تابعت بين الحين والآخر بعض حلقات المسابقة الشعرية الكبرى (أمير الشعراء) على قناة أبو ظبي الفضائية (الإماراتية)، التي اختتمت فعالياتها يوم الجمعة 25 شعبان 1428هـ بفوز الشاعر (الإماراتي) عبدالكريم معتوق، حيث كشفت لنا العدد الكبير للمواهب الجيدة لشعراء الفصيح، الذين وصل تعدادهم (5000 شاعر) ممن شاركوا بالمسابقة، ثم فرزهم إلى (300) ثم (35 شاعراً فصيحاً) تنافس منهم خمسة على اللقب في التصفيات النهائية، هذا العدد من الشعراء المشاركين يبشر بخير بعد أن كدنا نغرق في الشعر الشعبي، سواء بسبب عدد الشعراء الشعبيين الذين صرنا نتنفسهم أكثر مما نلقاهم وكأنهم جزيئات الهيدروجين، أو لحجم الإنتاج الشعبي الذي فاض في الصحف اليومية إلى المجلات الأسبوعية والشهرية، حتى توالدت القنوات الفضائية الناطقة بهذا الهذر، والمسوقة لقصائده ومفرداته.
مسابقة (أمير الشعراء) أعادت لنا بعض الأمل بشأن الاعتناء باللغة العربية وحبها والوفاء لها، خاصة أن هذه اللغة العظيمة تواجه حالة من النكران الأحمق والتهميش المتعمد والهجوم الخبيث من واقع كتابات فكرية تطعن في مكانتها الدينية، وتسفه صلاحيتها العلمية، وتقلل من قيمتها العصرية، هذه المسابقة تعبير عن ذلك الحب وأنموذج وفاء للغة القرآن بحكم أن الشعر أحد أبرز فنونها، خاصة أن (العرب أمة شاعرة)، كما أكدت المسابقة أن بيننا شعراء فصيح لهم مستقبل واعد، وإن غابت عنهم الأضواء الإعلامية كباقي أهل الثقافة والأدب في زمن إعلام الفن والرياضة، شعراء يمكن أن يكون لهم حضور قوي على مسرح التاريخ الشعري العربي، فيسهمون في تهذيب وجدان الأمة، وتحريك الرأي العام بين شعوبها، واستنهاض الهمم الخاملة فيها للتفكير بمصيرها والمساهمة في تغيير واقعها المرير.
لقد حاول البعض التقليل من أهمية المسابقة وتجاوب المشاهدين معها، أو التشكيك بأعضاء لجنة تحكيمها، أو توزيع اتهامات المحاباة على فرسانها الشعراء، إلا أن ذلك لا يقلل من ريادة الفكرة وقيمة العمل وحسن الظهور والتنظيم الإعلامي، في وقت يشهد واقعنا العربي ضخاً فضائياً لبرامج (تلفزيون الواقع)، التي تميع الأخلاق وتسطح الوعي الجماهيري للأمة وتشغل أوقات أبنائها وبناتها بمسابقات التعري، وأكاديميات النعيق ومهرجانات النهيق، وكأن أمتنا تستعد لحرب كونية بجيوش المطربين والراقصات وملكات الجمال، بل الأهم أن هذه المسابقة فضحت أكذوبة (الفن الرخيص) الذي يروج له على أنه مبتغى الناس ومطلب الجماهير، وأثبتت أنه بالإمكان (ابتكار) مسابقات راقية تجمع شتات شباب الأمة على هم واحد، مسابقات تستيقظ فيهم المواهب النائمة وتصقل مهاراتهم الذاتية، في الشعر، أو الفن، أو الرسم، أو غير ذلك من الفنون التي تطلق ملكات الإبداع وتشغل أوقات الضياع بما هو صالح ومفيد.
بعد هذا التأكيد على قيمة المسابقة وأهميتها، أود أن أعلق على نقطتين مهمتين ذات صلة بها، النقطة الأولى تتعلق باسم المسابقة التي تتمثل بهذا اللقب الكبير الذي حققه صاحب المركز الأول من الشعراء المتسابقين، وهو (أمير الشعراء)، والنقطة الأخرى تأثير (عامل التقنية) في مجريات المسابقة، فبرأيي أن منظمي المسابقة أو واضعي فكرتها وخطوطها الأولية ونقاطها الرئيسة، قد قصدوا من الاسم (لفت نظر المشاهدين) كنوع من الجذب الإعلامي لمتابعتها، فالمعروف أن أمير الشعراء هو الشاعر العربي المصري الشهير (أحمد شوقي) رحمه الله، الذي كان له دور كبير وفاعل في إحياء التراث العربي الشعري، كما تميز بأنه نظم في جميع الأغراض الشعرية، وأكثر من معارضة القصائد المشهورة في الشعر العربي القديم، مثلما جارى قصائد معروفة كنونية ابن زيدون بقوله:
يا نائح الطلح أشباه عوادينا
نشجى لواديك أم نأسى لوادينا
لذا نال هذه الإمارة في مهرجان تكريمي كبير أقيم له في القاهرة عام 1927م اجتمع فيه شعراء الأمة العربية، حتى في هذه المناسبة:
كان شعري الغناء في فرح الشوق
وكان العزاء في أحزانه
وعن تلك المبايعة (مهرجان التكريم) قال الشاعر حافظ إبراهيم:
أمير القوافي قد جئت مبايعا
وهذه الجموع جاءت تبايع معي
لذا كان من الأجدى أن يبقى هذا اللقب وساماً لاسم شوقي ووفاء لتاريخه وعرفاناً بفضله، لأن الألقاب التاريخية حق مكتسب للشخصيات والقامات الشعرية، ويستعاض عنه لهذه المسابقة ب(سفير الشعراء)، خاصة أن الشعراء هم سفراء الإعلام ورايات الأمم، والفائز بالمسابقة هو بحق سفير كل الشعراء، سواء ممن اشترك في مضامير المسابقة ومراحلها، أو من حالة ظروفه أو إمكاناته عن المشاركة.أما بخصوص النقطة الثانية، المتمثلة ب(عامل التقنية) وتأثيره في مجريات هذه المسابقة وغيرها، فالمتابع يلحظ أن (حظوظ) المتسابقين مرتبطة بآلية (التصويت) وعدد المصوتين، سواء من خلال الاتصال الهاتفي أو رسائل الجوال، الأمر الذي يعطي الفرصة الأكبر لمن يملك خطوط اتصال مفتوحة أو مدفوعة الأجر، بينما قد يفقد أفضل المتسابقين المركز الذي يستحقه، بسبب عدم قدرة المصوتين من بلده أو بلدان عربية أخرى على الاتصال السريع أو السهل.لذلك يمكن القول إن أمير الشعراء في هذه المسابقة هو (أمير شعراء التقنية) وليس أمير شعراء اللغة، فمع البون الشاسع بين عملاق شعري كأحمد شوقي الذي استحق هذا اللقب التاريخي، والشاعر عبدالكريم معتوق الذي فاز بالمسابقة، فإن معايير التقويم وعوامل الاختيار بين الشعراء المتسابقين لم تكن دقيقة لدرجة الإنصاف والفرز الحقيقي، أقول ذلك مع تثميني لقيمة هذه المسابقة التي تسهم في إحياء حب اللغة في النفوس، وإعادة الاعتبار للشعر العربي الفصيح.
kanaan999@hotmail.com