Al Jazirah NewsPaper Friday  05/10/2007 G Issue 12790
الرأي
الجمعة 23 رمضان 1428   العدد  12790

طبت حيًا وطبت ميتًا يا والدي
بقلم بندر بن عبدالله بن إبراهيم الحميضي

مثلت وفاة والدي - رحمه الله - زلزالاً هزّ كياني، وبعثر فكري، وأسكن قلبي حزنًا ، ولكن الإيمان بقضاء الله وقدره يقتضي القول: ( إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا لفراقك يا أبي لمحزونون)، اتباعًا لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي حرص والدي أن يغرسه فينا، فقد كان - رحمه الله - حريصًا على أن نتسلح بالإيمان ، شاكرين حامدين لله لنعمه وفضله، وصابرين محتسبين إذا واجهتنا الشدائد، ، فلله ما أعطى، ولله ما أخذ، والأمر كله له سبحانه وتعالى وهو على كل شيء قدير.

وهذا الإيمان الذي كان والدي يبثه فينا بأقواله وأفعاله هو ما أستحضره وأنا أحاول أن أعبر عن بعض أحاسيسي ومشاعري تجاهه، عرفانًا بفضله - بعد الله سبحانه وتعالى- ووفاءً لذكراه العطرة التي ستظل تعبق حياتي بكل جميل ما دمت حيًا.

إن طيفه لا يفارق مخيلتي، بل إن الذاكرة أصبحت تستدعي مواقف منذ أول يوم وعيت فيها بأن هذا الرجل البهي الطلعة، الكريم النفس هو والدي .

لقد كان والدي - رحمه الله - حريصًا على تنشئتي وإخواني على الحب والود فكان يعطي إحساسًا لكل واحد منا أنه الأقرب إلى قلبه،وكان يغرس فينا روح الأسرة الواحدة وكانت جلسته معنا تشعرنا بهذه الروح، وكنا نتخذه قدوة، ونحن نرى كيف يتعامل مع أخويه العم راشد والعم دخيل، لدرجة أننا نشعر أن ثلاثتهم شخص واحد، فهم يتحدثون باللسان نفسه، ولا يفكر أحد منهم إلا كان لأخويه حضور في ذهنه.

وهناك مقولة لا أنساها للعم راشد -حفظه الله- في فترة الشراكة التي امتدت بينهما تلخص طبيعة العلاقة بينهم، حينما قال: نحن شركاء في كل شيء إلا في زوجاتنا.

وكنت أستشعر روح الأسرة وهو يعامل زوجتيه ( أم إبراهيم - أم عادل ) على قدم المساواة، لم تكن إحداهما تنال شيئًا، إلا وقد نالته الأخرى، كان له ميزان من ذهب، وهو يحاول العدل بينهما التزامًا بتعاليم ديننا الحنيف، وهذا ما جعل الرضا طابعًا لهما، والاحترام قائمًا بينهما، والحب سائدًا بين أبنائهما، وكان هو المظلة التي نتفيأ ظلالها جميعًا.وكانت هذه المظلة تمتد لتشمل كل ذوي القربى، فلم يكن يهنأ له بال، وهو يجد أحدهم محتاجًا أو في ضائقة، ولم يكن ينتظر أن يأتيه ذوو الحاجة منهم، بل كان يسعى لتفقد أحوالهم، واتخاذ السبل لذلك، لمعرفته أن هناك من يمنعه حياؤه من كشف حاله، وما عليه من شدة، وكان شديد الملاحظة فطنًا في معرفة حال من يتعامل معهم.

ولم يكن عطاؤه حكرًا على أسرته وذوي القربى، وإنما كان يتلمس حاجة الناس من حوله، ويحرص -قدر الإمكان- أن يدخل في نفوسهم الفرح، بمؤانستهم، ومساعدتهم، وكان أحرص ما يكون على مساعدة الشباب، حاثًا إياهم على الزواج.وكان الحياء يمنعه من مد يد العون لبعض من يعرفهم من الشباب، فكان يتخذني وإخواني جسرًا ليعطيهم ما يعينهم، على أن نقدمه لهم، كأننا نحن المبادرين بتلك المعونة.

وكنت أستشعر من ذلك حرصًا منه على أن نعرف أن الدنيا لا تمضي على حال واحد، بل إن هناك ضيقًا وفرجًا.

وكان والدي على الرغم من مشاغله ومرضه يحب أن يشارك ذوي القربى أفراحهم، ويحرص أن يكون موجودًا بينهم في مناسباتهم.

وكانت علاقته دائمًا مع البسطاء من الناس، يعيش عيشتهم، ويشاركهم مأكلهم ، وكان الرفق أسلوبه في تسيير العمل، لقناعته أن العامل يجب أن يعامل كشريك يتقاسم معنا اللقمة.

وإذا عدت لعلاقته بي وبإخواني وأخواتي، أجد أن كثرة أعماله وتعدد أنشطته لم تكن تمنعه من رعايتنا، والاهتمام بتفاصيل حياتنا، كان حريصًا على أن نؤدي الصلاة، وأن نتهيأ لها بالوضوء قبل الخروج من البيت. كان يتابع دروسنا، ويسأل عن مستوانا، ويكافئ المجتهد، ويجازي المقصر، ويحفزنا على التميز.

وكنت محظوظًا بالعمل معه والقرب منه، لأتعلم منه كيف يعامل من يعملون معه، وكيف يدير عمله، ويتفاعل مع المجتمع من حوله بكل ألوان طيفه.كان يدفعني إلى تجويد ما أنجزه، ولم يكن يبدي رضاه عن أي عمل أقوم به من الوهلة الأولى، حتى لو كان راضيًا عنه بل كان يحثني على بذل المزيد من الجهد.

فقد كانت الإجادة مطلبه، والتميز هدفه فما الجديد إذا فعل الإنسان ما يفعله الآخرون.

عندما كنت أرافقه في رحلته العلاجية الأخيرة في مستشفى فكتورويت بالقرب من مدينة روزن هايم ، الواقعة في جنوب مدينة ميونيخ الألمانية رأيت والدي يكتسب بحسن تعامله، ووده الواضح كل من يلقاه، مرضى وزوارًا وأطباء وممرضين وممرضات، بحرصه الدائم على الاطمئنان على كل مريض، كأنه يحمل هم كل واحد منهم، وابتسامته دائمة لهم متناسيًا ألمه، اكتسب حبهم وتقديرهم، وأصبح محط الأنظار، ووجهة يتوجه إليها الجميع .

وكان وجوده في استراحة المستشفى يحولها إلى منتدى تذوب فيه الفوارق بين الجميع، كلٌ ينسى ألمه، وهمه، وشواغل الحياة الكثيرة، ولا يبدو منهم غير الجانب الإنساني، ولعل ما كانوا يجدونه عليه من صبر واحتمال وروح عالية يدفعهم إلى الاقتداء والتأسي.

وكنت عندما أدفعه على العجلة المتحركة آخذ وقتًا طويلاً حتى نصل إلى غرفته، مع أن الممر كان قصيرًا، وذلك لكثرة وقفاته مع من يصافحونه، ويحادثونه، وهو يسألهم عن أحوالهم، وأحوال أبنائهم، وأسرهم، كأنه عاش بينهم دهرًا.

وكان من بين المتوافدين عليه لعيادته من تحمل عبء السفر تاركًا الأهل والولد ، وكانت فرحته كبيرة بكل من يلقاه .

كم كنت رقيقًا يا أبي حتى وأنت تعايش أحلك الظروف، وأكثر ساعات المرض ألمًا، فلا تبدي لمرافقيك وزوارك غير طلاقة الوجه، والابتسامة الهادئة، فكنت لا تشكو إلا لله، ولا تفصح عن آلامك إلا لأطبائك.

لم يكن أحد يعلم مقدار ما يقاسيه الوالد من الألم، إلى حد أن الحيرة أصابت طبيب الأسنان المعالج وقد رأى ضرسه، كأنه سوي بمبرد، مع أنه لا أثر لأي مرض في أسنانه ، حتى اكتشف الطبيب أن شدة الألم كانت تجعله يجزّ على أسنانه، حتى لا تصدر منه آهة، أو أثر لألم، لكي لا يسبب القلق لمن حوله.

فقد ظل دائمًا مستعينًا بالله، حامدًا وشاكرًا له على كل حال، مهما كان حجم الشدائد، وقد جادت قريحته -رحمه الله- بأبيات يصور فيها حاله:

أبطلب الله جعل ربي لي معين

في روزنهايم طالبن العافية

يالله يا معبود رب العالمين

ياعلم ( ن ) البينة والخافية

إنك تعافيني ومرضى المسلمين

يارب ماغيرك لنا أحد شافية

إلى أن قال:

دكاترتهم كلبوهم فاهمين

كفار للمرضى قلوب صافية

وأبشر إخواني وكل السائلين

إني بخير وما علي خلافية

وعيالي إلي حاضرين وغائبين

الكل منهم خدمته لي كافية

وكان -رحمه الله- جبلاً من الصبر، وقوة التحمل والاعتداد بالنفس، وقد كتب أبياتًا يناجي فيها ربه فقال :

يالله طلبتك قبل ما حوس

الي حصل لي مكفيني

العافية ما تجي بفلوس

ما غيرك أحد يشافيني

وفي أحيان كثيرة كان يقابل هذا الألم الذي يسببه له المرض بروح الدعابة، فأذكر عندما كنت مرافقاً له - رحمه الله- في رحلته العلاجية ، كنت أستخدم الجوال كثيرًا مستقبلاً اتصالات محبيه واستفساراتهم عنه، ومتابعًا لأعمالي، فنظر إليّ ذات يوم، وقال لي:

بندر أذا شغل الجوال

ياصبر أذانيه توحي له

من كثر هرجه تقل دلال

ماهوب وحده معه جيله

.....الخ

رحمك الله ياوالدي، فقد كنت لي أبًا ومعلمًا وصديقًا.

فقبل وفاته بثلاثة أيام أهديته صورة خاصة له في حفل زواجي، وكان يحب الصور التذكارية، فنظر إليها، وعندما قلت له: ما رأيك فيها، قال: ايه وأنا أبوك، الله يرحم زمان أول وين كنا، وين صرنا، الله يحسن خاتمتنا.

كان حسن الخاتمة همه، وقد كان ربه رحيمًا أن تقبله متوضئًا كعادته، فقد كان لا يخرج من المنزل إلا وهو على وضوء.

عندما جئنا نتلقى العزاء بعد وفاته -رحمه الله- كان شعوري أن الفقد لم يكن فقدنا فقط، وإنما فقد كثيرين، كنا نعزيهم أكثر مما يعزوننا، لأن قربه منهم جعلهم يشعرون أنه واحد منهم.

كنا نعزي بعضنا بعضًا لا فرق بين قريب تربطه به صلة الرحم، وبعيد تربطه به روح الإخوة الإنسانية، فكلاهما أحبا والدي في الله، وارتبطا به، فكان الفقد عظيمًا لكليهما، والمصاب جللاً.

كأن والدي أبى إلا أن يكون معلمًا لي حتى في مماته، لأنني تأكدت أن من يغرس طيبًا لن يجني إلا طيبًا، وأن كل شيء زائل، ولا بقاء إلا لوجهه الكريم، وما على المرء إلا أن يجد في فعل الخيرات ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

إن الوفاء يقتضي أن أقول لوالدي اليوم، وهو بين يدي رب العالمين: أحمد الله، أشكر له، أن كنت والدي الذي تشربت منه القيم، وعرفت منه ما لا يمكن أن أعرفه في أرقى المدارس والجامعات، فقد أعطيتني كل شيء، يمكن أن يحلم به إنسان، حرمت نفسك النوم، وسهرت على راحتي، وتعبت في تربيتي، تشاركك في ذلك والدتي، متعها الله بالصحة، وحرصت على أن أتعلم، وأجتهد، وأن أعمل في معيتك، لأنهل من معين خبرتك، التي جعلتك علمًا في مجالك، تسبقك سيرتك العطرة، وقدمتني للمجتمع خير تقديم، وكان انتسابي لك من المفاتيح التي يسرت لي طريقي، وقصرت المسافات، إلى جانب ما أمددتني به من علم وخبرة وأسلوب حياة.

أقول لك أبي: إن كل نجاح أناله لك فيه الفضل بعد الله سبحانه وتعالى، فأنت قدوتي، والنبراس الذي يضيء لي الطريق.. إنني سأبقى فخورًا بانتسابي إليك ما دمت حيًا، ، وأن يعينني ربي أنا وإخوتي على البر بك، حتى تكون راضيًا عنا.

أسأل الله أن يغفر له ويرحمه، ويسكنه في فسيح جنانه، مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا، وأن يلهمنا الصبر وحسن العزاء حتى نلحق به .


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد