قبل بضعة أشهر تناول بعض الكتاب في بعض الصحف المحلية موضوعاً قديماً في مضمونه جديداً في شكله، وهو الحصول على درجة الدكتوراه بطرق غير شرعية وتجارية، كتلك الإعلانات التجارية التي تزعم بمنحها درجات الدكتوراه لمن يرغب فيها خلال فترة وجيزة دون أن يغادر طالبها منزله، وهو ما يتعارض بشكل
صريح مع سياسة التعليم العالي في المملكة، وهو ما حدا بوزارة التعليم العالي من التحذير من هذه الإعلانات على موقعها وفي الصحف المحلية.
يبدو أن هذه الإعلانات التجارية غير الشرعية لمنح درجة الدكتوراه ظهرت لتواكب الزيادة الكبيرة المطردة في أعداد طالبي الحصول على لقب (دكتور) حتى أصبح هذا اللقب غاية في حد ذاته وليس وسيلة لمزيد من العلم والمعرفة في أحد حقول المعرفة الإنسانية.
هذا الإقبال على لقب (دكتور) يجعل المرء يسأل: ماذا يعني أن تكون دكتوراً؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال، أرى أنه من الضروري جداً البدء بتعريف مصطلح (دكتور) Doctor وأصله. دكتور كلمة لاتينية تعني (المدرس) أو (المعلم) Teacher، ومنها جاء مسمى دكتوراه Doctorate، وهي درجة أكاديمية تعتبر أعلى درجة علمية تمنح للدارسين في بعض البلاد مثل الولايات المتحدة الأمريكية. ظهرت كلمة (دكتور) في القرون الوسطى في أوروبا كرخصة لممارسة التدريس في الجامعة. هناك أربعة أنواع من الدكتوراه، وهي: درجة الدكتوراه في البحث Research Doctorate، وأشهر الأمثلة عليها دكتوراه الفلسفة Doctorate of Philosophy، وهي الدرجة التي تمنح للدارس بعد أن يقدم رسالته العلمية ويناقشها بنجاح؛ درجة الدكتوراه العليا Higher Doctorate، وتمنح هذه الدرجة في بعض البلاد مثل المملكة المتحدة وأيرلندا على أساس توفر أبحاث منشورة ذات نوعية عالية جداً تؤهل الدارس للحصول عليها، ومن أمثلتها دكتوراه العلوم Doctorate of Science؛ والنوع الثالث هو درجة الدكتوراه الوظيفية Professional Doctorate، وهي تمنح في مجالات وظيفية معينة حيث يكون حاملوها ليسوا معنيين بأنشطة أكاديمية وأبحاث علمية، ولكن فقط مهتمون بوظائفهم المهنية مثل الطب، والقانون، والموسيقى؛ والنوع الأخير هو درجة الدكتوراه الفخرية Honorary Doctorate، وهي تمنح من قِبل بعض الجامعات المرموقة لشخصيات اعتبارية خدمت مجتمعها والمجال الذي تعمل فيه على نحو مميز.
والآن، ماذا يعني حقاً أن تكون دكتوراً؟ أكاد أجزم أن الكثير ممن حصلوا على هذا اللقب بعد سنوات طويلة من العمل المتواصل الجاد قد توقفوا لبرهة من الزمن وطرحوا على أنفسهم مثل هذا السؤال! أرى أن لقب (دكتور) لا بد أن يحدث تغيراً إيجابياً في شخصية حامله ليؤهله لحمل هذا اللقب. من هذه التغيرات الإيجابية التي ينطوي عليها حمل لقب (دكتور):
1- ان يدرك أن خير العلوم هي العلم بالله سبحانه وتعالي والعمل بما جاء في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. يظل العلم الذي حصل عليه وأهله لنيل لقب (دكتور) ناقصاً ودنيوياً إذا لم يتم تطعيمه بشيءٍ من العلوم الشرعية التي تعمّق معرفة الإنسان بربه. فالعلم والإيمان مكملان لبعضهما البعض ولا يمكن الفصل بينهماً.
2- ان يدرك أن ما توصل إليه في مجال تخصصه ما هو في حقيقة الأمر إلا ما انتهى إليه الآخرون في هذا المجال. يتطلب منك هذا مواصلة البحث والدراسة في مجال تخصصك حتى تثري المعرفة البشرية. توقفك عندما حصلت عليه أثناء دراستك لنيل درجة الدكتوراه سيجعلك متخلفاً عن غيرك في مجال تخصصك بعد سنوات معدودة لأن العلم ينمو ويتطور. لذا لابد لك كحامل لقب (دكتور) أن تستمر في القراءة العلمية الفاحصة وأن تواصل أبحاثك في مجال دراستك لتعميق معرفتك وعلمك.
3- نشر العلم الذي تعلمته بدون منة أو شح. يتذمر بعض طلاب الجامعات والكليات من بعض أساتذتهم من حملة درجة الدكتوراه بأنهم يبخلون عليهم- بقصد أو غير قصد- بما منحهم الله من علم. أضف إلى ذلك أن الكثير ممن يحملون لقب (دكتور) قد انتهت حياتهم الأكاديمية والتقاعدية دون أن ينشروا مرجعاً واحداً في مجال تخصصهم أو أي حقلٍ من حقول المعرفة. إن هذا الأمر لمحزن جداً، خصوصاً أن بلادنا بحاجة ماسة لمؤلفات وترجمات في حقول المعرفة المختلفة، وهو ما لا يمكن أن يتحقق بدون جهود المواطنين من حملة لقب (دكتور).
4- ان تقول (لا أعلم) إذا كنت حقاً لا تعلم. يظن العامة أن من يحمل لقب (دكتور) يعرف كل شيء في مجالهِ، وهو في الواقع نفس الشعور الذي يحمله من حصل على لقب (دكتور) قبل أن يصبح حاملاً لهذا اللقب، فينتقل معه هذا الشعور بعد أن ينال هذا اللقب. هذا خطأ جسيم يقع فيه بعض حاملي لقب (دكتور). يجب على (الدكتور) أن يقول (لا أعلم) إذا سئل في مجال دراسته ولم تحضره الإجابة الصحيحة المؤكدة. من قال (لا أعلم) فقد أفتى.
5- التواضع والحلم. ينبغي على حامل لقب (دكتور) أن يكون متواضعاً بعيداً كل البعد عن الغرور الاجتماعي. من المؤسف حقاً أن نرى البعض قد شغلوا حيزاً كبيراً في صحفنا لأيام عديدة يعلنون فيها أنهم حصلوا على درجة الدكتوراه وكأن الحصول على لقب (دكتور) هو هدف اجتماعي في حد ذاته! نحن نعلم -كحملة درجة الدكتوراه- أنه بعد أن يحصل الدارس على لقب (دكتور) يشعر أنه مازال في بداية الطريق، وهذا شعور نبيل لأنه يعطي حامل هذا اللقب دفعة قوية للعمل الجاد ومواصلة التحصيل العلمي الذي لا ينتهي. كذلك ينبغي على حامل هذا اللقب أن يتصف بالحلم والتواضع مع طلابه وزملائه لينال محبتهم واحترامهم.
6- الإخلاص للدين والوطن والعمل من أجلهما. بعد سنوات طويلة يمضيها طالب العلم في التحصيل العلمي أثناء دراسته لدرجة الدكتوراه، يعود هذا الدارس الذي أصبح الآن (دكتوراً) ليخدم دينه ووطنه. ليس هناك شيء أسوأ من أن يتنكر حامل لقب (دكتور) لدينه ووطنه، وكأنهما شيئان لا يتناسبان مع لقبه الجديد وخارج أولويته.
7- التحلي بالصفات الجليلة والابتعاد كل البعد عن الصفات الذميمة كالكذب والنميمة وسوء الأمانة والثرثرة. للأسف الشديد لا يخلو مجتمع حملة لقب (دكتور) من بعض هذه الصفات الكريهة التي ظلت مع بعضهم حتى بعد حصولهم على هذا اللقب.
8- البعد عن التأفف والتذمر. حصولك على لقب (دكتور) يجب ألا يقودك إلى التأفف والتذمر ممن هم حولك. يشعر بعض حملة لقب (دكتور) أن هناك فجوة بينهم وبين المجتمع الذي ينتمون إليه، فيأخذون في التذمر والتأفف كوسائل للتنفيس عنهم. لم يحصل الآخرون على لقب (دكتور)، لذلك لا تتوقع منهم أن يكونوا مثلك، على الأقل في مستوى التأفف والتذمر. مما لاشك فيه أن بعض أبناء الدول العربية يحصلون على درجة الدكتوراه في تخصصات علمية مختلفة من دول متقدمة علمياً وتكنولوجياً، ويعودون إلى بلدانهم بعد سنوات طويلة، فيجدون الوضع محبطاً وغير مشجع على العمل في مجالاتهم المختلفة. هذه حقيقة معروفة في بعض البلدان العربية. ومع ذلك، يجب أن يواصل كل من يحمل لقب (دكتور) العمل والإبداع في مجاله دون اللجوء إلى التأفف والتذمر، وهما مجالان لا يتطلبان الحصول على لقب (دكتور) لممارستهما.
وختاماً، أؤكد للقارئ العزيز أن هذه الصفات لن تتوفر في حامل لقب (دكتور) مزيف لأنها- بكل بساطة- صفات تشكلت لدى حامل لقب (الدكتور) الحقيقي عبر سنوات طويلة أمضاها في التحصيل العلمي الجاد. فحامل لقب (دكتور) المزيف والتجاري سيكتفي بلقب (دكتور) وسيعود إلى أدراجه من حيث أتى!
alhuqbani@yahoo.com