Al Jazirah NewsPaper Saturday  29/09/2007 G Issue 12784
الرأي
السبت 17 رمضان 1428   العدد  12784
الأمر والطاعة بين السلطة وتأثير الشخصية
سلامة بن هذّال بن سعيدان

إن الصلة بين الأمر والطاعة، ليست مجرد علاقة بين رئيس ومرؤوس، إذ إن ثمة طرفاً ثالثاً محتجباً، ولكنه ماثل دائماً في كل حالة، وهو السلطة بدءاً من أدنى مستوياتها وانتهاءً بالسلطة الأعلى.

وهذه السلسلة من السلطات، تقف خلف مصدر الأمر الذي هو أداتها، حيث تمده بالقوة الشرعية لتنفيذ ما يصدره من أوامر، وإنجاز ما يقوم به من مهام، مع الأخذ في الحسبان دور الشخصية وتأثيرها، وإنه تبعاً للأسلوب الذي يصدر به الأمر، يتحدد نوع الاستجابة التي يثيرها.

كما أن التصرفات والممارسات من قبل المرؤوسين خارج نطاق الأوامر، تشكل الامتحان الصادق للسلطة، وتكشف عن مدى استقرار العلاقة بين من يمثل السلطة ومن دونه، وما ينطوي عليه ذلك من قوانين وأنظمة، ومثل وقيم مستحكمة.

والسلطة خدمة أكثر منها فرض إرادة، وهي تكليف وقبول مسؤولية بقدر ما هي تشريف واعتراف بالأهلية، الأمر الذي جعلها مطلباً وغاية للذين قادهم التوفيق، وهدتهم السبل، وتوافرت لهم الوسائل والإمكانات، وفوق كل ذي علم عليم.

والإنسان يكرس وجوده في الحياة من خلال ما يصادفه من مصاعب ومتاعب، وما يحقق من إنجازات ومكاسب، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، باذلاً جهده نحو إيجاد ذاته والاعتراف بها من قبل الآخر، أما من حباه الله بسطة من العلم والموهبة، فتمتد طموحاته إلى بذل الجهد الجهيد في سبيل الوصول إلى السلطة وتسلم زمامها نحو قيادة الآخرين، طبقاً لما يتميز به عليهم من سجايا خلقية وقدرات شخصية تمكنه من تسنم قمم المناصب واحتلال مكان الصدارة في الوسط الذي يعيش فيه.

وحتى يستقيم أمر السلطة، وتأخذ مكانها، ويقوى سلطانها، لا غنى عن التفاعل من داخلها والالتفاف حولها، من خلال مختلف القوى المحركة لها، وما يدفعها من دوافع انتمائية دافعة، ويجذبها من عوامل جاذبة، تغذيها القيم والمثل، وتحفظ مسيرتها الطاعة والعدل، نحو الأهداف المرسومة والغايات المعلومة.

وبالإضافة إلى عوامل التحفيز الإيجابية التي تدفع إلى الالتفاف حول السلطة، فإن ثمة عوامل سلبية تدعم هذا الالتفاف وتزيد من قوته، فالمواقف المعاكسة، والأحداث المتغيرة، وما ينجم منها من تداعيات سلبية تمثل حوافز داعمة وبواعث محفزة، كما أن المخاطر والصراعات تدفع إلى الالتفاف حول السلطة المركزية، والصمود في وجه ما يهدد الجميع من مخاطر، ويعترض طريقهم من عراقيل ومعوقات، تبعاً لتقسيمات السلطة ومراكز القوة المحركة لها رأسياً وأفقياً.

ومهما تعددت مصادر السلطة وأنواعها ومسمياتها، وتباينت أساليبها ومجالات تطبيقها، واختلفت مساراتها وأبعادها، فإن ثمة قاسماً مشتركاً يجمع بين هذه المفهومات والمصطلحات، وهو التطلع إلى بلوغ أبعد الأهداف والغايات، وتحقيق أقصى الطموحات والنجاحات.

وعلى صعيد السلطة الشاملة، فإن السلطة الأعلى هي سلطة الدولة أو ما يطلق عليه السلطة السياسية، وهي ذات بعد اجتماعي وتاريخي وشرعي، وتتكون من عدة سلطات مركبة، وتشتمل على وظائف الحكم والتشريع والقضاء والتنفيذ والإدارة، ويدخل في مفهومها الوظيفة الاجتماعية التي تعنى بسن القوانين وحفظها وتطبيقها، ومعاقبة من يخالفها، كما تعمل على تغييرها وتطويرها كلما تطلب الأمر ذلك، وهي بمثابة المرجع للسلطات الفرعية تتفرع منها وتلتقي عندها.

ويتحكم نوع المهمة وحجم المسؤولية في شكل السلطة التي باسمها يتم إنجاز المهام والاضطلاع بالمسؤوليات، والسلطة الأدنى مستمدة من السلطة العليا، وهي أمانة عند من يمثلها، ويتعين عليه المحافظة عليها وعدم التفريط فيها، وإذا أراد مصلحة المرؤوسين وفائدتهم، فلا بد أن يجعل السلطة محترمة ومهابة، وأن يشعر بقيمة مهمته بوصفه ممثلاً للسلطة ومسؤولاً عن احترام الجميع لها.

وتأسيساً على ذلك، فإن السلطة هي حق فرض الإرادة، وتعد ظاهرة النفوذ وتأثير الشخصية على رأس العوامل التي تمكن الشخص من التحكم في السلطة وممارستها بصورة مرضية للمرؤوسين ومؤثرة فيهم، ولا يحق لأي شاغل وظيفة أو منصب أن يسيء إلى مبدأ السلطة، فهي ليست من ممتلكاته أو مزاياه الخاصة، بل هي تمثل هالة سامية ترتديها خدمته، وتحدد المصلحة العامة حدودها وقيودها.

وبالطبع فإن معرفة الطاعة وتعلمها سابق لمعرفة السلطة واعتيادها، كما أن المسافة بين الطاعة والخضوع كالمسافة بين السلطة والتسلط، فالطاعة من الواجبات التي ينبغي على المرؤوس أن يقبلها ويرتضيها، بوصفها تمثل القيمة الحقيقية للمرؤوسين والقوة الدافعة لهم. وبما أن الواجب له حد أدنى وحد أعلى، فإن الطاعة على هذا الأساس قد تكون كاملة أو ناقصة، طبقاً للإجادة في التنفيذ ومدى إتقان الواجب المنجز، وقد تكون الطاعة إيجابية ناجمة من رغبة واقتناع، وقد تكون طاعة سلبية خجولة مردها إلى الرهبة والانصياع.

وفي جميع الحالات يوجد هامش للطاعة وحيز للواجب لا تصل إليه سلطة الأوامر مهما بلغت قوتها، وتناهت شدتها، وارتفع مستوى سلطتها، بل لا يتم بلوغ ذلك الهامش والحيز إلا نتيجة للتأثير الشخصي والنفوذ الفردي لمصدر الأمر، وتقديره ومحبته والثقة فيه، وهذه الطاعة لا تستجدى استجداءً، ولا ينبغي الاعتماد على فرضها بصورة مجردة بمعزل عن مقوماتها وقيمها، فلا مندوحة من إيجاد البيئة القابلة للإيحاء بها وفرضها تلقائياً بوحي من القناعات وصحة الاعتقادات.

والواقع أن هناك استعداداً فطرياً عند بعضهم كي يصبحوا قادة وزعماء، بما يتوافر لهم من جاذبية شخصية تسمح لهم بأن يملوا إرادتهم على الآخرين، مؤثرين فيهم من خلال ما يتحلون به من نفوذ، يتخذ شكل الممارسة تارة والتلقائية تارة أخرى.

وهذا النفوذ التلقائي والتأثير الممارس يحتاج إلى بيئة اجتماعية وثقافية ذات أبعاد حضارية ومهنية معينة، تجعل صاحب النفوذ يرتفع فوق مستوى الآخرين، مكتسباً قوة تأثيرية تسمح له بالاستفادة من الظروف الاجتماعية والمواقف المواتية، ليمارس السلطة بفضل قوته ومكانته ومعطيات وظيفته القانونية والنظامية.

فالقوة التي يتمتع بها شاغل المنصب بحكم موقعه ووظيفته، تمكنه من فرض إرادته على المرؤوسين عن طريق القوانين والأنظمة والأوامر التي يستمدها من سلطات أعلى، ويفرضها واقع المنصب وطبيعة الوظيفة، ومجال العمل والمهام والمسؤوليات والأهداف والغايات.

أما المكانة فوضعية مركبة، تجمع في داخلها بنسب مختلفة عناصر تأثيرية، ذات طابع قيادي واجتماعي، تتجلى في الجاذبية والقدرة الشخصية، والنفوذ التأثيري، وما يقود إليه ذلك من قبول حسن ورضا تام من قبل المرؤوسين يتطور مع مرور الأيام وكر الأعوام، إلى اهتمام واحترام، وتقدير ومودة، ومن ثم يصل إلى مرتبة الاستحواذ والافتتان، مولداً في محيط السلطة نفوذاً رديفاً للقوة لا غنى عنه لمن يرغب أن يكفل لنفسه سلطة مستقرة ومستمرة.

وقد قيل: (بأن القوي لا يستطيع البقاء على قوته التي تؤمن له الاستمرار في السيادة، ما لم يعرف كيف يحول القوة حقاً والطاعة واجباً). ودور المكانة في عملية التحويل أنها تزيل لدى الآخرين كل شعور بالإكراه والإرغام، بحيث يصبح الخضوع للإرادة نوعاً من الانقياد والانجذاب اللذين يوجههما الاحترام والتقدير والمحبة والثقة.

وهذه العملية التحويلية أيضاً، تعني أنها طريقة استلاب للروح النقدية لدى الآخر، بحيث يتخلى المرؤوس بطوعه واختباره عن النقد، تاركاً لصاحب المكانة الحق في تمثيل السلطة وتحمل المسؤولية الجماعية، وترجمة الآمال المشتركة؛ ما يجعل النفوذ والتأثير في النهاية بقدر ما يرتبط بالمعطيات الواقعية والقوة الوظيفية والمؤهلات الشخصية، بقدر ما هو مرهون بالتطلعات والآمال المعقودة ذات الصبغة المعنوية والطابع التأثيري.

وبالطبع فإن مكانة أي رئيس تجعل منه رمزاً للمرؤوسين، باعتباره لا يمثل تطلعات هؤلاء المرؤوسين وآمالهم فحسب، بل يجسدها تجسيداً ويحقق وجودها، إذ يجعل كل مرؤوس يشعر بأنه جزء لا يتجزأ منه ومصيره مرتبط بمصيره، فهو مثال يحتذى وقدوة للجميع، يحاول كل منهم التأسي به وتقليده، ناهيك عن أنه حامل رغبتهم وعنوان آمالهم، بما يتحلى به من سجايا ومناقب وما يضطلع به من مسؤوليات، ويؤديه من واجبات، تلك السلوكيات والممارسات التي توجد منها الدعاية والذكر الحسن واقعاً قائماً، تتحول فيه الرغبات النفسية إلى قيم معنوية، والمتاعب إلى مكاسب، والمنافع إلى دوافع.

وينبغي ألا يغرب عن البال أن جانباً من هذه المكانة، يعد معنوياً أكثر منه مادياً، فهو بمثابة مزيج من الإيحاءات والاعتقادات التي تغلِّف مشاعر المرؤوسين وتطبع أحاسيسهم نحو رئيسهم، مؤمنين بأن لديه من الخلق والفضائل وقوة الإرادة ما يهديه إلى الصواب مع الاعتماد عليه في كل الأوقات، مهما كانت المواقف والظروف.

وعلى الجانب الآخر، فإن الشخصية هي المدى الذي يذهب إليه صاحب هذه الشخصية في تحويل كفاءاته وضروب أنشطته إلى عادات وأعمال من شأنها التأثير بنجاح في الآخر، إذ يستطيع من خلال القدوة وحسن الأسوة، واقتران الأقوال بالأفعال، وما يتميز به من صفات أن يؤثر في الآخرين ويغريهم بالانجذاب إليه واتباعه في السراء والضراء والمنشط والمكره.

وإذا ما استحكمت حلقات السلطة، واشتد تماسكها، جامعة بين القوة والمكانة والشخصية، وما لها من نفوذ وتأثير، ونابعة من الكمال الخلقي والأهلية والجدارة، والممارسة الشرعية للسلطة، وخاضعة للابتلاء والاختبار، عندئذ يتمتع ممثل السلطة بالقوة الشرعية، مقدماً البرهان الساطع والدليل القاطع على استحقاقه لها، وبالتالي يتم الاعتراف له بذلك، وأي قرار حينئذ يتم اتخاذه يصبح ذا قوة وسلطان، لما يحظى به من ضمانات جديرة بالثقة، وما يتسم به من فاعلية وقيمة قانونية أكدتها الخبرة وأثبتتها التجربة.

وترتيباً على ذلك يتعين أن تحل الرغبة والاقتناع محل الرهبة والانصياع، وأن يبنى الخضوع للأوامر والأحكام، على الثقة والاحترام، لا على الخوف والانسياق العاطفي، فسلطان السلطة لا يمكن الحصول عليه عن جدارة واستحقاق فعلي عن طريق أبواق الدعاية والحيل والخداع، بل لا مندوحة من قيام البراهين والأدلة، وخصوصاً أن العمل المشترك يضع ذلك تحت المحك ويخضعه للتجربة والامتحان، والفشل ما لم يكن ناجماً من خطأ في الرؤية وسوء في التقدير، يعد أقل ضرراً من النجاح المترتب على الكذب وخيانة الأمانة. وهو أمر يستحيل الاحتفاظ به بصورة دائمة، إلا بالاهتمام بقيم المرؤوسين والولاء لهم والإخلاص في خدمتهم ضمن إطار المصلحة العامة، واعتبار ذلك أولوية يجب تكريسها ضمن بعد شرعي وعبر مسار تاريخي تتكيف فيهما ثوابت السلطة ومتغيراتها مع وظائفها ومهامها.

وعلى هذا الأساس فإن السلطة تعود إلى الوظيفة لا إلى الشخص الذي يمارسها، وهي ليست حقاً من حقوقه يتصرف به كما يشاء، وإنما هي خدمة تؤدي للجميع، ومشاركة مسؤولة واعية، بعيداً عن أي أغراض منحرفة، أو رغبات شخصية، تتعارض مع الأهداف الجماعية والأنشطة الشرعية، فثمة قواعد تهدف إلى تقييد السلطة ببعض القيود والحدود، بما يحول دون طغيان الإرادة الفردية، ويقف في وجه أية تجاوزات وانحرافات تقدح في النشاط وتطعن في الانضباط.

ومن قبيل التدليل، وعلى سبيل التمثيل، فإن القيادة العسكرية مثلاً هي السلطة التي يمارسها القائد على مرؤوسيه بمقتضى رتبته وتعيينه أو بسبب موقعه استناداً إلى النظم واللوائح والأوامر والتعليمات، وكل حق يقابله واجب، وكل سلطة تقابلها مسؤولية؛ بمعنى أن وجهي عملة القيادة هما السلطة والمسؤولية، وسلطة القائد هي المصدر الشرعي والنظامي لكل الأنشطة التي يزاولها مباشراً ذلك من خلال تسلسل القيادة، وبمعنى آخر فإن سلطة القائد هي القوة الشرعية التي يتميز بها على مرؤوسيه من أجل إدارة العمل واتخاذ القرارات بأسلوب القدوة والجمع بين الترغيب والترهيب.

والسلطة هي الوسيلة التي تمكن القائد من مباشرة المهام المطلوبة منه بحكم مسؤوليته، وهي التي تدرأ عنه الفشل إذا أحسن استخدامها، وأنجز مهامه بأمانة وإخلاص، وليس من شك في أن سلطة القائد ومسؤوليته تعتمدان على موقعه في التسلسل القيادي.

وضابط الصف عندما يصدر أمراً إلى من دونه، أو يمارس صلاحيته بحكم واجبه وطبيعة عمله، وكذلك الجندي من خلال مزاولة واجباته، وما هو مطلوب منه، فإن كلاً منهما يعتمد على نظام متسلسل من الرتب والقيادات تتوارى خلفها سلسلة متداخلة الحلقات من السلطات يظاهر بعضها بعضاً، وصولاً إلى القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهذه القوة الداعمة والمظلة القائمة لا تغني عن شخصية مصدر الأمر، بل لا بد من تأثير الشخصية وقيامها بدور أساسي في هذه العملية. إذ إنه لا يمكن فصل سلطة إصدار الأوامر عن التأثير القيادي والنفوذ الشخصي لمصدرها.

وزيادة في الإيضاح فإن عسكري المرور حين يقول لمهندس أمانة المدينة: إنه تجاوز السرعة المحددة، ويأمره أن يتقيد بالسرعة ولا يكرر التجاوز مرة أخرى، فإن خلف هذا العسكري سلطة الدولة التي هو أداتها. وعلى الطرف الآخر، فإن مهندس الأمانة عندما يأمر عسكري المرور بأن يلتزم بالأنظمة والتعليمات الخاصة ببناء منزله، فإن الأمر كذلك يعود إلى السلطة غير الظاهرة التي يستند إليها عسكري المرور والمهندس، حيث إنه في الحالة الأولى والثانية كان الأمر الفعلي يرجع إلى الطرف الثالث؛ لأنه هو وحده صاحب السلطان في إصدار الأمر، وله القوة التي تفرض طاعته، وهذا الطرف هو سلطة الدولة.

إذاً السلطة هي الحق الشرعي والنظامي الذي يستند إليه من يمثلها ليضع نظاماً أو يسن قانوناً، ويأمر باتباعه، أو يصدر أمراً ويطلب له الطاعة، مع ما يستلزمه هذا الحق من ضرورة وجود التأثير الذاتي والمكانة الشخصية والبراعة القيادية التي يستطيع بفضلها ممثل السلطة إنجاز المهام والواجبات، وتحقيق الأهداف والغايات بأقصى ما يمكن من الحماس والرغبة وأقل ما يمكن من الجهد.

وسلطة أي ممثل سلطة تأتي من السلطة الأعلى منه، والسلطة العليا قادمة من الوطن والشعب، وهذه السلطة وما يرتبط بها من مسؤوليات هي معادلة تمثل الطاعة أحد طرفيها، في حين يشكل العدل طرفها الآخر، وباكتمال طرفي المعادلة يتحقق الاستقرار والازدهار والاستمرار.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد