Al Jazirah NewsPaper Saturday  22/09/2007 G Issue 12777
مقـالات
السبت 10 رمضان 1428   العدد  12777
طاش ما طاش وتاجر البندقية
عبد العزيز السماري

نجح مسلسل طاش ما طاش بامتياز خلال الخمس عشرة سنة الماضية في تطوير العمل الفني المحلي، وتقديمه في سيناريوهات وحوارات متقدمة في دقة تنفيذها وإخراجها الفني.

كذلك استطاعت هذه المجموعة المتميزة اختراق بعض من الخطوط الحمراء في فضاء العمل الإعلامي المحلي، والدليل وجود معارضة عالية الصوت ضد استمراره كل عام.

لكن ما يقلق مع مرور السنين هو إصرار مؤلفيه على تقديم صور نمطية متكررة لشخصيات من واقع المجتمع المحلي، لعل أهمها حسب رأيي وأكثرها حساسية هي شخصية (عدنان) العربي أو الشامي الحامل للجنسية السعودية، والذي يقوم بأداء دوره سنوياً الممثل المميز ناصر القصبي.. يتصف قالب هذه الشخصية دائماً بالاحتيال والنصب والحرص على جمع المال بأي طريقة من المواطن السعودي الأصيل.

وهي صورة لا تتفق مع الواقع تماماً، فغالبية الإخوة العرب والذين استمروا في القدوم لأرض الوطن منذ تأسيسها، ساهموا بإيجابية في مراحل البناء والتعليم وسوق العمل، وكان ولا زال منهم شخصيات رائعة ساهمت في إثراء المجتمع المحلي، لعل أشهرها على الإطلاق الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله- والذي اعتاد أن يظهر بعد صلاة كل جمعة، وهو يلبس الغترة والثوب، ليقدم لنا بلهجته الشامية فهماً معاصراً للدين ولمقاصده الحنيفة.

هذا لا يعني عدم وجود شخصيات سلبية بين هذه الفئة، فهم مثل الآخرين أو مثل أي مجتمع تتنوع فيه الأنماط والشخصيات. لذا كان من الخطأ الجسيم أن تختزل هذه الشخصية في هذا النمط السلبي بصورة متكررة، والذي يكرس موقفاً عنصرياً من هذه الفئة، هذا إذا أدركنا أن المسلسل يحظى بشعبية عند الأطفال، وقد أثبتت التجارب أن الأطفال يتعلمون الأفكار النمطية والعنصرية والعرقية في عمر صغير جدا، وهو ما له من تأثيرات سلبية غاية في الخطورة على مستقبل هذا الجيل.كان الوعي المحلي ولا زال يزخر بصور نمطية سلبية جداً عن كثير من الأقليات والطوائف، لكن المسلسل لا يستطيع تناول أغلب هذه الأنماط لخطورتها، لهذا اكتفى مؤلفو حلقات المسلسل بالإصرار على تقديم قوالب سلبية للعربي المجنس وللعامل الهندي فقط، وهؤلاء يمثلان أحد وجوه الطبقة العاملة في المجتمع، والمتهمة دائماً بجمع المال بأي وسيلة من السعوديين.

مسلسل طاش ما طاش يمثل الوعي المحلي (المركزي)، ويقدم الكوميديا والنقد من خلال هذا الوعي، لذا نجده يساهم بصورة غير مباشرة في تعميم هذا الوعي محلياً، وصياغة الهوية من خلال حلقاته الموسمية، وهو ما قد يفسر شيئا من شعبيته المحلية خلال الخمس عشرة سنة الماضية. فقد كان يحاكي في بعض شخصياته ما يكتنزه العقل الباطن للوعي السلبي ضد الأغراب الذي يشاركون السعودي في ثروته.

الأفكار النمطية ليست نتاجا سيكولوجيا للذات، بل أنها نتاج للتبادل المعرفي الذي يحدث بين الذين ينتمون لنفس الهوية، وتلك هي الرؤية المعرفية للتنميط، هناك من يرى أن للأفكار النمطية وظيفة اجتماعية كالتبرير لفشلهم مثلاً في سوق العمل..

كان وليام شكسبير أحد صناع الوعي الأوروبي في القرن السادس عشر، فلقد أسهمت أعماله الأدبية في بداية بلورة وعي مركزي للذات الأوروبية، الخارجة للتو من عصور الإقطاع، وكانت شخصية شايلوك التي صاغها شكسبير لليهودي في «تاجر البندقية» تكرس ما ترسخ في الوعي الأوروبي منذ قرون سابقة عن شخصية اليهودي المرابي..شخصية كانز الأموال والمرابي الجشع والذي يمثل نموذجاً لليهودي الثري الذي هو في أعلى الهرم الاجتماعي يستغل حاجة البرجوازيين والبرجوازيين الصغار إلى المال.. فيقرضهم مقابل فوائد و صكوك وضمانات تصل إلى حد اقتطاع أجزاء من لحوم أجسادهم إذا لم يستطيعوا الوفاء بالدين..

ارتبطت هذه الشخصية الشديدة السلبية بقوة في الوعي الأوروبي حتى القرن التاسع عشر، وقد صاحب تلك الشخصية مشاعر عداء وكراهية وحقد على اليهود، وإن اختلفوا عن نمط شايلوك، حيث اقترن تعبير العداء للسامية بالعداء لليهود وكرههم في جميع الدول الأوروبية، وكانت المركزية الأوروبية في مرحلة صعودها المتواصل تعمق في الوعي الشعبي الأوروبي صورة ملتبسة ونظرة دونية إلى كل السلالات السامية الشرقية مختزلة إياها باليهود.

أخيراً..لا يستطيع أيا كان أن يشكك في جودة مسلسل طاش ما طاش الفنية، وبراعة ممثليه، ثم قدرتهم أحياناً على تقديم أفكار ذات معاني عظيمة في حلقات قصيرة المدة الزمنية نسبياً، لكن ما أخشاه عليهم أن يتبنوا من حيث لا يدرون بعض الصور النمطية السلبية التي تتناولها بعض فئات المجتمع.. وهو ما قد يؤدي، إذا تكرر تقديمها، إلى تأصيل موقف عنصري ضد الآخر في عقول النشء الجديد.













لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6871 ثم إلى الكود 82244

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد