Al Jazirah NewsPaper Saturday  15/09/2007 G Issue 12770
مقـالات
السبت 03 رمضان 1428   العدد  12770
بنك الفقراء تجربة بنجلاديشية وصلت إلى 60 دولة في العالم
زيارات البروفيسور يونس هل هي ثقيلة على المصرفيين العرب؟
د. علي بن شويل القرني

يعد السيد محمد يونس في زيارته الحالية لبعض الدول العربية بما فيها المملكة ضيفاً ثقيلاً على جميع البنوك العربية، فلم يكن مرحباً به من قبل هذه البنوك التي تبتلع كل ما يمتلكه المواطن

العربي من مدخرات وأساسيات دون رادع من ضمير أو إحساس بمسئولية إنسانية.. وتمر الأيام التي يقضيها البروفيسور محمد يونس البنجلاديشي الجنسية وخريج جامعة فندربيلت بولاية تنسي الأمريكية في الاقتصاد عام 1972م وهو في ربوع العالم العربي أياما ثقيلة على المصرفيين العرب، فهم يتمنون خروجه اليوم قبل غد، لأن زيارة مثل هذه الشخصية العالمية التي أسست بنك جرامين في بنجلادش عام 1976م وسمى ببنك الفقراء لأن جميع الخدمات التي يقدمها موجهة للفقراء المعدمين في بلاده، من شأنها أن تسلط الضوء على الدور الاحتكاري الذي تقوم به البنوك العربية في تكريس الفقر والاعتمادية في أكبر شريحة من أبناء المجتمع العربي.. ومن شأنها كذلك أن تسلط الضوء على أن بعض البنوك العربية والخليجية تحديداً تمتلك نسبة هائلة من الفوائد أكبر من أي فوائد بنكية في أي دولة رأسمالية أخرى (أرجو أن يصحح أحد لي هذه المعلومة).

كما أن البروفيسور محمد يونس قد أسس مؤسسة محمد يونس وهي مؤسسة تقدم خدماتها الإقراضية إلى ملايين الفقراء في كثير من دول العالم (أكثر من ستين دولة في العالم) من بينها دول في منطقة الشرق الأوسط.. والعمل جاري لافتتاح فروع جديدة في المنطقة.

وقد فاز السيد يونس بجائزة نوبل للسلام عام 2006م، من بين أكثر من مائة مرشح، حيث فاز هو وفازت مؤسسته بهذه الجائزة، تكريما للدور الذي يقوم به في مجتمعه وفي المجتمع الإنساني عامة. وهو بلا شك يستحق هذا التكريم والتقدير العالمي.. كما أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز قد قلد البروفيسور محمد يونس وشاح الملك عبدالعزيز تقديراً لجهوده في خدمة الفقراء في العالم.. وسعدنا بلقائه حينما استضافته جامعة الملك سعود قبل أيام، وتحدث عن حياته وجهوده لخدمة الفقراء، ليس فقط في بنجلادش، بل في كثير من دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية.. وذكر لنا أن الرئيس كلينتون عندما كان حاكماً لولاية اركنسا طلب من يونس أن ينفذ فكرة هذا البنك في هذه الولاية، وبعث كلنتون بوفد أمريكي إلى بنجلادش لدراسة تطبيق هذه الفكرة، ثم بعد ذلك انتشرت في معظم الولايات المتحدة.

وتتلخص نظرية يونس الاقتصادية في أن الفقراء إذا أعطوا الفرصة فيمكن أن يبدعوا ويحققوا النجاح في المشروعات الاقتصادية، حيث يقدم بنك جرامين للفقراء قروضا لتأسيس مشروعات صغيرة في قراهم، ومعظم هذه القروض تذهب للنساء في بنجلادش أو في الدول الأخرى (97% قروض نسائية).. وحققت هذه التجربة نجاحاً كبيراً بين هذه الشرائح العريضة من المجتمعات.. وحسب تقديراته فيتوقع أن يقضي على نصف حالات الفقر في بلاده بنجلادش بحلول عام 2015م، ثم يكتمل القضاء على هذه النصف الآخر عام 2030م.. وهذا نجاح إذا تم لم تحققها خطط التنمية الحكومية في أكبر البلدان ثراء وإمكانيات.. وقد قدم هذا البنك خدماته الإقراضية إلى أشخاص، تتحاشاهم البنوك الأخرى في بنجلادش أو في دول أخرى منها..

بشروط أن يتكافل خمسة أشخاص في دعم تسديد هذا القرض المقدم إلى المقترض الأساسي.. ونجح كثيراً، لأن هذه المشروعات الصغيرة نجحت.. وحرص المقترضون على التسديد لأن تسديدهم هو قرض آخر لأخ لهم، أو جار، أو صديق، أو ابن بلد من المحتاجين..

وقد بدأت قصة يونس من ملاحظاته مع طلابه - وهو أستاذ الاقتصاد بجامعة شيتاجونج البنجلادشية - لأحوال الناس في إحدى القرى البنجلادشية، حيث وجد امرأة تقوم بتصنيع كراسي خشبية من أشجار البامبو، وتلجأ إلى الاقتراض من أحد المرابين في القرية، وتعمل (12) ساعة في اليوم من أجل أن تسدد لهذا المرابي، ويبقى لها فقط قوتها اليومي لا غير.. ومن هنا تعلم يونس أن هؤلاء الناس يحتاجون إلى رأس مال بسيط بدون فوائد حتى يتمكنوا من تسيير مشروعاتهم، وبناء نجاح اقتصادي لهم.

وحاول أن يقنع البنك المركزي والبنوك الأخرى في بنجلادش بفكرة تقديم القروض الصغيرة للفقراء دون ضمانات (لأنهم لا يستطيعون أن يقدموا الضمانات المالية أو المادية التي تشترطها البنوك)، ولكن باءت محاولاته بالفشل.. واقترض هو شخصيا وأسس مشروعه الحلم، ونجح في قرية ثم عدة قرى ثم في باقي مقاطعات بنجلادش إلى أن استطاع أن يقنع بعض البنوك بمثل هذا النجاح لدعمه في تأسيس بنكه الموجه للفقراء.

وأخيراً، فتسليط الضوء في الوطن العربي على مشكلة الفقر هو بداية وضع الحلول لهذه المشكلة التي تعاني منها نسبة ليست قليلة من أبناء البلدان العربية.. والسؤال الكبير الذي لا يزال يثير الدهشة هو هل تحركت البنوك العربية في تقديم أي خطوة في مساعدة الفقراء على النهوض من أوضاعهم؟

بالتأكيد وبعنوان كبير، لا.. فعلى الرغم من الفوائد الهائلة التي تقتصها البنوك من جيوب الناس صغيرا وكبيرا غنياً وفقير، إلا أن هذه البنوك لم تقدم أي شيء في هذا المجال الحيوي في استقرار المجتمع العربي.. بل إن التعاملات البنكية تزيد الغنى لدى الأغنياء وتكرس الفقر لدى الفقراء.. ومن المضحك أن مبدأ المسئولية الاجتماعية لدى هذه القطاعات البنكية ضعيف إلى معدوم تماماً ولهذا يجب أن نحتفل بالبروفيسور محمد يونس كثيرا، ونود أن يخرج من العالم العربي أكثر من محمد يونس.



رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للإعلام والاتصال أستاذ الإعلام المشارك بجامعة الملك سعود alkarni@ksu.edu.sa
لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6008 ثم إلى الكود 82244

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد