Al Jazirah NewsPaper Sunday  30/09/2007 G Issue 12785
الرأي
الأحد 18 رمضان 1428   العدد  12785

لمثل هذا نعجب
عبد الله إبراهيم البريدي

 

العجائب في دنيانا كثيرة، وتزداد مع تقدم الأيام وازدياد البشر، ولكن وقفت هذه الأيام لأحصي أكبر عدد ممكن من العجائب في طباع وأخلاق من حولنا من البشر، فلم أستطع، فاستبدلت ذلك بمحاولة تحديد أغرب الغرائب وأعجب العجائب في أفعال وطباع الناس، فلم أرَ أعجب وأغرب من رجل بلغ الستين أو السبعين من العمر ويبذل أقصى الجهد في سبيل نشر الفساد، وإفساد نفسه وشباب وشابات وطنه وأمته!!

لو كان الساعي في فساد نفسه وإفساد من حوله شاباً لما تعجبنا، ولقلنا إنه طيش وغفلة شباب ستزول مع بلوغه سن النضج والرجولة الحقة.

سفاهات وتفاهات بعض السبعينيين تذكرنا ببيت الشعر:

وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده

وإن الفتى بعد السفاهة يحلم

ماذا يأمل من جاوز الستين أو السبعين من أنس وسعادة عندما يرى الفساد الذي تعلمه وعلمه قد انتشر في محيطه؟ ألا يعلم هذا الطاعن في السن والطاعن في الضلال أيضاً أن كثيراً ممن حوله يتجنبون نصحه ولومه على ضلالاته لا لخوف أو ضعف منهم عن مواجهته بواقعه المزري، بل لبقية احترام لسنه أولاً، ثم لشيبات غطت رأسه وعارضيه مع محاولته طمسها أو تغيير (حقيقة لونها)!!

أين هذا وأمثاله ممن استمرأوا الفساد وجاهروا به من (إذا بليتم فاستتروا)؟

عندما كان الأمر مقتصراً على كلمات تقال فتسبب فساد عدد قليل من الناس، كان الأمر (على خطورته على فاعله) إلا أنه هين إذا ماقورن بمن يؤلف المؤلفات الداعية للفساد أو بمن ينبري للقنوات الإعلامية المختلفة محارباً للعفة والصلاح ومؤيداً وداعياً للعهر والتبرج والفساد والإفساد!!

هذا (الداعية) للشر والدمار للأخلاق ألم يحسب حساباً لأوزار آلاف الشباب وآلاف الشابات الذين سيتبعون تعاليمه وتوجيهاته من بعده؟

الإنسان العاقل والحكيم هو الذي إذا عمل عملاً سيئاً فإنه يبادر إلى مسح خطوات وآثار هذا العمل لئلا يُتبع من آخرين يقتدون به، فيحمل أوزارهم. أما من يرسم خطوات أعماله وأفكاره السوداء، ويتفنن شعراً ونثراً في رسم هذه الخطوات، ويحرص ويحرّص على توزيعها ونشرها، فهذا نقيض العقل، ألا وهو الجنون بعينه، مهما حاول هو أو غيره أن يغيروا حقيقة أفعاله، وحقيقة سمومه المسماة خطاً (أفكاره)!

إن من يحاول تغيير مسميات الأشياء خداعاً وتزييفاً لا يخدعون الناس بل إنهم يخدعون أنفسهم، وقد صدق من قال:

ما كان للناس في ماضي الزمان محرماً

للناس في هذا الزمان مباح

صاغوا نعوت فضائل لعيوبهم

فتعذر التمييز والإصلاح

فالفتك فن والخداع سياسة

وغنى اللصوص براعة ونجاح

والعري ظرف والفساد تمدن

والكذب لطف والرياء صلاح

ثم إن من يرى مثل هؤلاء وغيرهم لا يملك إلا أن يردد:

الحمدلله الذي عافنا مما ابتلاهم الله به، اللهم عافهم ولا تبلانا...اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة، ونعوذ بك من سوئها.

أين دعاة الفساد باسم المدنية والتقدم، ودعاة الرذيلة ومحاربو الفضيلة باسم الحرية، أين هؤلاء من قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}؟

وأين هؤلاء من قول البشير النذير صلوات ربي وسلامه عليه: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئاً)؟

أيها المفكر...

أيها الأديب...

أيها الشاعر...

أيها الكاتب...

رويدكم.. فإن الكلمة أمانة.

al-boraidi@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد