Al Jazirah NewsPaper Saturday  06/10/2007 G Issue 12791
الرأي
السبت 24 رمضان 1428   العدد  12791

إصلاح ذات البين بين المساعي الحميدة والاجتهادات غير السديدة
اللواء الركن (م) سلامة بن هذال بن سعيدان

مما لا شك فيه أن إصلاح ذات البين يعتبر مسعى حميدا وأمرا مفيدا، يستحق من يفعله - احتسابا - من الله الأجر، ومن الناس الشكر وطيب الذكر، حيث إن الصلح بين الناس استجابة لأمر ديني، ومطلب دنيوي، لما يترتب عليه من بقاء الآجال وحفظ الأموال وتحقيق الآمال، بفضل نزع فتيل الانتقام وشفاء غليل الواقع عليه الإجرام، وإخماد الثأرات وحل النزاعات وإنهاء الخصومات.

والواقع إنه نتيجة لما يبذله المصلحون المخلصون من جهود يتم القضاء على الكثير من المشكلات، وتتوقف المشاجرات، وتبنى الفضائل، وتُشاد المحامد، الأمر الذي يخرج الناس من مخالب الشقاء وبراثن الاختلاف، ويقطع دابر المكايدات والعداوات، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه.. إلخ).

وبالطبع فإن هناك نماذج من الناس يكون التوفيق حليفا لهم حيث لا يتدخلون في مشكل إلا أصلحوه، وإذا تناولوا أمرا أتقنوه، يشفعون إذا شفعوا، وإذا سعوا في مهمة أنجزوها، أولئك القوم الميسرون لفعل الخير الذين من خلال مساعيهم الحميدة غالبا ما تنفرج الشدة ويتسع الضيق.

ونظرا لما للإصلاح بين الناس من أثر إيجابي ومردود مثمر يؤدي إلى حقن الدماء، ويجلب إلى النفوس الصفاء، ويحافظ على استمرار المحبة والوفاء، فإنه يعد من الحالات التي وردت الرخصة فيها بالكذب، حيث ورد في الحديث: (ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو نمى خيرا).

والإصلاح بين الناس يدل على مروءة المصلح وعلو همته وحبه لفعل الخير، وإذا صاحب هذا العمل نية حسنة واحتساب لما عند الله، وجانبه الرياء والنفاق طرح ثماره قبولا حسنا وسمعة طيبة في الدنيا، وما عند الله خير وأبقى، خصوصا إذا اجتمع بذل الجاه مع بذل المال في سبيل إصلاح ذات البين وإحلال المودة والائتلاف، محل البغضاء والاختلاف.

وفي الإصلاح بين المتخاصمين وتسوية خلاف المتنازعين إحياء لنوازع الخير وقضاء على نوازع الشر، مما يقوي علاقات التآلف والتكاتف، ويقضي على مسببات الفرقة والتخالف، وما يقود إليك ذلك من زرع المنن ودرء الفتن، وقد قيل: إن اقتناء المناقب باحتمال المتاعب، كما أن من الشرف عقد المنن في رقاب الرجال، بوصف ذلك يمثل نوعا من أنواع المعروف والإحسان إلى الناس، والإنسان مهما علا شأنه وارتفع مكانه فهو خادم للإحسان والحر عبد البر، كما أن المبادرة إلى حل المشكلة يعني منعا لاستفحالها، والقضاء عليها في مهدها، وبالتالي يحول دون تحولها إلى فتنة.

ونظرا لأهمية الإصلاح بين الناس، وعظم موقعه في النفوس، وماله من تأثير محسوس وأثر ملموس، تناولته كتب الفقه مبينة حالاته ومسائله وأحكامه، كما ورد في فضله آيات وأحاديث كثيرة كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. وقال وقوله الحق: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}. وقال جل شأنه: {فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.

ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل من درجات الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. قال: إصلاح ذات البين، وقال: فساد ذات البين هي الحالقة). وقال لأبي أيوب رضي الله عنه: (ألا أدلك على صدقة يرضي الله موضعها؟ قال: بلى. قال تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا).

والحالات الداعية للإصلاح بين الناس كثيرة ومتنوعة، تبعا لكثرة مصادرها وتنوع أسبابها، علاوة على تعدد صورها وأحجامها، واختلاف طبيعتها وطبائع أطرافها، وعمق خلفيتها وأهدافها، فالمنازعات والمشاجرات، والمظالم وجميع المشكلات الناجمة عن المعاملات والتعاملات، وما شابه ذلك وشاكله من الأمور الجالبة للقطيعة والاختلافات الحادة، كلها تمثل مواطن صالحة وأماكن قابلة لحدوث منغصات لذات البين، منها ما يظهر على السطح، ومنها ما يبقى كامنا، ولا يهتم بالأولى، ويكتشف الثانية إلا من يتحسس آمال الناس وآلامهم من الأخيار الأتقياء والأبرار الأوفياء.

ويوجد قاسم مشترك، وصلة واصلة، وعلامة فاصلة بين الجاه في إصلاح ذات البين، وبين الشفاعات وقضاء الحاجات، كما أن ثمة خطا فاصلا وهامشا يتسع حينا ويضيق أحيانا بين الحالتين من حيث الوسائل المتوسلة والسبل الموصلة، فالحالات متباينة والوسائل متداخلة، والتمييز بين الجاه في عموميته والشفاعة في خصوصيتها يعتمد على موضوع الحالة وطبيعتها، حيث إن الشفاعة جزء من الجاه، فهو أصل وهي أحد فروعه، باعتبارها نابعة منه، وقيمتها متأتية من قيمته، وبقدر علو مستواه وبعد مداه يكون أثرها وتأثيرها.

والحالة المطلوب إصلاح ذات البين فيها من حيث حجمها وطبيعتها وظروفها وملابساتها، وواقع أطرافها تتحكم في الجاه المبذول والكيفية التي يبذل بها، ناهيك عن ما يتمتع به صاحب الجاه من مكانة، وما يتحلى به من عقل وحصافة وأدب وكياسة، الأمر الذي يمكنه من إجادة الموازنة بين التلطف في الحيلة واستخدام الوسيلة، بما يساعد على تجسيد المكارم واستلال السخائم.

وعلى هذا الأساس فإن بذل الجاه أحد المالين، وفي بذله رفد للمستعين، وله زكاة مثل زكاة المال، ودوره كبير في إصلاح ذات البين، خصوصا إذا قام على العدل، وتحلى القائم به بالعقل، منصفا المظلوم، وحاثا إياه على الصبر والتنازل عن حقه طلبا للأجر، وفي سبيل الأخوة في الدين واستبقاء للمحبة بين الطرفين، والحصول على الأجر والمحافظة على الأخوة، واستبقاء المحبة لن يتحقق إلا بالاحتساب أولا، والعفو والتسامح ثانيا، من قبل الواقع عليه الظلم مقابل شعور الطرف الآخر بالندم، وتقديره لما أسدي إليه من جميل الصفح وجزيل المعروف.

وحتى يطرح الصلح ثماره، ويؤتي أكله، لابد أن يجمع بين أطرافه خصال مطهرة وخلال حميدة، فالمصلح بحاجة إلى الدين والعقل والجود والصبر والحلم، مع المعرفة والدراية بفنون الإصلاح وحالاته ولزومياته، والمجني عليه أو من يقوم مقامه ينبغي أن تتم توعيته حول فضائل العفو والحلم والكرم والصبر، أما طالب الجاه فيلقن ذلك مع توطينه على الشكر والسلوك السوي الذي يعكس الإقرار والاعتذار والندم، على أن يتفهم الجميع فضيلة الصلح ومدلول قوله تعالى: {يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}. ولله در القائل:

إن الفضائل كلها لو جُمِّعت

رجعت بجملتها إلى شيئين

تعظيم ذات الله جلّ جلاله

والسعي في إصلاح ذات البين

وطالب الجاه يتعين أن يدرك قيمة هذا الجاه وقيوده وحدوده، وأن يكون في مسلكه وسلوكه ما يجعل خصمه يشفا غيظه ويتعاطف معه، وهذا الخصم الذي هو صاحب الحق يلزم تذكيره بماله من الأجر عند الله إذا عفا وقبل الصلح محتسبا، مع التوضيح له أن من انتقم شفا غيظه وبرد غليله وأخذ حقه، ومن عفا فقد وجب شكره، وحمد بين الناس ذكره، ولذة العفو خير من لذة التشفي، إذ إن الأولى من محاسن الشيم وتدل على الكرم، أما الثانية فيعقبها قبح يلازم المنتقم وذم الندم، والصفح والتسامح والعفو يتم بفضلها جلب المحامد والمسرات، وحجب المذام والآفات.

والعدل يعتبر من الضوابط الحاكمة، والاعتبارات اللازمة في إصلاح ذات البين، وهو لن يتحقق إلا بصلح لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، كما أن شفا غيظ المجني عليه وبرد غليله يشكل ركيزة أساسية من الركائز التي يقوم عليها الصلح، أما المكافآت المادية والإغراءات الدنيوية فلها ضوابطها وشروطها، بما يخدم عملية الصلح وينسجم مع قيمها وأهدافها، وقبل هذا وبعده فإن الصلح يتحتم أن يجري ضمن الإطار الشرعي مع مراعاة الاعتبارات الأمنية والآداب والتقاليد المرعية والمطالب الوطنية، وكل ما من شأنه ضمان مصداقية الصلح وفاعليته واستئصال المشكلة من جذورها، واعتبارها كأن لم تكن.

والعلماء أكثر تأهيلا لإصلاح ذات البين، بما يتوفر لهم من حكمة وخبرة ودراية، تمكنهم من جعل صاحب الحق يجنح إلى الصلح، مدركا قيمة التسامح والعفو محتسبا لما عند الله من الأجر، والخصمان المتعاديان قد يدخل بينهما المصلح الحكيم فيجعلهما صديقين حميمين، بفضل ما ينقل من أحدهما إلى الآخر من الكلام الجميل والثناء الحسن، مبينا لكل منهما فضيلة الصبر والاحتمال، وقيمة الصفح، كما يذكر لكل منها على حدة الكلام الجميل الذي يسمعه في حقه من خصمه الذي يجل شأنه ويعترف له بعلو المكانة.

وبما أن مهمة إصلاح ذات البين مهمة سامية، تستمد سموها من سمو أهدافها، فإن وجهاء القوم وسراتهم، وكل من لديه مزية الجاه والقدرة على بذل المال، أجدر بالقيام بذلك، بما يضمن نجاح هذه المساعي الحميدة، والتوصل إلى صلح يخدم أطرافه، تراعى فيه الحيثيات المطلوبة المتمثلة في تحقيق العدل، وشفاء غليل المجني عليه، ومعقولية الحمالة المالية وعدالتها، مع الحصول على الموافقة المسبقة من قبل السلطة.

ومثل هذا الصلح يبتعد فيه المصلح عن النفاق والرياء، وينأى بنفسه عن كل المظاهر المعيقة والمعرقلة، وتبدأ خطوات الصلح الأولية بصورة سرية حتى تحصل موافقة صاحب الحق، ثم بعد ذلك يأخذ الجاه شكلا علنيا منهجيا له مرجعية تنظيمية تسيطر على أحداثه التالية حتى يكتمل الصلح ويصل إلى شكله النهائي، ومن ثم يوافق عليه شرعا.

ولو نظرنا إلى الواقع الممارس، فإن نسبة كبيرة من حالات الجاه ذات الطابع الجماعي، وخصوصا في قضايا القتل، لم تحقق أهدافها، ومرد هذا الفشل يعود إلى خروج الجاه عن مساره بسبب ضعف التحضير له من جهة، وجعل المظاهر هدفا والمحامد الكاذبة مطلبا من جهة أخرى، بالإضافة إلى ما يشوب مسيرة الجاه من حالات التسيب والممارسات الخاطئة، فبدلا من أن تنحو مسيرة الجاه منحا تحترم فيه مشاعر المجني عليهم، مع الحرص على ما يبرد غليلهم ويشفي غيظهم، يتحول السلوك المتبع من قبل الوافدين إلى ممارسات تزيد من السخائم وتلهب حفيظة الثار، وتؤجج ضغينة الانتقام.

ومن جهة أخرى، فإن بعض حالات الصلح الناجحة يشوبها زيادة حمالاتها، بشكل تنتفي معه قيمة الجاه، ويتعارض مع مبدأ العدل في الصلح، ويسن في المسعى الحميد سنة غير حميدة، والصلح الذي لا يشفي غليل المجني عليه، ولا يحقق العدل بين الطرفين، يبقى صلحا ناقصا، لا دور للجاه فيه إلا مجرد دور صوري له نتائج عكسية على الصلح والجاه على المدى الطويل.

وبعض حالات الصلح تتجه إلى عادات وتقاليد عفى عليها الزمن، ولا فائدة منها، ولا ضرورة إليها، ولجوء المصلح إلى مثل هذه العادات والتقاليد مبعثه نقص معرفته وتخشب عقله.

وعلى هامش الجاه المتسيب والشفاعة الخاطئة فقد ظهر في إحدى القنوات الفضائية مشاهد متكلفة وأخرى متخلفة على هيئة التماسات وشفاعات موجهة إلى أحد المواطنين مطالبة إياه بالعفو عن قاتل ابنه المحكوم عليه بالقصاص، وهذه الممارسات أصبحت نتائجها عكسية وآثارها مؤلمة، حيث أججت مشاعر أهل المجني عليه نحو الثأر والانتقام، بدلا من أن تكون سبيلا إلى شفاء الغليل وتحقيق الهدف النبيل، والقناة تعتقد أنها أحسنت صنعا وجلبت نفعا، في حين أن الأمور أخذت مسارات معاكسة فرضتها العواطف الانفعالية والحالات المزاجية وتحكمت فيها الأهداف المادية والفوضى الفضائية.

وثمة لجان لإصلاح ذات البين وبذل المساعي الحميدة في جهات حكومية معينة، والمأمول منها زيادة التوعية عبر القنوات المتيسرة، وكذلك المعرفة المسبقة عن أية حالة صلح للتدخل فيما يضمن نجاح الصلح ويخدم أهدافه. ونحن أمة حرضها رسولها على إصلاح ذات البين ورغبها في ذلك، عن طريق اعتبار الإصلاح بين الناس والعدل فيه يقوم مقام الصدقة، بل هو في ذاته صدقة، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة). كما وصف هذه الأمة ربها جل شأنه بكظم الغيظ والعفو والإحسان، وهي صفات تليق بأهل الصلح، وتشكل بيئة خصبة له، وتدعو إليه، إذ قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. فمن كانت هذه صفاته والدعوة إلى الخير دعوته، خليق به أن يصلح حاله، ويغلب عليه عدله واعتداله محتسبا لآخرته ومآله.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد