حب الوطن غريزة طبيعية في بني البشر، حتى العجماوات تحب أوطانها وتحن إليه، فالإنسان يحن إلى وطنه ولاسيما عندما يكون خارجاً عن نطاقه في الغربة بعيداً عنه وعن أهله وأحبابه وترابه. وهناك فئة من النجديين أجبرتهم ظروف الحياة القاسية في حقبة من الزمن إلى البحث عن لقمة العيش فقصدوا البحر وتغربوا يحدوهم الأمل في تحقيق ما يصبون إليه من مكاسب الغوص، فتجرعوا ألم الغربة وترجموا الحنين إلى وطنهم (نجد) في قصائدهم التي كانت متنفسهم الوحيد يبعثون بها إلى أهلهم وذويهم.. ومن النماذج على ذلك:
|
(1) بعدما انتهت واقعة الطبعة المشهورة سنة 1344هـ بعث ناصر بن حماد التميمي بقصيدة إلى أهله وذويه في نجد بيّن لهم فيها ما حصل لهم تلك الليلة الليلاء، منها هذه الأبيات التي يذكر فيها نجد. يقول:
|
وخلاف ذا يا راكب فوق حرة |
منجوية ناقينها من ركابها |
متنحر نجد عسى الأمن والحيا |
يعمه ولا يبقى خطا من ترابها |
ديار الرجال مغيرة كل منكر |
على كلمة التوحيد تهفي رقابها |
(2) وهذا الشاعر عبدالله الصبي من نجد عندما وصل البحرين لم يحالفه الحظ فحن إلى نجد حيث يقول:
|
رماني ردى حظي على شرقي الأسياف |
على ساحل البحرين نوخ مراحيله |
إذا جاك في غالي زمانك سموم حاف |
ونجد بتالي الوقت شحّت محاصيله |
تغربت عن دار بها ميلاف |
ولا كل من ساقه زمانه بيافي له |
(3) وآخر من نجد، استولت عليه الهموم وخيمت عليه الأحزان لم يستطع العودة إلى نجد فحمّل رفاقه قصيدة منها:
|
يا راكبين أكوار هجن هفاهيف |
هنيكم يا مبعدين عن الهور |
يا من يؤديني من السيف للريف |
نجد هواي وكل من طاع لي شور |
دار لنا هي عزنا غاية الكيف |
ياما بها من خير وافي شبور |
(4) حمد العضيدان، من نجد، ممن عمل في الكويت في مهنة الغوص، اشتاق إلى نجد فقال قصيدة طويلة منها:
|
يا الله يا عالم خفيات الأسرار |
يا عازل ليله من أبيض نهاره |
عسى على نجد من الوسم مبدار |
ويزمي الزبيدي في محاجر قراره |
ومع الزبيري زامي فيه نوار |
ويخضر جاله عقب ما قفى غباره |
(5) وهذا الشاعر عبدالله بن لويحان، من نجد، ذهب للغوص في أول شبابه فتذكر وطنه وأهله، فقاده الحنين إليهم، فقال من قصيدة طويلة:
|
والله إن ركبي على هرش ومن فوقه مسامة |
أشهب ذيله مشلوط كن جلده جلد ذيبي |
في هبايب نجد وارقى من عدامة في عدامة |
شربي الماء الهمج بأوطاني كما شرب الحليبي |
إنه أشوى من ركوب الغوص من خطر القدامة |
ما يحوش الليل معهم غير مقرود النصيبي |
(6) ومن قصيدة طويلة للشاعر نادر بن فهّاد، من الوداعين من أهالي نجد، وكان يعمل في راس مشعاب أيام الغوص، تذكر أهله وعشيرته في نجد فأرسل لهم قصيدة يشكو فيها حاله، ومنها هذه الأبيات:
|
وخاطرت أنا بالنفس لاجل العلا قدام |
ولا همني روحي على حالتي ذيّه |
وياليتنا في نجد يا مبارك دوام |
ولا في بحر واسم المناعير كوليّه |
وازين متاعي في السحر كن على صيام |
ومن ذلتي يخصم مع اليوم يوميّه |
(7) وهذا راشد بن عبدالله الحركان، من نجد، من أهالي الدلم عمل في الغوص مع مجموعة من أهالي الدلم قال قصيدة ذكر فيها الغربة والدَّين والحنين إلى نجد يقول منها:
|
يا الله ياللي فوق يحكم بالإنصاف |
رب الخلايق هو رقيب علينا |
أفرج لمن قلبه معا نجد ميلاف |
ومغرب من قل ما في اليدينا |
نبغى عسى توفي الديايين ونشاف |
بخير إلى أقبلت الركايب علينا |
(8) وأيضاً عبدالعزيز العبيدي، من أهل نجد، كان يعمل في الغوض في الكويت فتذكر زوجته في نجد فبعث بقصيدة طويلة بث آهاته وأشواقه فيها يقول منها:
|
هلي بنجد وأنا بالسيف نزالي |
أبطى الخبر من عشيري ما يردونه |
حبه كميته وأشوفه باري حالي |
بأقصى ضميري خفي ما يشوفونه |
إن حل موجب عشيري رخص المالي |
ومن زل منا ترى الزلات مدفونة |
(9) وقال من قصيدة أخرى بعثها إلى نجد: |
كيف أنا بالبحر والترف نجد محله |
حيل بيني وبينه وارمسن العلامي |
أبطرش لترف الروح خط وسجله |
ودي بشوف زوله وله أردد سلامي |
ما حلي يا عرب عقب البطا مبسم له |
من ثمان يشادن قحويان العدامي |
(10) وهذا حمود حسن العضيان، بقي في الكويت مدة يزاول مهنة الغوص، قال له أحد أصحابه: (أنت يا حمود ماشاء الله تفطر على خبز وتغطّه في الشاهي) قالها له مداعباً وأنه يعيش في رفاه.. فرد عليه حمود قائلاً:
|
حتى ايش لو غطيت خبز على جاه |
ودي بنجد لو ريوقي حزاها |
و(الحزا) معروف في نجد، وهو نبات كريه الرائحة، لا تأكله حتى الدواب.. قال ذلك من شدة حبه وولعه لنجد، وما يعانيه من ذل في الغوص، وينطبق على لسان حاله ما قاله الشاعر العربي:
|
جنة بالذل لا أرض بها |
وجهنم بالعز أطيب منزلي |
|
ص.ب 58 - مرات 11933 |
فاكس: 016231805 |
|