في الثمانينيات الميلادية وقع جدل كبير في الأوساط الثقافية حول مفهوم (الأدب الإسلامي)، فبين رافض لهذه الأسلمة التي لا تمت للأدب بصلة كونه منتجاً إنسانياً، وبين مؤيد له بحكم أنه نوع خاص من الأدب يلتزم القيم الإسلامية ويدعو لها، ويقف في وجه كل إبداع أدبي يطعن بالمقدسات أو يسوق للمجون....
ذلك الجدل لم ينقطع ولكن هدأت أمواجه لأن جدلاً آخر استجد داخل وسط أوسع من الوسط الثقافي وأكثر التصاقاً بالجماهير، يتعلق بمفهوم (الإعلام الإسلامي)، خاصة مع انتشار ثقافة (الشريط الإسلامي) وصحافة (المجلات الإسلامية) في الأوساط الاجتماعية منذ الثمانينات وحتى عصر الفضائيات، فتكررت مبررات التيار الديني بالنسبة للأدب مع هذا الإعلام، دون أدنى قناعة بذلك من قبل التيارات الأخرى وبالذات العلمانية، التي تؤكد على فصل الدين عن كل مناحي الحياة فما لله لله وما لقيصر لقيصر، غير أن قطاعاً كبيراً من الإسلاميين لم يكترث بتلك الاعتراضات العلمانية، مواصلاً مشروع الأسلمة في شتى مجالات الحياة، فظهرت ما تسمى (القروض الإسلامية)، و(الزيجات الإسلامية)، و(السياحة الإسلامية) إلى ذلك ذلك من صور الأسلمة. لكن الملاحظ أن هذه (الأسلمة) لم تقف عند (المنتج المادي) كالشريط الإسلامي، أو (الإبداع البشري) كالإعلام الإسلامي، أو (التقليد الاجتماعي) كالزواج الإسلامي، أو (الواقع الحياتي) كالعالم الإسلامي، إنما دخلت على نماذج من (الفكر الإنساني)، فاصطبغت بها كي يسهل قبولها وتسويقها في أوساط أمة تميل نحو دينها وما يتصل به، فظهر (اليسار الإسلامي)، أو (الإشتراكية الإسلامية) التي زعموا أن لها جذراً تاريخياً يتصل بالصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.
ولأن الفكرة (الليبرالية) لا زالت حديثة في الوعي الجماهيري، خاصة بعد انحسار المد العلماني وفشله الذريع من واقع كثير من الأنظمة العربية التي تبنت هذا الفكر ضمن أنظمتها، فقد سلك بعض الكتاب والمثقفين السعوديين من الليبراليين أو المخدوعين بالفكر الليبرالي إلى (أسلمة) هذه الفكرة الطرية كي يسهل على الجماهيري استساغتها، فسمعنا بمصطلح جديد هو (الليبرالية الإسلامية)، التي لا تعدو أن تكون فكراً هجينا يحاول الجمع بين الإسلام والليبرالية، أو بالأصح قولبة الليبرالية حسب القيم الإسلامية، تحت زعم أن الليبرالية في أصلها (وسيلة) وليست دينا أو فكراً، لذا فهي لا تتعارض مع دين المجتمع، الذي يستطيع أن يكيفها حسب قيمه وأعرافه، فمنذ شيوع مصطلح (الليبرالية) في منتدياتنا الثقافية وترديده في الميادين الإعلامية، ومن ثم انعكاسه التأثيري على الأوساط الاجتماعية بين القبول والرفض والحياد، والليبرالية تخضع ولا زالت لكثير من الكتابات التحليلية التي ترصد موقف الإسلام منها، في محاولة فكرية لإيجاد علاقة حضارية بينهما، وكذلك المقالات النقدية التي تناولت الجانب الفلسفي لليبرالية مع معالجة نقاط الاتفاق والاختلاف بين الفكر الليبرالي والفكر الإسلامي، فظهرت كتابات ركزت في محورها الرئيس على أن الليبرالية مفهوم إنساني يعبر عن (وسيلة متغيرة) من اختراع العقل البشري (العلمي) لإدارة الصراع سلمياً مع العقل الكهنوتي الاستبدادي، لتحقيق (غاية ثابتة) هي ضمان حرية الفرد ومن ثم التطلع إلى إقامة نظام متكامل من العدل الاجتماعي الشامل، لذا فالليبرالية (وسيلة) لا تتعارض مع روح الإسلام وغاياته الأساسية.
من ذلك ولدت مسألة (أسلمة الليبرالية)، وهنا يتجلى الفهم المنكوس، لأن الذين يحكم العلاقة بين الإسلام والليبرالية، ليست المقاصد الحياتية أو القيم الإنسانية (حرية وعدالة ومساواة وغيرها)، التي نجد أن طرفي العلاقة متفقان عليها، إنما الحكم بينهما والفصل في هذه العلاقة يكون ب(المرجعية الحضارية)، التي هي ثابتة في الفكرين الإسلامي والليبرالي، فهي بالنسبة لليبرالية، تتمثل في (العقل البشري)، وفق تقرير فلاسفة التنوير ودعاته الأصليين: (إنه لا سلطان على العقل إلا للعقل وحده)، حتى يبقى الإنسان في المقام الأول حر الضمير، مالكا لنفسه ولعقله ولحريته في التصرف والاعتقاد، ضد كل من يريد انتزاعها منه، سواء أكان سلطاناً دينياً أو إقطاعياً أو استبدادياً أو مذهبياً، العقل البشري يصوغ (القوانين الوضعية) ويشرعها لحماية فردية الإنسان وحريته. أما في الإسلام فالمرجعية الحضارية (دينية) متمثلة بالوحي (قرآن وسنة)، من خلال النصوص والتشريعات التي تتضمن أحكاماً مقيدة بالنسبة للتصرف البشري وإن كانت متحررة بالنسبة للاعتقاد الإنساني.
على ذلك فالليبرالية ليست (وسيلة متغيرة) كي يسهل بلورتها وفق حاجات مجتمع معين، إنما هي فكر له جانب فلسفي هو (تحقيق الحرية الفردية)، لا يتم إلا بشكل موازِ مع جانب حضاري هو (تحديد العقل مرجعية وضعية)، وأي إخلال بأحد الجانبين يعني انتفاء الليبرالية، أما اعتمادهما معاً فيعني ببساطة استبعاد الإسلام، وهذا يقرر بالتالي (استحالة) أسلمة الليبرالية، فإن كان العقل يرفض (أسلمة العلوم) الطبيعية والإنسانية، من منطق أن العلوم إرث إنساني عام يشترك في منفعته كل البشر، الذي يشمل المسلمين وغيرهم، فهو أيضاً يرفض أسلمة الأفكار والعقائد ذات الجذور الفلسفية الخاصة والمرجعيات الحضارية المستبعدة للنصوص الدينية، وعليه يرفض (أسلمة الليبرالية) للخصوصية الفكرية بين الإسلام والليبرالية، والتضاد الجوهري بينهما.
kanaan999@hotmail.com