الهم حالة من الألم تسيغ النفس المرارة، وتصبغ على الذات ليل امرئ القيس الشهير الذي قال فيه:
وليل كموج البحر أرخى سدوله
علي بأنواع الهموم ليبتلي
والهم حين يحتضن الروح يرهقها ويجعل منه سببا تبحث عمن يحررها ويفتديها.. افتداء عزيزا محملا بالكرامة، لا افتداء يأتي خبط عشواء يؤجج غضب العدو فيشد وثاق الذات ويحكم قبضته عليها.
فكم سبى الهم ذواتنا وأغضبه المفتدون، فنلنا من تنكيله صنوفا!
فيا أيها المفتدون قبل افتدائكم للمهموم من همه استعيروا قلبه لتشعروا به، والبسوا أشجانه لتعلموا ما يعانيه..
لا تعذل المشتاق في أشواقه
حتى يكون حشاك في أحشائه
عندها لن تعذلوه ولن تلمزوه، وستدركون كيف يفك أسره، وتحلحل قيوده من همه دون أن يزيد الجرح جرحا والألم إيلاما، فكم جاءت المضرة من نية النفع! وكم أهلك الزرع عنفوان السيل! ولكم كان الدواء سبب البلاء!
وسل نفسك يا مفتدي المهموم من همه ألك عند همه قدر ومقام فيعتقه؟ أم أنك ستكون وبالا فوق وبال؟ ثم سلها من أين تأتي وكيف ومتى؟
وقبل هذا وذاك سل نفسك عن مرادها ودافعها؛ أحب أم فضول أم خانة وددت أن تملأها؟
الهم عدو مقتدر لا يطلب في الليل كما في الهجير، ولا في القيظ كما الزمهرير، يزيد جنوده إذا غضب! ويفك أسراه إذا رضي!
فيما مفتد للمهموم قد يكون العتب واللوم يوما دواء (وربما صحت الأجسام بالعلل)، وقد يكون الرفق بلسما أحيانا، وقد يكون افتداؤه بتركه خير تارة أخرى!
إن لم نتقن فن التخفيف عن المهمومين وخضنا هذه التجربة (فويل للشجي من الخلي)..!
almdwah@hotmail.com