Al Jazirah NewsPaper Tuesday  09/10/2007 G Issue 12794
الرأي
الثلاثاء 27 رمضان 1428   العدد  12794
كلام الناس
حمد عبد الرحمن المانع

يمتد تأثير كلام الناس، في النسيج الاجتماعي، وتتشكَّل على ضوئه سلوكيات محددة وفي إطار العرف، حيث يأخذ كلام الناس، طابعاً رقابياً من حيث بسط الأمر وتحليله إذ يتم تداول الموضوع بشيء من القسوة أحياناً وفق الأساليب الموغلة في التأنيب، من انتقاص وازدراء وشماتة ونحو ذلك من الصفات التي تكرس الفرقة، التي لا تعدو كونها مادة للاستهلاك غير أن العامل النفسي، لا يبرح مخلفاً الآثار السلبية السيئة، متى ما سلط الكلام سيفه البتار على من يقع تحت قبضته (ويا ويله وسواد ليله) حينما تسلقه الألسنة الحداد، وتبخس من قدره، بهذه الصيغة غير الملائمة لانتقاء الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية في الوقت ذاته، وخنق مبدأ إتاحة الفرصة، وكأنهم لا يخطئون، وقد يكون كلام الناس مفيداً من جهة، وضاراً من جهة أخرى، بمعنى أنه ذو شقين إيجابي وسلبي، ففيما يخص الجانب الإيجابي فإنه قد يسهم في الحد من السلوكيات الخاطئة المتعارف عليها، وبذلك يسهم التأثير إيجاباً في عدم إتيان بعض التصرفات، وبالرغم من المعايير المطاطة، والمفتقرة للتحديد في هذه المسألة، إلا أن هناك شبه إجماع أو ما يشبه الإنفاق وهذه الرؤى تنبثق جراء التعامل اليومي، يعززها بطبيعة الحال الثقافة المؤسسة للنمط المعيشي للمجتمع، عدا عن تأثير القيم والمبادىء في هذا الجانب إذ لا يمكن أن يتقاطع كلام الناس، مع تلك الأطر لاعتبارات أيدولوجية، وارتباط بالدين، غير أن ما يتم طرحه وتداوله في كلام الناس، يكون في الغالب في الأمور المباحة وقد يندرج في إطار المكروه وغير المستحب من ناحية الدين، ليغطي الاعتقاد السائد على ضوء هذه الفرضيات الخاطئة، مزالق الألسن، وهي أدهى وأمر بل إن التحذيرات، من مغبة ما ينطقه اللسان، من صميم تعاليم الدين، وغالباً ما يفرض كلام الناس بعض الأنماط السلوكية المرهقة، كأن يرغب الشاب أو الفتاة، في مجاراة الآخرين سواء كان ذلك من حيث اللباس، أو وسيلة الركوب، كالسيارة لتبدأ ممارسة الضغوط على ولي الأمر الذي قد يضطر للاقتراض لكي يلبي رغبة أبنائه، وهكذا يسهم الخوف من كلام الناس في فرض هذا الأمر، فيسرح الأبناء في النهار ويكابد الأب عنت الدين، ومشقة الاقتراض، في الليل وهي في كل الأحوال، وخصوصاً ما يتعلق باللباس، وحضور الأفراح لا يتعدى استعمالها مرة واحدة، لتقبع في دولاب الملابس بعدما سحبت ما سحبت، من آثار نفسية سيئة، سواء على الأب أو الأم التي تشارك زوجها في هذا الأمر، تبعاً لهذه المظاهر الكذابة، وهي كذلك لأنها تنم عن إدراك ضيق لقيمة الشخص التي ترتبط بالشكل دون المحتوى ليظل الأشخاص وقيمتهم مجرد دمى تحركها شهوات شيطانية المنشأ من خلال التفاخر والتمايز لتقبع الأسر تحت وطأة الديون إرضاء للناس وكلامهم، وخوفاً من تأثير هذا الكلام على نفسيات أبنائهم وبناتهم ولا يقف تأثير كلام الناس عند هذا الحد، بل يذهب أبعد من ذلك، ليتحول إلى إعصار مدمر، ينذر في إغراق الأخضر واليابس، حينما يكرس الجهل قواعده البائسة السيئة، لينخر في العقول، ويجرها من حيث لا تدرك إلى المصير المجهول، حين يمعن التفاخر بالأنساب، في بسط أشرعته الصدئة، ليتحول التمييز إلى معول هدم يقوض الاستقرار الاجتماعي، جراء الفروق الوهمية التي خلفتها العادات السيئة، والتقاليد البالية، والتي ما أنزل الله بها من سلطان قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}وقال عز من قائل: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، والتخلص من كلام الناس واتقاء آثاره الكئيبة المحزنة، لا يمكن تطبيقه، لأن الناس حتماً سيتكلمون بل إن المعرفة والثقافة ونشر العلم، هي العناصر التي يعوّل عليها تقنينه، من جهة والغوص في محاولة تهذيب صياغة الكلام، وليس التخلص منه لأن ذلك مستحيل، وأكرر وما زلت أكرر وسأظل أكرر بأن تفعيل جانب البساطة في التعاطي والتعامل مع الأمور المختلفة يعد فرس الرهان، في هذه المراحل بمعنى أن يتم تكريس هذا المفهوم من خلال التعليم ووسائل الإعلام عبر المواد التي تطرح سواء مقروءة أو مرئية أو مسموعة، ولعل الجانب الإعلامي من خلال المسلسلات المختلفة سيغدو تأثيره أقوى وأنجع، لا سيما وأن الشريحة المستهدفة في هذا التوجه ربما لا تقرأ ولا تكتب، غير أنها ستتفاعل مع المعطيات، والسياق الدرامي للمسلسل فضلاً عن جهود وسائل الإعلام الأخرى في طرق هذا التوجه وتفعيله، رحمة بالناس من كلام بعض الناس، فالأب لا يقوى على مشاهدة فلذة كبده، والحسرة تحيط بقلبه وتحاصره، لعدم استطاعته مجاراة أقرانه، والأم كذلك لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي، وهي ترى ابنتها والأسى يلقي بظلاله الكئيبة على محياها، والرسالة إلى المقتدرين والذين منَّ الله عليهم بنعمه بأن يراعوا مشاعر الآخرين وأن يفعلوا القيم النبيلة في سلوك أبنائهم، فالقيمة الحقيقية هي في الفكر والعلم والثقافة وحسن الخلق وما خلا ذلك فإنها أسباب لا تستقر ليسهموا في حماية أبنائهم من عين وحسد وخلاف ذلك، وإبراز البساطة بمفهومها الأخّاذ، الذي يسبي المشاعر، ويؤمن سلامة القلوب، ويعزز التكافل الاجتماعي بكل أواصره الجميلة القيمة.



hamad-yemco@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد