كانت منطقة عبقر بلاد تسكنها الجن، وكان العرب إذا رأوا شيئاً جيداً قالوا عبقري كأنه من عمل الجن إذا كانت الإنس تقدر على مثله ثم كثر ذلك حتى قالوا سيد عبقري لدرجة نسب كل شئ في (الإتقان) إلى عبقر حتى قيل: لم أر عبقرياً مثله، والملاحظ في هذا الوقت بالذات تواجد (ثقافة الجودة)
في الدول المتقدمة بصور وأطر متنوعة أحدها من خلال مجموعة من الشركات العملاقة وبالتحديد في أودية متفرقة فحين يقال وادي السيليكون في أمريكا، ومجمع (تشونغ غوان تسون) للعلوم والتكنولوجيا في بكين والمعروف باسم وادي السيليكون الصيني حيث يستقطب عشر مؤسسات تكنولوجية متقدمة كل يوم تقريباً، وبالرغم من تقلبات الأسواق الاقتصادية فقد ظل الاهتمام بصناعة التقنية العالية متقدماً في كثير من البلدان المتقدمة، بل شهدت توسعا جغرافياً كبيراً إلى درجة أن شعار إحدى الشركات الضخمة في وادي السيليكون هو( العالم إلى الأمام) عن طريق إنتاج التقنيات والمنتجات والمبادرات التي تعمل باستمرار على تحسين أسلوب حياة وعمل البشر في وقتنا الحاضر والمستقبل، ولنا أن نتساءل هل نجحت تلك (الأودية) بمساعدة من الجن أو من وادي (عبقر الأجنبي!).
إن التسارع الكبير في جودة التجارب التقنية الفائقة والدقيقة من تلك الأودية وما تسببه من الزيادة في معدل القلق والهم والانشغال بل والإعجاب بها من قبل بعض القياديين في منظماتنا التعليمية وغيرها، مما يؤدي إلى السرعة في تطبيق الكثير من تلك التجارب الناجحة والتي امتدت لعقود لديهم حتى تنضج وتنجح مع العلم أنها لا تتناسب مع ثقافة الجودة المبتدئة لدينا مما أدى إلى فشل الكثير من تلك التجارب والبرامج والتي منها ما تعني بجودة تدريب الكوادر البشرية سواء في القطاع الأهلي أو الحكومي، وكذلك غياب الإستراتيجية الواضحة للتدريب طويلة الأمد والتي تأخذ على عاتقها إكساب طالبي العمل القدرات والمهارات والاتجاهات اللازمة لشغل الوظائف في سوق العمل، ومثل تلك الاستعجال في تبني التجارب والمشاريع والبرامج دون دراسة كافية جعل القدرات الذهنية لهؤلاء القادة تتآكل وأصبح الكثير منهم غير قادر على الابتكار، فلا غرابة أن يقوم الكثير منهم بإعادة تدوير مشاكلهم ومنتجاتهم، وينعكس ذلك على آدائهم وقدراتهم، وبالتالي إشاعة نوع من الفوضى في منظماتهم مما أثر بشكل سلبي على جودة المخرجات لديهم بشكل واضح، وهذا لا يعني أن نوجه اللوم إلى هؤلاء القادة لأنهم أبناء بيئتهم فمجتمعاتهم بحاجة ماسة إلى تصحيح كثير من المفاهيم المضللة فيها، ولهذا السبب يجب أن لا نلومهم بشكل مباشر على فشلهم في قيادة منظماتهم التعليمية وغيرها، وفي نفس السياق يقول المفكر الإسلامي مالك بن النبي رحمه الله: ( المجتمع الذي لا يصنع أفكاره الرئيسية، لا يمكنه على أية حال أن يصنع المنتجات الضرورية لاستهلاكه، ولا المنتجات الضرورية لتصنيعه)، وفي هذا يقول الدكتور خالص جلبي: ( نحن لا ننتسب إلى هذا العصر بعد، لأننا لم نشارك في صناعته..)، ويقول كورنيلي: (تتقدم الدول عندما يتقدم المواطنون)، ويقول الأستاذ إبراهيم البليهي: ( إذا ولد الفرد باليابان نشأ منضبطاً منتجاً ماهراً وإذا ولد بأفريقيا نشأ بفكر مغاير وسلوك مختلف).
إذن من الممكن الوصول إلى مستوى من التطور التقني العالي الجودة في وقت قصير نسبياً ومثال على ذلك ما فعلته سنغافورا، وماليزيا لأن تلك الدول وببساطة بذلت جهوداً عظيمة في تثقيف مجتمعاتهم، وبأسلوب تقني جديد وفعال، فنبغ منهم قادة من رحم تلك المجتمعات الذكية مبدعين يديرون المنظمات بأنواعها بكل كفاءة واقتدار!، وهناك عدة مؤشرات تدل على الحاجة الماسة لتناول موضوع الأودية على محمل الجد، إضافة إلى نقص مؤشر توعية مجتمعاتنا وضرورة إعادة برمجتها من جديد، الأمر الذي أدى إلى ندرة المواهب من الموارد البشرية المتميزة في سوق العمل وغيرها وذلك لأسباب عديدة - في نظري - منها:
* لا يوجد مؤسسات قادرة على ميكنة المجتمعات باتجاه التقدم والإبداع، لضعف مؤسسات المجتمع المدني.
* بعض الخريجين تخصصاتهم تقليدية ولا يحتاجها سوق العمل بمعنى لا يوجد إنعكاس للتقنيات العالمية في تلك الأودية على البرامج التقنية لدينا.
* ضعف المناهج التعليمية والبعد عن الجانب التطبيقي والعملي، وضعف الاهتمام بالتربية المهنية في مدارسنا وخاصة الابتدائية، والتي تختص بتنمية المهارات والقدرات والاتجاهات وعادات العمل وتقديره، فخلقت منه إنساناً خائفاً قتلت فيه انطلاقيته وابتكاريته.
* لا يوجد لدينا مقاييس نوعية تتيح لنا معرفة ما وصل إليه مجتمعاتنا من كثير من المفاهيم المترسبة والخاطئة، وكيفية تصحيحها.
* لا يوجد ورش عمل في مدارسنا الابتدائية تساعد الطلاب على كيفية عمل بعض الاختراعات البسيطة بينما في المدارس الفرنسية مثلاً يقسم اليوم الدراسي إلى ثلاثة أقسام: قسم للتربية وقسم للأعمال اليدوية وقسم للمواد العلمية.
* البنية الثقافية والمؤسسية لدى كثير من الشركات لم تصل إلى عقلية الشركات الكبرى بعد.
* ضعف التنسيق بين التعليم التقني والتعليم العالي والتعليم العام، وقد آن الأوان لإيجاد آليات للتعاون والتنسيق بما يخدم أهداف العملية التدريبية والرقي بها.
* التطورات التي تحصل بسرعة في سوق العمل، وعدم مواكبة التعليم والتدريب لدينا للتحولات التي تحصل في سوق العمل لا سيما أن التعليم يعتبر بمثابة الطاقة المحركة للتنمية البشرية.
* إدارة عملية التغيير في منظماتنا التعليمية لا تدار بكفاءة، والاتجاه إلى الكيف والجودة يسير ببطء.
* نقص مؤشر الولاء الوظيفي لبعض تلك المواهب والكفاءات في المنظمات التي يعملون بها.
* لا يوجد لدينا جمعيات مختصة لتطوير المهن، ولا يوجد مراكز تدريب ضخمة مؤهلة لصقل المواهب الجديدة، والواقع التقني والمهني في المملكة يفرض وجود عدد من الجمعيات المختصة.
ونتيجة لما سبق أرى التركيز وبصورة دقيقة على المؤسسات والمنشآت الصغيرة التي تنتشر في مدننا ودعمها دعما غير محدود وإبتعاث بعض أفرادها في الدول المتقدمة وخاصة التي لها علاقة بالتقنيات الحديثة كالبرمجيات والإلكترونيات الدقيقة وغيرها، ووضع شبكة تنسيق بين تلك المراكز لمعرفة مدى تقدمها لا سيما أن معظم الشركات العملاقة في العالم بدأت من المر آب، ولهذا فإن تلك المؤسسات الصغيرة ستكون المحرك ? في نظري ? للمدن الاقتصادية الجديدة في مملكتنا الحبيبة لاسيما أن عدداً من الأبحاث العلمية العربية والأجنبية يؤكد على أهمية تلك المؤسسات وضرورة دعمها كرافد أساسي للاقتصاد الوطني، ولكي لا نقول للمواهب والمؤسسات والمنظمات المتميزة أنهم جاءوا بالتقنية من وادي عبقر، بل جاءوا من وادي التقنية والإبتكار الوطني!.
كاتب وأكاديمي سعودي
zeidlolohotmail.com
***
لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب 7696 ثم أرسلها إلى الكود 82244