بيروت - هناء حاج
من الواضح أن التكرار بدا واضح الملامح في أعمال الفنان يحيى الفخراني من خلال الشخصيات التي يقدمها، فخلال السنوات الثلاث المتتالية قدم الفخراني شخصيات لا يمكن أن توصف سوى بالعقد، لأنها فعلاً شخصيات مركّبة قد لا يفهمها إلا كاتبه يوسف المعاطي ويترك الأمر للمشاهد بأن يستنبط منها العِبرة والرسالة التي يرغب فيها مع أداء غاية بالفكاهة من الفخراني إما هي تنفيذاً لرغبات المخرج مجدي أبو عميرة الذي يتعمد أن يبرز الفخراني ضاحكاً إما بسخرية أو بسخافة..
بين (عباس الأبيض) و(سكة الهلالي) والآن (يتربى في عزو) لا تختلف صورة يحيى الفخراني في كل الصور حيث يعيش ضمن حياة فيها اللهو والشخصيات المركبة التي تلتف عن الحلول مع أنها واضحة أمامه، ففي (سكة الهلالي) كان الأستاذ الجامعي والمذيع صاحب الفكر النيّر والعقل الواسع، لم يتمكن من التصرف بعقلانية تجاه المصيبة التي ظهرت فجأة في حياته (وهي ابنة غير شرعية) وكانت الفوضى أسيرة حياته والضجيج سيد الموقف في تصرفاته.
أما في مسلسل (عباس الأبيض) فكان الممثل يحيى الفخراني بشخصية أبعد من أن تكون لممثل قدير مثله، وهي شخصية الإنسان الذي لا يعرف لنفسه حدوداً في تحديد خياراته، وعدم رغبته بالوضوح، لما بناه من شخصية مهزوزة خلال فترة سجنه في العراق على مدى عشرين عاماً حيث انقطع كلياً عن الناس, وعندما عاد كانت شخصيته المركبة بشكل غير منتظم واضحة على الشاشة.
ويبدو أن بين الفخراني والشخصيات المهزوزة علاقة متينة ويفضل نقلها من عمل إلى آخر خصوصاً خلال أشهر رمضان حيث كثافة التابعة التلفزيونية، واليوم وصل في مسلسل (يتربى في عزو) مع شخصية حمادة عزو رجل الأعمال أو تاجر ألعاب الأطفال المزواج المستهتر حتى بأولاده ويخلط بينهم فلا يعرف كيف وماذا يدرسون أو كيف يعيشون، لكونه يترك كل ولد منهم لوالدته لتربيه، وهو يهتم بمتعته وهي صاحبة الأولوية في حياته. يهتم حمادة عزو بالأطفال بشكل كبير جداً إلى درجة أنه كلما التقى طفلاً نسي محيطه وحتى لو كان في المحيط مصير حياة أقرب الناس إليه كمثل الذي حصل أثناء زيارة عائلة عروس ابنه البكر. ومن خلال كل الأحداث المتتالية التي سيتابعها المشاهدون في سياق المسلسل أن تصرفات حمادة عزو الطفولية هي ليست وليدة ساعتها بل هي نتيجة تربية الدلال التي لا يزال يعيشها مع والدته ماما نونا (كريمة مختار) التي لا تستطيع أن تعطي المجال لابنها ليتصرف كرجل على أبواب أن يصير جد، بل تبقى تلاحقه وتتابعه كأي أم تراعي تصرفات طفلها. وبما أن حمادة عزو مزواج لا بد أن يقع مرة في شباك من لا يعتقد أنها الأفضل، إلا أن زواجه الأخيرة بعد تجاوزه الستين عاماً من سيدة تعمل على أن تعيد توازنه لتجمع شمله مع أولاده لتعود معها المياه إلى مجاريها.. ولعل الفنان القدير يحيى الفخراني على رغم المرح والفكاهة التي يقدمها في عمل يصلح أن يكون في خانة (الكوميديا السوداء) يرغب في تقديم قصة جديدة في شخصية معتادة تحمل في طياتها مفاجآت مغايرة وغير متوقعة في الحلقات التالية.