Al Jazirah NewsPaper Wednesday  25/10/2007 G Issue 12810
منوعـات
الخميس 14 شوال 1428   العدد  12810
نوافذ
بين نيتشه وزوربا
أميمة الخميس

من الكتب الممتعة التي رافقتني في إجازة عيد الفطر الماضي وتوقفت عنده طويلاً كتاب (هكذا سكت نيتشه.. هكذا تكلم زوربا) لأنس زاهد.

والكتاب يشدُّك لأول وهلة عبر عنوانه، فأي مائدة فاخرة تجمع نيتشه وزوربا، والأول هو من أبرز فلاسفة العصر الحديث الذين كانت فلسفتهم تقوم على السعي إلى الإنسان المتفوق المتحدي لظروفه ملوحاً بتباشير فلسفة المستقبل، بينما زوربا هو الشخصية المحورية في رواية الكاتب اليوناني الشهير كازنتزاكي.

والكتاب يحاول أن يظهر المشترك الفلسفي والأرضية المشتركة التي ينطلق منها ويعبر عنها كل من نيتشه وزوربا، رجوعاً إلى كتاب نيتشه الشهير (هكذا تكلم زرادشت).

وقد أشار الأستاذ (زاهد) في بداية الكتاب إلى تأثُّر (نيكوس كازنتزاكي) الكبير بفلسفة نيتشه وتجلِّيها في الكثير من كتاباته. ويذكر في مقدمة الكتاب: (كتابات نيتشه هي التجسيد الأعظم لقدرة العقل البشري على الإبداع، العقل الخلاق الذي لا يتوقف عند حدود رغبة في الوصول إلى الكمال، بينما اندفع زوربا في حب الحياة كنوع من المصالحة التي يمكن أن تمدّ المرء بالطاقة على الاستمرار).

الكتاب يتكون من تسعة فصول حاول المؤلف من خلالها أن يبرز النسيج الفلسفي الذي ينطلق منه كل من نيتشه وزوربا في مقاربة لغز الموجودات والأسئلة الوجودية الكبرى في الكون من حولهما، وكل ما يجمع بين تمرُّد نيتشه وتمرُّد زوربا عندما كان نيتشه محارباً يتنكر في زي متمرِّد بينما الآخر كان ينظر إلى الحياة باعتبارها ميداناً للهو والمتعة، لكن تقف سوداوية نيتشه وكراهيته للمرأة أمام الروح المبتهجة الاحتفالية التي يتمتع بها زوربا، لكنهما ظلا يقارعان الحياة بسيف كتب عليه: (على مَن يطلب المعرفة ألا يتورَّط فيما يريده العقل من المعميات)، والحياة ليست فكرة بقدر ما هي واقع.

الكتاب ممتع، ويشدُّ القارئ الذي يجد نفسه يهرول بيسر ومتعة بين الصفحات وصولاً للصفحة الأخيرة، فعلى حين نجد أن الكتب الفلسفية والفكرية عادة ثقيلة وتحتاج إلى جهد ذهني وتركيز فكري بين صفحاتها فإن هذا الكتاب تنهمر صفحاته برفقة روح زوربا المتوهجة المفعمة بحب الحياة لنكتشف أننا وصلنا للصفحات الأخيرة خلال ومضات خاطفة.

وإن كنت أجد (بصورة شخصية) أن فلسفة زوربا في الحياة هي أقرب ما يكون للفلسفة (الأبقورية) الساعية إلى السعادة الحسية، بينما علاقة كازنتزاكي بنيتشه تتجلى وتظهر أبرز ما تكون من خلال كتاب كازنتزاكي (الحديقة الصخرية) الذي يسرد فيه تفاصيل رحلته البحرية السندبادية إلى الشرق؛ حيث يعكس هذا الكتاب فلسفة نيتشه بوضوح بين صفحاته، ولا سيما عبر كتابه (ما وراء الخير والشر).

الأستاذ أنس زاهد ملأ فراغاً شاسعاً تفتقده المكتبة المحلية والعربية من هذا النوع من الكتب الرائعة الأخاذة التي تفتح أبوابها للفكر والفلسفات العالمية، فلا تتوقف عندهما في موقف المتلقي السلبي، بل تسعى إلى صياغة رؤية جديدة وروابط مختلفة بينها وأفق أكثر اتساعاً.



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب6287 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد