بعد اكتشاف الشعب الأمريكي أن إدارة بوش خدعته، ليس فقط في دوافع الحرب على ما تسميه (الإرهاب)، بل أيضاً استمرارها في إخفاء حقيقة المأزق الذي ورطته فيه، أحجم أفراد الشعب عن الانضمام إلى الجيش، على الرغم من كل الإغراءات المادية، فتفتقت عقلية قادة الجيش عن أفكار جهنمية لجذب المجندين، كان من أبرزها:
1 - السماح لذوي السوابق الإجرامية الخطيرة بالانضمام إلى الجيش في العراق وأفغانستان، مع أنهم كانوا يُستبعدون سابقاً، وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة ذوي السوابق الإجرامية الذين سُمح لهم بالانخراط في الوحدات المقاتلة تجاوزت 30% من الجيش الأمريكي هناك.
2 - تكوين جيش من المرتزقة (المتعاقدين)، يفوق عدد الجيش النظامي (يقال بأنهم بلغوا 181 ألفاً)، يقومون بمهمات قتالية، ويتقاضون ستة أضعاف راتب الجندي النظامي، ويمتازون بأن عدد قتلاهم غير معلن ولا يدخلون في الإحصاءات، وهذا مهم جداً لإدارة بوش التي لا تعلن إحصاء لعدد قتلاها من الجيش النظامي، خشية ردة الفعل، وإنما تقوم الوكالات الإخبارية بتتبع عددهم.
3 - ولما لم يفلح الجيش الأمريكي في استقطاب الإنس لجأ إلى تجنيد (الجن)، لعل ذلك إدراك منهم - وإن كان متأخراً - لمعنى المثل الإنجليزي (إنك لا تستطيع الكذب على كل الناس كل الوقت)، فقالوا نجرب حظنا مع (الجن).
وكان اللجوء إلى الجندي الجني - إضافة إلى مشكلة صعوبات تجنيد الإنس المشار إليها أعلاه - ناتجاً عن أسباب جوهرية من أبرزها:
قلة تكلفته مقارنة بنظيره الإنسي، فالجني الواحد يكلف (800.000) ثمانمائة ألف دولار، ومع ضخامة هذا المبلغ إلا أنه لا يقارن بتكلفة الجندي الإنسي، التي تبلغ أضعاف ذلك، أضف إلى ذلك سهولة إخفاء (القتلى) من جنود الجن، فلا أحد يحصيهم، ومن ثم لن يشعر الشعب الأمريكي بفداحة الخسائر البشرية - أو الجنية - أو المادية.
ولعل السبب الأقوى في اللجوء إلى الجن هو ترهيب العرب والمسلمين - كما ألمح إليه اختيار الاسم العربي لهذا الجندي، فمع أن الاسم الإنجليزي للجن قريب من الكلمة العربية، إلا أنه وقع الاختيار على الصيغة العربية قصداً، وهذا اعتراف ضمني بأن الجنود الأمريكيين من الإنس انهزموا أمام جند المقاومة.
وغفل مخططو الحرب الأمريكان - كما غفلوا عن أشياء كثيرة في غزوهم لأفغانستان والعراق - بأن المقاومة التي هزمت أعتى جيش في العالم عتاداً وعدة وجنوداً نظاميين ومرتزقة، لن تخيفها شرذمة من مرتزقة الجن، فليس لدى المسلمين ما لدى الغربيين من تصورات خرافية عن قدرة خارقة للجن، فالمسلم يؤمن بأن منهم مسلمين، وأننا نستطيع أن نتعايش معهم حتى في جسد واحد.
وتأتي قضية تجنيد الجن في خلفية فشل الجيش الأمريكي في السيطرة على ميدان المعركة، فقد حصدت المتفجرات المزروعة على الطرقات أكثر القتلى من الجنود الأمريكيين نظاميين ومرتزقة، وباءت كل محاولات الحد منها بالفشل، وأعمل مهندسو الحرب ورؤساؤهم أذهانهم في اختراع سلاح يقف في وجه المقاومة، ويتخلص من تلك المتفجرات، واستعانوا بشركات تجار الحرب، ويا لدهشتهم عندما اكتشفوا الاختراع العجيب، الذي سيغير - كما قالوا - موازين الحرب، ويقضي نهائياً على أهم سلاح للمقاومة. ويتميز هذا السلاح بأنه يستطيع اكتشاف المتفجرات المدفونة في عمق الأرض، وبإمكانه تفجيرها والتخلص منها خفية عن بعد ألف متر، ثم هو لا يتأثر بالتضاريس، فلا تمنعه الجبال الشاهقة ولا الوديان السحيقة. هذا السلاح العجيب أدهش نائب وزير الدفاع الأمريكي السابق ومن أهم مخططي الحرب بول وولفتز، وطلب تزويد الجيش به حالاً، وأمر بتغيير اسمه من (المؤشر)، إلى (الجني) الاسم العربي، لإخافة المسلمين - كما يتصور - لأنه موجَّه إليهم، وهو يرى ما لا يراه الإنس، ويرى غيره، وهو لا يُرى، ويصل إلى مواقع لا يصلها الإنس.
ولكن هذا (المخلوق) السحري سرعان ما انكشف أمره في الميدان، فقبل مضي أسبوع واحد فقط على دخوله أرض المعركة أعلنت المقاومة طريقة دقيقة ومفصلة لاقتناصه وقتله، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فكان عندما يحاول هو أن يصعد مرتفعاً مهما كان قصيراً يتردى ويسقط على أم رأسه ويتهشم، وعندما يريد أن يفجر المتفجرات عن بعد ألف متر، تخور قواه فلا يستطيع أن يتجاوز الثلاثة أمتار فقط مما جعله دائماً يفجِّر نفسه، أما الحلم بأن يكتشف المتفجرات المدفونة بعمق أمتار تحت الأرض فقد تبدد برفضه تفجير أي لغم ليس واضحاً على وجه الأرض، ولعله رحم بني جنسه من تفجير ما تحت الأرض! كما أنه رفض السير إلا على الطرقات المعبدة والمستوية مثل أفضل الطرق والشوارع في المدن الأمريكية. لقد تحيَّر الجيش الأمريكي في أمر هذا الجني، فكلما كلف بمهمة قام بعملية انتحارية بالسقوط من أعلى أو تفجير نفسه وسط الجنود الأمريكيين، الذين لا يرعبهم شيء مثل العمليات الاستشهادية التي تنفذها المقاومة (والتي يسمونها انتحارية)، ف(جنيهم) أصبح انتحارياً، فانقلب السحر على الساحر، وكأني بهم يرددون معنى المثل العربي (يا من اشترى له من حلاله علة).
حينها قرر الجيش الأمريكي طرد الجن من الخدمة العسكرية.