عثمان بن عبدالله بن عثمان الخويطر ابن عمي القريب، والصديق الحميم، والزميل سنين طويلة، عضّد هذا جيرة زادت الصلة قوة، وقوّت أواصر المحبة، من العوامل التي توسع أفق الحياة في هذه الدنيا أن يكون لك أخ تحبه ويحبك، أو صديق توده ويودك أو زميل تلتحم معه بوثائق تشدك إليه وتشده إليك، وقد كان عثمان كل ذلك لي.
قويت الصلة، وزاد القرب، وتباركت اللُّحمة منذ أن وطئت قدماي الرياض في عام 1380هـ عندما عدت من البعثة في إنجلترا، والتحقت بعملي في جامعة الملك سعود، وكان هو حينئذ في الديوان الملكي، وله فيه سنوات مما جعله خبيراً بالرياض وأهلها، فكان لي عوناً على تلمس طريقي في الرياض، والتعرّف على أهلها، ومن أوائل أفضاله في هذا المجال أن كان، هو وزوجته الكريمة، العامل الأول في زواجي بزوجتي ابنة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز بن عثمان، رئيس الديوان الملكي، وهذا يعني أن معروفهما ظلّ يتجدد في حياتي منذ ذلك الوقت إلى اليوم.
***
** كان أبو عبدالله قد فقد أباه صغيراً، فعاش عند عمه حمد العثمان على ضفاف فلاحة صغيرة في ضاحية خصبة من ضواحي عنيزة، وأتيح له أن يدرس القرآن عندما صار في سن الدراسة، وأن يتعلّم الخط ويحسنه، وهذا أهّله عندما نبت ريشه، واشتد ساعده، أن يسافر إلى الرياض، مسلحاً بكفاءة لم تكن متاحة إلا لقليل من الشباب حينئذ، هذه الكفاءة أهلته أن يلتحق بالإدارة المالية في الرياض، ثم انتقل إلى الديوان الملكي، حتى اختار أن يخرج منه إلى عالم التجارة، الذي كان قد بدأ من قبل يمارسه، ويحمد مجهوده فيه، ومعرفته ببعض جوانبه، وشارك صديقاً رأى أنه بما لديه هو من مال ومعرفة يتكاملان في ضمان أسباب النجاح.وقد كان ذلك، ودامت الشراكة بينهما ما يقرب من ستين عاماً، ولم تتوقف هذه الشراكة، إلا أن الموت في هذا الأسبوع اخترمهما معاً، ومن غريب الصدف أنهما قبل ما يقرب من أسبوعين دخلا المستشفى معاً، هذا في جهة منه، وهذا في جهة أخرى، وسبق الشيخ صالح بن عبدالله الحميدان شريكه عثمان بن عبدالله الخويطر، إلى الدار الآخرة بثلاثة أيام، فما انتهت مدة العزاء بصالح إلا وبدأ العزاء بعثمان. أسكنهما الله فسيح جناته، وغفر لهما، وألهم أهلهما وأبناءهما الصبر والسلوى إنه جواد كريم.
***
** كان عثمان رجلاً عاقلاً مفكراً، لا يقدم على أمر إلا بعد تدبر وتمحيص، يجيل الأمر في ذهنه، ويقلّبه على أوجهه، وإن أحوج الأمر إلى الاستشارة لم يتردد في أن يستشير، ولكنه يقدم بعزم عندما يقتنع. كان يخضع هذه الصفة لكل أمر في هذه الحياة، سواء كان في أموره الشخصية، أو في أموره التجارية، وتعامله مع الناس.
***
** كان يقدّر الوقت، فلا يجعله يمر إلا في شيء يرى أن فيه نفعاً، فِعلَ من يتقن تحرّكه في الحياة، وتصرّفه فيها، ولهذا استفاد في حياته كل الفائدة التي كان يرجوها. لقد أعطى وقت العمل حقه دون تفريط في وقت الترويح عن النفس حتى لا تكل وتسأم، وكان من الأمور التي يرى أن فيها ترويحاً يعود على الجسم والروح بما يجدد النشاط، ويقوّي الإرادة للعمل، الرحلات البرية في الأوقات التي يرى أنها مناسبة لذلك. لقد أصبح خبيراً بأماكن الخصب، ومتجمع المياه والغدران، وما تحتاجه الرحلات لتكون مؤدية للغرض، وكان يتابع ما يجدّ من معدات وأجهزة ترد حديثة لمثل هذه الأمور، وصار عنده معرفة بأحدث الآلات لمعرفة الأماكن والاتجاهات، ولعله من القلائل الذين عرفتهم يجيدون التناغم مع سياراتهم في المدن وفي الصحراء، مع مبادئ مبنية على أسس علمية جاءت بها التجارب. ولهذا كنت أجد في الرحلة معه متعة لا تعدلها متعة، لأن كل شيء يكون مخططاً له مع حسن تنفيذ.
***
** كان عثمان وحيد والديه، وقد أنزل الله في نسله البركة، فأسعده الله بالأبناء والأحفاد والأسباط، فكانوا قرة عينه وزوجته الكريمة، وكانوا كلهم حوله عند وفاته ولا أراه إلا أنه مات قرير العين بهم، أنزل الله فيهم البركة وجعلهم جميعاً صالحين، ليبقوا سيرته العطرة.
لقد كان غالياً، وفقده كبيراً علينا جميعاً، وسوف لا ننساه، سوف نذكره كلما التفتنا إلى الأماكن التي كان يألفها، ونذكره كلما مرت بنا الكلمات التي اعتاد أن يرددها، والأعمال التي كان يقدم عليها.عِظم الفقد يلجم اللسان عن التعبير، وليس لمن حَرَن القلم بيده، وأبى أن يسير على الورق إلا أن يلجأ إلى الدعاء إلى الله أن يغفر لك وأن يرحمك، وأن يسكنك جنة النعيم، وأن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وأن يوسع لك فيه، وأن يلهم أهلك وأحباءك الصبر الجميل و( إنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ)