من لم يغزو غزي والدعوة إلى الله متيسرة لكل أحد وفي كل زمان وصلى الله على نبينا محمد وآله وصبحه وسلم القائل: لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد