تحولت الأسرة السعودية من أسرة ممتدة إلى أسرة صغيرة تضم زوج وزوجة والأبناء الذين صغر حجمهم أيضاً حيث ترغب الأسرة الحديثة ألا تضم إلا عددا قيل من الأبناء فلماذا هذا التغير الحادث الذي ألم بالأسرة السعودية؟.
بل وحاق بكل الشباب المقبل على الزواج.
وقبل الإجابة على السؤال نضع مجموعة من المسلمات المتفق عليها وهي:
* أن الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع وهي من أولى وأهم النظم الاجتماعية وهي النسق الأول في البناء الاجتماعي.
* أن الأسرة هي المحضن والبيئة الطبيعية التي ينشأ فيها أطفالها وهي مصنع الرجال عن طريق الضبط والتنشئة الاجتماعية.
* أن الأسرة هي المحدد لخصائص المجتمع ومميزاته التي يتسم بها ويتفرد عن سائر مجتمعات العالم الأخرى سواء في محيطنا العربي أو خارج المحيط.
* أن الأسرة بحكم تكوينها الثقافي وبحكم الإرث الاجتماعي وبحكم القيم والاتجاهات السائدة تمحورت عاداتها وتقاليدها حول منجزها السلوكي فكان مخرجه تطبيع الواقع الاجتماعي وامتداده في المجال الاقتصادي وتوجهه النفسي وحياته الاجتماعية.
* أن الأسرة تمثل قوة الدفع بمخططات التنمية لتحقيق استراتيجياتها وأن محقق التنمية بمجالاتها المختلفة من نتائج جهده وهو محصل نواتجها بمعنى أنها منه وله.
وعلى الرغم من ثبوت هذه المسلمات في نطاق شمولي أكبر إلا أنه قد اعتراها التغير بفعل أمرين: الأول مخرجات مخططات التنمية الشاملة في كافة المجالات وهي تنمية مقصودة. والثاني نواتج ذلك التغير الاجتماعي الراكض من حولنا، وما له من تأثير عميق في مجريات الواقع بفعل نظريات (التمثيل) و (الامتصاص) التي يتحاكى بها منظروا علم الاجتماع.
ومن هذين العاملين تشتق عوامل أخرى عديدة كان لها بالغ الأثر فيما حاق بمجتمعنا من تغير وما ألم بنا من متغيرات في كافة المجالات وما صاحب هذه المتغيرات من ظواهر سلوكية منها ما كان سوياً وما كان في دائرة اللاسواء السلوكي على مدار حقبتين من الزمن أو ثلاث مضت خلف عادات وتقاليد أخرى قريبة أو بعيدة منها الأسرة ذلك النظام الاجتماعي الذي يجب صيانته دوماً.
ولكن لا يمكننا البتة الحيلولة دون تجاوبه مع تلك المتغيرات الحديثة وما لها من قوة اختراق لثقافتنا الكلية.
ونحمد الله أنه على الرغم من هذا التغير الاجتماعي السريع إلا أنه شمل الاتساع ولم يتضمن العمق إلا أن الأسرة السعودية لا تزال تحافظ على ملامحها الأساسية التي تميزها عن غيرها، وما زالت تتمسك بالثوابت ولم تجرؤ عليها. لكن!!!.
لكن عن طريق إلغاء الفواصل المكانية والزمانية بين الدول بفعل (العولمة) وعن طريق الفضائيات والحواسب والإنترنت، وعن طريق البعثات للخارج والاحتكاك وعن طريق التواصل ودلالاته بات يسيراً إحداث تغير وتبديل في فعاليات الواقع إعادة صياغته متجددة يمكن محاربتها أو تنفيذها.
وفيما بقى من مساحة هذا المقال نسوق بعض من عوامل التغيير الاجتماعي الداخلية التي كان لها بالغ الأثر في تغيير واقع وكيان الأسرة ومنها: ارتفاع نسبة التعليم خصوصاً الإناث الأمر الذي شجعها على الخروج من البيت والتوجه لميدان العمل مما اضطرها للتفكير في حجم الأطفال بالأسرة (من طفلين إلى أربعة في الغالب) وبعض الآباء المستغربين يعززون هذا الاتجاه.
ودخول الأجانب للبيت (الخادمة - السائق...) والسكني في المدينة مما أدى إلى النائي عن العائلة وتفتتها لأسر صغيرة ورحيلها لأماكن بعيدة تبعاً لوجود المؤسسة التعليمية أو العملية مما أدى إلى التحلل من بعض العادات والتقاليد مع قلة الزيارات ووهن علاقات التواصل العائلي مع الاستقلالية في الحياة المعيشية، واضطرت الدولة إزاء ذلك أن تقرض الشباب المقبل على الزواج قرضاً مخصصاً لبناء سكن خاص ومناسب وأقبل بعض الشباب على السكن في شقق مستقلة داخل عمارة تضم أدوار وشقق كثيرة مما أدى إلى التوسع العمراني، وفي مجال الخدمات كالمدرسة والمستوصف الطبي ومركز الشباب والأسواق التجارية، وغيرها ومع زيادة المتعلمين والتوسع العمراني، وفي مجال الخدمات كالمدرسة والمستوصف الطبي ومركز الشباب والأسواق التجارية، وغيرها ومع زيادة المتعلمين والتوسع العمراني، وتوفير الخدمات، وكثرة الأسواق زادت قبالها المؤسسات الصناعية والإنتاجية.. مما أدى أيضاً إلى التوسع في المناشط الاقتصادية المتعددة والمتنوعة ومستلزماتها من تعبيد طرق ووسائل للنقل والمواصلات ومحطات لوقود السيارات.. ومراكز للصيانة والإصلاحات. وإزاء هذه المتغيرات تغيرت الأسرة السعودية في اتجاهاتها نحو الحياة والمعيشة والترف حيث عمت بيوتات المدينة استخدامات الدش للتعامل مع القنوات الفضائية بغثها وسمينها دون تميز، وتعامل مماثل مع الحاسوب واستخدام (النت) و(الإيمل)، وفظاعة ما يعود من ورائه خصوصاً في مجال السلوك الأجنبي المستهجن، ومشاهدة برامج الإفساد الخلقي والتمزق الثقافي.
ومن عوامل التغير الصارخة هو زيادة مساحة الحرية الممنوحة للأبناء وحثهم على اتخاذ القرارات ذات العلاقة بشؤونهم مثل الزواج، والسفر للخارج واختيار نوع التعليم أو المهنة، وإن كان هذا مفتوحاً للشباب فهو محدود نسبياً بالنسبة للبنات.
وهكذا تخلت الأسرة عن تربية أبنائها أو رعايتهم أو تنشئتهم أو حتى نقل الخبرة الحياتية والتجربة المعيشية حيث بات الأمر لا إرشاد فيه أو توجيه وما زلنا في مهب رياح التغير الذي ستكون له أبعاد مستجدة مهمة تحتاج للمواجهة معها بما يفيد الوطن والمواطنين.