ضمن فعاليات الاحتفاء باليوم الوطني السابع والسبعين، وبدعوة من المدير العام للإدارة العامة للتربية والتعليم بمنطقة الرياض الدكتور عبدالعزيز الدبيان ألقى رئيس التحرير الأستاذ خالد المالك محاضرة في قاعة المحاضرات بمركز الملك عبدالعزيز التاريخي بالرياض يوم الاثنين الماضي بعنوان منجزات المملكة منذ عهد الملك عبدالعزيز، وفيما يلي نص المحاضرة:
يبدو أن المسؤولين عن تنظيم هذه الأمسية، حين حددوا محور حديثي لكم بأن يكون عن منجزات المملكة منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز، قد أحسنوا الظن بي، ففات عليهم أن عليَّ - وفق هذا الاختيار - أن أتحدث عن المنجزات التي تحققت على الأرض على مدى 77 عاماً، بدءاً بعهد الملك عبد العزيز مروراً بعهود الملوك: سعود وفيصل وخالد وفهد وانتهاء بعهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز.
وهم يعلمون جيداً أن ما تحقق من إنجازات من الكثرة والتنوع والأهمية بحيث لا يتسع الوقت للحديث عنها كما يتمنون وكما أتمنى معهم، وأن صفحات كثيرة قد تكتب، وكلاماً طويلاً قد يقال، لكنه لن يبلغ المدى المعقول ولو لتغطية بعض أهم المنجزات التي ينبغي استعراضها في هذا المساء الجميل الذي نحتفل فيه معاً بالذكرى السابعة والسبعين لتوحيد المملكة العربية السعودية.
* * *
ولا شيء أسعد عند الإنسان من أن يتحدث في مثل هذا الجمع الطيب، وفي هذه المناسبة الغالية، عن تلك المشاهد التي ترمز إلى تلك الإنجازات التي ينبغي لأجيالنا أن تستذكر من خلالها أولئك الأبطال الذين وضعوا جهدهم وفكرهم ووقتهم وقبل ذلك حياتهم في خدمة الوطن، حتى رأينا هذه المعالم عن إنجازاتهم شامخة شموخ أولئك الأفذاذ الذين غرسوا حب الوطن والتفاني من أجله في عقولنا ومشاعرنا، بأن حبَّبوه إلينا بما لا نجد ما يغنينا عن دفق كل مشاعرنا وعواطفنا نحوه.
فالملك عبد العزيز، كان فارساً شجاعاً، ووطنياً صادقاً، استعان بالله ثم بعدد محدود من المواطنين، وامتطى جواده بعد أن تسلح بما تهيأ له من سلاح، وقطع الفيافي صوب أرض الوطن الذي كان ينتظر فارساً مقداماً مثله لينتشله مما كان عليه من حالة تمزق وتشتت وضياع، ولينقذه من الوضع المأساوي المتأزم الذي كان يسود الحياة في شبه الجزيرة العربية آنذاك.
* * *
وما من أحد قرأ عن هذه الملحمة، وتعرف على هذه المعجزة في توحيد أرض بهذه السعة وبهذا العدد الكبير من القبائل، في معارك مع خصوم أقوياء، وأنداد أشداء، وإمكانات جد محدودة، إلا وقد أثاره بانتشاء ما تحقق للملك عبد العزيز من نصر مبين، بما يحسن أن يدرس بكل التفاصيل إلى أبناء وبنات الوطن جيلاً بعد جيل، لمعرفة حقيقة أسرار ما آلت إليه معارك التحرير من نتائج.
وليس من شك أن الله سبحانه وتعالى قد ألهم هذا الفارس المغوار التوفيق والسداد في مسيرة كفاحه ونضاله، وإلا فالملك عبد العزيز لم يكن أقوى عسكرياً من خصومه، ولم يكن يملك من الإمكانات البشرية والمادية أكثر مما كانوا يملكون أو ما يوازي ويساوي ما كانوا يملكون، لكنها النيَّة الصالحة والالتزام بما أمره به ربه أو نهاه عنه، هي التي مهدت له الطريق نحو هذا الإنجاز الذي لم يشهد العصر الحديث له مثيلاً، ولا أظن أن أحداثاً بهذا الحجم ونتائج بهذه الأهمية، وتطورات استجدت بعد ذلك يمكن أن تتكرر أو أن يفكر أحد بمحاكاتها.
* * *
وما أحرانا أن نتعلم ونستلهم من هذا الإنجاز الكبير المزيد من الدروس والعبر التي تضيف إلى الوطن المزيد من المنعة والقوة، فعلى خطى عبد العزيز سارت الدولة السعودية الثالثة وما زالت حتى بلغت هذا المستوى من القوة والتطور، بعد أن عاشت قبل توحيدها في حروب ونزاعات بين قبائلها من جهة وبين ما يسمى بدويلاتها من جهة أخرى، فيما أن الاستقرار خيم على الوطن الكبير بعد أن وضعت حروب التوحيد والتحرير أوزارها، وظل الوطن يتطور في كل مجالات الحياة، بما لا سابق له إذا ما قيس ذلك بالعمر الزمني منذ أن دان الوطن لزعامة الملك عبد العزيز رحمه الله.
* * *
وإذا ما تأمّلنا تتابع فتوحات الملك عبد العزيز التي بدأت بفتح مدينة الرياض في الخامس من شهر شوال عام 1319هـ الموافق الخامس عشر من شهر فبراير عام 1902 وانتهت بضم المدينتين المقدّستين مكة المكرمة والمدينة المنورة ما بين عامي 1343 - 1344هـ، وبالتالي إنهاء حكم الأشراف على الحجاز، مروراً بكل الفتوحات في الجنوب والشمال والشرق والوسط، أدركنا سر تصميمه على استمرار مسيرة التوحيد على مدى اثنين وثلاثين عاماً، خاض فيها الملك عبد العزيز ورجاله أكثر من أربعين معركة، انتهت بإعلانه قيام المملكة العربية السعودية دولة واحدة بعد انتصاراته المظفرة، شعارها (لا إله إلاّ الله محمدٌ رسول الله)، ودستورها القرآن الكريم، وذلك عام 1351هـ الأول من الميزان الموافق 23 سبتمبر من عام 1932م حتى بلغت وحدة القلوب مع وحدة الأرض ما بلغت؛ مما عزّز من القدرة المتنامية لتحقيق هذه الإنجازات المتواصلة بشكل تواصل بين السَّلف والخلف، وأصبحت هذه المناسبة بمثابة اليوم الذي يحتفى فيه المواطنون سنوياً باعتباره اليوم الوطني للمملكة، ضمن شكر القيادة والمواطنين لله الواحد الأحد على ما آل إليه الوضع في البلاد.
* * *
وبعد مرحلة التأسيس بدأ الملك عبد العزيز جهاده الآخر بعد أن بسط نفوذه وقوّته وسيطرته على كلِّ شبر من أرض البلاد، بالانفتاح على العالم ضمن برنامج طموح للتطوير، يستفيد من تجربة الغير في بناء دولة حضارية دون أن تمسّ الثوابت، أو ترتهن الإرادة والكرامة، أو ينال من عظمة هذا الدِّين القويم، وهو ما أعطى للدولة الناشئة ولملكها وشعبها كلّ هذا الاحترام في علاقاتها الدولية المتوازنة منذ عهد المؤسِّس وإلى اليوم.
* * *
وكان أول إنجاز للملك عبد العزيز بعد اكتمال سيطرته على البلاد اهتمامه بالأمن؛ لضمان أن يعيش الجميع في أجواء لا خوف فيها، لأنّ من يخل بذلك فالقرآن الذي هو دستور هذه الدولة هو الحكم بين المواطنين في إحقاق الحق وإنصاف المظلوم ضمن العزم والحزم في الحفاظ على هيبة الدولة، ولهذا فقد تزامن إعلان توحيد المملكة مع القضاء على الفوضى والفتن والسَّلب والنَّهب وكل ما يعرض أمن المواطن للخطر، حتى أنّ المؤرِّخ (جيرالد دي غوري) قال في وصفه للمملكة في عهد الملك عبد العزيز: لو أنّ قافلة أسقطت كيساً في الصحراء فلا بدّ من العثور عليه بعد ستة أشهر في الموضع نفسه، فالأمن في المملكة العربية السعودية - يقول غوري - مدهش، وهو أكثر شمولاً منه في أيِّ بلد أوروبي.
* * *
كان الملك عبد العزيز عادلاً بين الناس، وهذا العدل كان من بين أولويات الإنجازات التي ساهمت في حرص المواطن - بوصفه شريكاً - على حماية هذه الدولة الفتية من الطامعين والمفسدين، طالما أن ميزان العدل لدى الملك عبد العزيز يعتمد على المساواة بين مواطنيه والانتصار للمظلوم حتى يأخذ حقه من الظالم، ولم يثنِ الملك المؤسس سعة أراضي المملكة التي تزيد على نصف مساحة أوروبا كلها من أن يعمم ميزانه في العدل على ربوع الوطن كله حيثما كان هناك مواطن أو مقيم على هذه الأراضي المقدسة، وقد تطلب ذلك مبادرته مبكراً بإنشاء نواة للجيش من الرجال الذين شاركوه في فتح الرياض بالإضافة إلى رجال البادية الذين يتكون منهم الإخوان ورجال الحاضرة الذين يتكون منهم جيش الجهاد إلى أن تأسس الجيش النظامي المتمثل في وزارة الدفاع والطيران إلى جانب رجال الحرس الوطني والأمن العام.
* * *
ومن العبث أن يتصور أحدٌ منا بأنه قادر على رصد وحصر إنجازات الملك عبد العزيز في لقاءٍ قصيرٍ كهذا، فضلاً عن أن يتحدث عن إنجازات الملوك: سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله، غير أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وهذا ما أحاول أن أتحدث عنه مراعياً في ذلك الوقت المحدد لي في هذه المشاركة، بأمل أن أوفق في اختيار وانتقاء بعض الإنجازات من بين هذا الكم الهائل والكبير الذي من المؤكّد أن أحداً منا لا يجهله، ولا يمكن أن يتجاهله أو يغمض عينه عنه.
* * *
فقد وحَّد الملك عبد العزيز المملكة وهذا إنجاز، ووحّد القلوب على عقيدة التوحيد كإخوة متحابين يجمعهم الحب لله والولاء للوطن وهذا إنجاز آخر، تجنب الحرب ما استطاع إلى ذلك سبيلاً حين كان يضم مناطق ما أطلق عليها فيما بعد المملكة العربية السعودية إلى سلطته، واستخدم العقل والحكمة والتعامل بالتي هي أحسن، بديلاً عن قرقعة السيوف وصوت الرصاص وهذا إنجاز آخر، ومن إنجازاته عدم زج المملكة - وهي الدولة التي لم يكن مليكها قد استكمل السيطرة بعد على كل الأراضي المستهدفة - في الحرب العالمية الأولى مثلما تورطت في ذلك بعض الدول، مكتفياً بالمشاركة بالرأي في المؤتمرات الخاصة بتلك الحرب، وهذا الحذر والتروّي وعدم الانسياق إلى ما يعرض أمن الوطن إلى الاهتزاز يحسب للملك عبد العزيز لا عليه بوصفه إنجازاً، ومن بين الإنجازات في عهده تأسيس مجلس الشورى، ومجلس الوكلاء، وإنشاء عدد من الوزارات، ووضع نظام إداري للدولة، وإرسال البعثات الدبلوماسية إلى دول العالم، كما أنه قام بأول مشروع من نوعه لتوطين البدو وأسكنهم في هجر زراعية، دون أن يغفل أو ينشغل عن الاهتمام بالتعليم، حيث تم فتح المدارس والمعاهد وطبع الكتب الدراسية وتقديم مساعدات مالية للطلاب لحفزهم على الانخراط في العملية التعليمية.
* * *
والحديث عن إنجازات الملك عبد العزيز يطول ويطول، فقد اهتم بالحرمين الشريفين ضمن حرصه على راحة الحجاج، فأمّن الطرق، ووفّر لهم الخدمات الصحية والمياه، وأمر بتوسعة الحرمين الشريفين، لكن الموت داهمه قبل أن يباشر العمل فيها، وفي عهده تم اكتشاف البترول وهذا إنجاز كبير، مما يؤكد اهتمامه بالاقتصاد، وبعد نظره بالبحث عن مصادر مالية تنقل المواطن من حال الفقر والعوز إلى بحبوحة من الغِنَى، دون أن يحتاج إلى مساعدات خارجية قد تكلفه استقلال القرار وحرية التصرف، كما تأسست في عهده مؤسسة النقد العربي السعودي، وظهرت العملة السعودية المعروفة بالريال وهذه من بين إنجازاته، وأمر بمد خط حديد يربط الرياض بالدمام، إلى جانب شبكة من المواصلات السلكية واللا سلكية، وافتتحت في عهده الإذاعة السعودية، ووضع نظام الجوازات، وغيرها من الخدمات المدنية ضمن حرصه على أن يحتفظ المواطن بهويته السعودية، فضلاً عن اهتمامه بالطرق والمواصلات، ووضع نواة للطيران المدني، وإنشاء هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك مما لا يمكن حصره من إنجازات كثيرة تمت على يد الملك المؤسس.
* * *
ومثلما كانت المملكة ورشة عمل لكثير من الإنجازات في عهد الملك عبد العزيز، فقد اقتفى الملك سعود بن عبد العزيز - رحمه الله - أثر والده باهتمامه باستكمال ما حالت وفاة المؤسس دون إكماله من مشاريع كان يخطط لها، وكما تعلمون فقد بويع الملك سعود ملكاً للمملكة العربية السعودية في الثاني من ربيع الأول من عام 1373هـ الموافق التاسع من نوفمبر من عام 1953م، وما إن تولى سُدَّة الحكم الذي دام 11 عاماً حتى أصدر قراره بإنشاء مجلس الوزراء وهذا إنجاز، واهتم بالتعليم بإنشاء وزارة له، ليتزامن ذلك مع افتتاح عدد من المدارس والكليات والمعاهد، فضلاً عن افتتاح جامعة الملك سعود، واهتمامه بالتعليم الفني والتدريب المهني، وكان نصيب المرأة في ذلك كبيراً، حيث أمر بإنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات، وفتح مدارس حكومية لتعليمها، بل إن اهتمامه بالتعليم وصل إلى الحد الذي تبرع فيه بخمسة من قصوره في جدة لتكون مدارس للمواطنين، كما حوّل بعض قصوره في كل من مكة المكرمة والرياض إلى مدارس أيضاً، وكل هذه إنجازات تعليمية هائلة، كما أتم توسعة كبرى للحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وافتتحت في عهده كلية الملك عبد العزيز الحربية، وفي المجال الصحي تم إنشاء عدد من المستشفيات والمراكز الصحية، وتنوّعت وتوسعت بذلك الخدمات الصحية التي تقدّم للمواطنين، مما أدى إلى تنظيم وزارة الصحة بهيكل إداري حديث يمكِّن أجهزة الوزارة من تقديم الخدمات المناسبة لكل مناطق المملكة بما في ذلك المناطق النائية، وهذا قليل من كثير للإنجازات التي تمت في عهده.
* * *
ولم يغفل الملك سعود عن الزراعة، فقد اهتم بتوطين البادية، وتوجيه أفرادها نحو الاستثمار والعمل في الزراعة، حيث حفرت الآبار لهم، ووزعت الأراضي عليهم، وأقيمت السدود لخدمتهم، ضمن تشجيعهم على الانخراط في العمل الزراعي الذي امتد الاهتمام بتشجيعهم بأن أمر الملك بتقديم مساعدات مادية على شكل قروض للمزارعين، وبجانب هذه الإنجازات كان هناك اهتمام بابتعاث الشباب السعودي إلى الخارج للتخصص في شؤون الزراعة، وللملك سعود الكثير من الإنجازات الأخرى المهمة، بما يمكن أن يكتب عنها مجلدات، ويروى عنها قصصاً وأخباراً، فملك تولى الملك بعد المؤسس كان عليه أن يستلهم من سياسة والده ما يمكنه من استكمال بعض ما كان يفكر به الملك عبد العزيز وهذا ما تم فعلاً، بل إن الملك سعود أضاف إليه ما كانت تتطلبه الحياة العصرية، وما كان يستجيب لتطلعات المواطنين.
* * *
وفي عهد الملك فيصل بن عبد العزيز - رحمه الله - الذي بويع ملكاً للمملكة العربية السعودية، في يوم الاثنين السابع والعشرين من شهر جمادى الثانية من العام 1384هـ الموافق للثاني من شهر نوفمبر من العام 1964م وامتدت فترة حكمه أحد عشر عاماً صدرت خلالها وثيقة سياسة التعليم في المملكة، ونظام الجامعات، ونظام الدراسات العليا، وتم التوسع في الابتعاث، مما يظهر اهتمامه الشخصي بالتعليم في مختلف مستوياته وهذه من بين إنجازاته، كما أنه أمر بتحويل المجلس الأعلى للتخطيط إلى الهيئة المركزية العليا للتخطيط لإيجاد ترابط بين إعداد الميزانية والخطط الخمسية للتنمية، حيث إن أول خطة خمسية في المملكة أعلن عنها كان ذلك في عهده وهذا إنجاز كبير، وكان اهتمامه بالشأن الاجتماعي بكل مؤسساته ودوره بما في ذلك الاهتمام برعاية المحتاجين كبيراً وهذا الاهتمام يسجل ضمن إنجازات عهده، وقد شهدت ولايته إنشاء المؤسسة العامة للبترول والمعادن، وصندوق التنمية الصناعي، والاهتمام بالقطاع الصحي امتداداً واستكمالاً لما بدأه الملك عبد العزيز، ومن ثم الملك سعود وكلها إنجازات جديرة بأن تؤرخ وتسجل على أنها إنجازات مهمة، لكن من بين أهم ما يميز عهد الملك فيصل، وقد تولى الحكم بينما كانت المملكة تواجه أشرس المؤامرات، وأشد أنواع العدوان العسكري والإعلامي، أنه أدار المعركة بطريقة ذكية وحكيمة جنبت المملكة آثار هذه المؤامرات، بل الخروج منها بانتصار كبير، بما يمكن اعتباره ضمن إنجازاته، على أن للملك فيصل إنجازاته الاقتصادية الأخرى الهائلة، فقد تولى الحكم والمملكة تعاني من شح في المال العام، ومن حالة اقتصادية متردية، فكان بحكمته وبعد نظره أن أخذ قراراً بضبط المصروفات، وأمر بالترشيد في النفقات، إلى أن وصل بالبلاد إلى نقطة التوازن بين الواردات والمصروفات، ومن ثم تمكنه من إمداد الخزينة العامة بالفائض من الإيراد.
وقد طور الملك فيصل العلاقات السعودية مع دول العالم بما يعده المراقبون ضمن إنجازاته، وكان من الواضح أنه أمضى الكثير من الوقت خلال حكمه في بناء أوثق العلاقات الدولية مع الغير، من خلال جولاته وزياراته لدول العالم، وسعيه لفتح آفاق للتعاون بين المملكة وهذه الدول في مختلف المجالات، بما مكّن المملكة من أن تقيم شبكة من التعاون الاقتصادي والسياسي الذي ميّز المملكة وأعطاها هذه المكانة الكبيرة بين دول العالم، على أن هذا الجهد على أهميته وما يتطلبه من وقت لم يصرفه عن الاهتمام بالشأن الداخلي وتحقيق الكثير من الإنجازات التي مكّنت المواطن من العيش في دولة آمنة ومستقرة، وكل ما أشرنا إليه لا يعدو أن يكون بعض منجزات تحققت خلال فترة ولاية الملك فيصل بن عبدالعزيز.
* * *
وفي أعقاب استشهاد الملك فيصل بويع الملك خالد بن عبد العزيز - رحمه الله - ملكاً للمملكة العربية في الثالث عشر من شهر ربيع الأول من عام 1395هـ الموافق للخامس والعشرين من شهر مارس عام 1975م، وأمضى فترة أحد عشر عاماً في سدة الحكم، وقد تميز عهده بالرخاء الاقتصادي بسبب ارتفاع أسعار النفط، وما أسهم به هذا الارتفاع من نهضة حضارية شملت كل الميادين، ووفرت الخدمات في مختلف الصعد، فقد تم في عهده إنجاز برنامج تكامل الخدمات الصحية فزيدت بذلك المراكز الصحية والمستشفيات بشكل كبير، كما التفت الملك خالد إلى التعليم فأمدَّه بميزانية ضخمة، ساهمت في إنشاء عدد من المدارس والكليات والجامعات، مع التوسع في البعثات التعليمية، ومضاعفة أعداد الطلبة المبتعثين إلى الخارج وهذه بعض إنجازاته، كما تم في عهده إنشاء مجلس الخدمة المدنية، ومجلس القوى العاملة، وصدر نظام أعضاء هيئة التدريس بالجامعات ليضيفها إلى إنجازاته، والتفت أيضاً إلى الشأن الرياضي فأمر بإنشاء عدد من المدن الرياضية والأندية والملاعب، بما وضع المملكة بين الدول الأكثر والأحدث تجهيزات في هذا الميدان لتمكين الشباب من ممارسة هواياتهم وهذه أيضاً من بين الإنجازات المعتبرة، وحيث إن النمو الاقتصادي وصل في عهده إلى قفزة عالية، فقد مكنه أيضاً من أن يمنح الزراعة حقها من ميزانية الدولة بتشجيع المواطنين على ممارسة الزراعة، حيث القروض، ومنح الأراضي، والمساعدات المالية، وشراء المنتوجات، وكان أن توج ذلك بإنشاء المؤسسة العامة للصوامع ضمن هذا التوجه في دعم القطاع الزراعي في البلاد كإنجاز يذكر له فيشكر.
ولم يكن اهتمام الملك خالد بالصناعة أقل، أو أن تشجيعه لها دون غيرها، فقد أنشئت في عهده ضمن إنجازاته مدينتا الجبيل وينبع الصناعيتان، وكذلك مشروعات سابك، بما مكن المملكة من أن تكون دولة صناعية في كثير من الصناعات البتروكيماوية والحديدية وغيرها، وقد فطن إلى أهمية المطارات، والطرق، والموانئ، في دعم التنمية المتلاحقة والمتسارعة في البلاد، فأنشأ مطار الملك خالد بالرياض، وأمد المملكة بشبكة من الطرق بين مدن المملكة وداخل كل مدينة، كما تمت توسعة الموانئ لتلبي التوسع في الاستيراد من الخارج، وغير ذلك من المشروعات المهمة؛ لتكون هذه المشروعات ضمن سجل حافل يتحدث عن إنجازات الملك خالد بن عبدالعزيز.
* * *
على أن ما هو جدير بالتنويه - وهو كثير - تلك الإنجازات التي تحققت في عهد الملك فهد بن عبد العزيز - رحمه الله - الذي تولى الحكم في البلاد في 21 من شهر شعبان عام 1402هـ الموافق 13 من يونيو عام 1982م ولمدة أربعة وعشرين عاماً، فقد نفذت في عهده كإنجاز خمس خطط تنموية ركزت على توفير الرخاء للمواطنين، بحيث شملت أهدافها كل مرافق الخدمات التي رأى أنها تلبي متطلبات الحاضر وتستجيب لمتطلبات المستقبل، وكان أهم ما ميّز عهده من الإنجازات اهتمامه الشخصي بالتعليم والصحة، حيث أعطاهما نصيب الأسد من ميزانية الدولة، وصرف عليهما ما مكّن الوزارتين من مواجهة التوسع في عدد السكان والوافدين وحاجتهم إلى خدمات التعليم والصحة، ومثلها وضمن إنجازاته اهتم بالزراعة، وشجع المزارعين، ودعم الصناعات القائمة على المحاصيل الزراعية، ضمن سياسة رشيدة تعتمد على إقامة قاعدة اقتصادية صلبة تقلّل من سياسة الاعتماد على الاستيراد في كل شيء، لكن الملك فهد كان إلى جانب هذا مهتماً وحريصاً على أن ينفق على التنمية البشرية وبناء الإنسان بما اعتبر من بين أهم إنجازاته لأن بناء الإنسان هو رأس المال الحقيقي، فرصد له كل ما يتطلبه ذلك من مال مهما كثر، فكان برنامجه الطموح في تدريب وتعليم الشباب السعودي وتأهيله لسوق العمل، بزيادة عدد المدارس، والاهتمام بالمعاهد الفنية، وإنشاء المزيد من الكليات، ومن بين إنجازاته صدور النظام الأساسي للحكم ونظام مجلس الوزراء الجديد ونظام مجلس الشورى ونظام المناطق لكن أهم وأكثر ما يسجّل كإنجاز تاريخي للملك فهد ما أحدثه من توسعة للحرمين الشريفين التي تعد الأوسع والأكبر بين كل التوسعات المتتالية في تاريخ الحرمين الشريفين، وقد أنفق عليها - رحمه الله - أكثر من سبعين ملياراً من الريالات، كما أنشأ أكبر مركز في تاريخ الإسلام لطباعة المصحف الشريف وترجمة معانيه إلى لغات عدة وتوزيعه مجاناً على المسلمين، كل هذا تحقق كإنجاز يحسب له، وقد ألهمه الله لأن يستبدل لقب خادم الحرمين الشريفين بلقب صاحب الجلالة، على أن إنجازاته في المجالات الأخرى هي من الأهمية والكثرة والتنوّع ما لا يمكن لي اختزالها في بضع صفحات.
* * *
وبالنسبة للملك عبد الله بن عبد العزيز الذي بُويع ملكاً للمملكة العربية السعودية في 26 من شهر جمادى الآخرة 1426هـ الموافق الأول من شهر أغسطس 2005م.
فلم يمضِ كثير وقتٍ منذ توليه مقاليد الحكم في البلاد، لكنه أنجز الكثير سواء حين كان ولياً للعهد وتحديداً خلال فترة مرض أخيه الملك فهد - رحمه الله - أو حين بُويع ملكاً للمملكة، وقد أصبحت إنجازاته حديث الناس، بحكم أهميتها وقيمتها وتأثيرها، ولأنها جاءت سريعة من حيث المبادرة في تحقيقها، ومرة أخرى فإننا في هذه العُجَالة لا يمكن أن نحصي - ولو عدداً - كلَّ ما أنجزه الملك عبد الله، فضلاً عن أن ندخل بالتفاصيل عند الحديث عنها، وحسبنا أن نشير إلى بعضها مما يدور الحديث بين المواطنين عنها، وبينها مركز الحوار الوطني، ونظام هيئة البيعة، وإقرار برنامج الإسكان الشعبي، وتدشينه لعشرات المشروعات بمليارات الريالات شاملة المدن الاقتصادية والجامعات، ويلاحظ أن ميزانية الدولة للعامين الأولين في عهده هي الأضخم في تاريخ المملكة بما ساعده على تقليص الدين العام، وتوجيه جزء من فائض الدخل لمساعدة المواطنين بإنشاء صناديق استثمارية أو بناء مساكن لهم، أو زيادة مدخراتهم، وقد انضمت المملكة في عهده إلى منظمة التجارة الدولية بعد سنوات طويلة من الانتظار، وتم إنشاء مركز الملك عبد الله المالي ليكون إلى جانب مدينة الملك عبد الله الاقتصادية الضمانة لاستقرار الاقتصاد في البلاد، إلى جانب المؤسسات الاقتصادية الأخرى، وللملك عبد الله إنجازاته الخليجية والعربية والإسلامية والدولية التي لا تغيب عن الأذهان، وقد شرَّق وغرَّب في زيارات متتالية إلى الدول الكبيرة لفتح آفاق جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري، وهو في كل إنجاز يتذكر دائماً المواطن فيخصه بشيء من عاطفته، بتلمس احتياجاته ودعمه، إذ مع تحسن أسعار البترول أصدر الكثير من القرارات لتحسين أوضاع المواطنين وزيادة دخولهم، وتخفيف عبء الغلاء عنهم، وما زال يواصل مشواره في البناء والإصلاح، يساعده في ذلك رفيق دربه وعضده الأيمن سمو ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز.
والملك عبد الله لا يكتفي بالتقارير والاستشارات للتعرف على متطلبات المواطنين، وإنما يقوم بنفسه بزيارة الأسواق التجارية والأحياء الفقيرة، ويجوب مناطق المملكة ومدنها لسماع صوت المواطنين، والتعرف على احتياجاتهم، ومن ثم تلبيتها، بمعنى أنه على علم بما ينبغي أن يكون الوضع، لأنه اعتاد أن يقف بنفسه، وينظر بعينه إلى ما هو عليه الوطن، ضمن سياسة الانفتاح التي يؤمن بها لسماع الرأي والرأي الآخر من المواطن والمسؤول.
* * *
وفي نهاية هذا الحديث عن أيام ورموز أسعدتنا إنجازاتهم، أقول لكم إن قضاء محمد علي باشا على الدولة السعودية الأولى بعد أن نجحت في توحيد أكثر مناطق شبه الجزيرة العربية، وإن نجح الإمام تركي بن عبد الله آل سعود في طرد بقية حاميات محمد علي باشا من نجد وإقامة الدولة السعودية الثانية، فإن سقوطها هي الأخرى لم يثنِ الملك عبد العزيز عن قيادة النضال من جديد من أجل إقامة الدولة السعودية الثالثة، وهو ما تحقق له، وهو ما نحيي به ذكرى هذا الانتصار الذي قاد إلى إقامة المملكة العربية السعودية في مثل هذا اليوم - أمس - من كل عام.