Al Jazirah NewsPaper Sunday  28/10/2007 G Issue 12813
الثقافية
الأحد 17 شوال 1428   العدد  12813
ابن الأثير والنقد الأدبي (1163م - 1239م)

اسمه ضياء الدين من قبيلة شيبان، ولد في الموصل ودرس فيها ونبغ، ثم اتصل بصلاح الدين الأيوبي في دمشق وحظي عنده، ولما توفي صلاح الدين أصبح ابن الأثير وزيراً لابنه الملك الأفضل.

وحدث نزاع على الملك بين الملك الأفضل صاحب دمشق وأخيه العزيز صاحب مصر، وانتصر العزيز واستولى على دمشق، فأعطى أخاه حصن صلخد في جبل الدروز، والتحق ابن الأثير بالملك الأفضل في جبل الدروز بعدما خرج من دمشق مختبئاً في صندوق خوفاً من الشعب الذي أراد قتله لاستبداده وسوء سيرته.

ومات العزيز صاحب مصر، وخلفه ابنه وعمره ثماني سنوات فاستدعي الملك الأفضل ليكون وصياً عليه، فجاء إلى مصر وجاء معه ابن الأثير، ونشبت الحرب بين الملك الأفضل وعمه صاحب دمشق وانتصر العم فأخرج ابن أخيه من مصر وخرج معه ابن الأثير متخفياً لأن المصريين كانوا يريدون قتله لما أصابهم من كبريائه واستبداده. واشتهر ابن الأثير بالكبرياء والعجب إلى حد الغرور، وعُرف بالاستبداد إلى حد إرهاق الناس واحتقارهم، ولذلك لم يحكم مرة حتى تألب الناس على كرهه وأجمعوا على التخلص منه، فإذا سنحت الفرصة هموا به فينجو متخفياً.

المثل السائر

علام تقوم منزلة ابن الأثير، وماذا تعرفون عن المثل السائر؟ كتاب المثل السائر كتاب معان وبديع وبيان، وكتاب نقد أدبي، وكتب النقد في الأدب العربي قليلة - الأدب العربي القديم، وأكثر النقد عندهم مقالات متفرقة لا جامع بينها ولا أصول منظمة لها.

يتألف المثل السائر من مقدمة ومقالتين، وتبحث المقدمة في أصول علم البيان من حقيقة ومجاز، وفصاحة وبلاغة، مع بيان أركان الكتابة والسبل التي يسلكها الطلاب إلى تعلمها. وتبحث المقالة الأولى في الصناعة اللفظية وهي قسمان؛ القسم الأول في اللفظة المفردة، والقسم الثاني في الألفاظ المركبة، ومن أبحاثها السجع والتجنيس واختلاف صنيع الألفاظ وإتقانها والمنافرة بين الألفاظ في السبك. وتتناول المقالة الثانية الصناعة المعنوية ومن أبوابها الاستعارة والتشبيه والتجريد والتضمين، والاشتقاق والسرقات الشعرية.

وإذا كان المثل السائر كتاب بيان وبلاغة، فهو أيضاً كتاب أدب ونقد، لأن المؤلف يستشهد على قواعده بالآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، والشعر المنتقي، والنثر المختار، ويضع ما ينتقيه ويختاره تحت مبضع النقد، فيفضل شعراً على شعر، ويقدم نثراً على نثر، ولا يكتفي بالتفضيل والترجيح بل يضع لهما قواعد بيانية وأصولاً فنية، وكثيراً ما يوفق في قواعد نقده.

ورأي ابن الأثير في النقد من أفضل الآراء، قال (إن مدار علم البيان على حاكم الذوق السليم الذي هو أنفع من ذوق التعليم) ولكن الذوق السليم في رأي ابن الأثير لا يرقى إلا بالتمرن، ولا يسلم إلا بمطالعة الأدب ونقده، قال (فخذ من هذا الكتاب ما أعطاك، واستنبط بإدمانك ما أخطأك وما مثلي فيما مهدته لك من هذا الطريق إلا كمن طبع سيفاً ووضعه في يمينك لتقاتل به، وليس عليه أن يخلق لك قلباً، فإن حمل النصال غير مباشرة القتال).

وفي هذه القطعة رأي نقدي بليغ فالعلم غير المعرفة، والمعرفة غير الفهم، والفهم غير العمل، وفيها دليل أيضاً على أن ابن الأثير من رجال الأدب والفن معاً، والأديب يقرب بالتشبيه ما يبعد على الأذهان فهمه أو يصعب قوله: وابن الأثير معجب بنفسه في حياته، مستبد برأيه في سياسته، ولذلك نراه معجباً بعلمه في مثله ستبدأ برأيه في نقده، ولكن المستبد الفخور قد يصيب أحياناً ويوفق أحياناً حمل ابن الأثير على من سبقه من علماء الفصاحة والبلاغة وبين ما رأى من نقص في تحديداتهم، قالوا في تعريف الفصاحة (إنها الظهور والبيان) وفي تحديد البلاغة (إنها الوصول والانتهاء) أما هو فيقول: (إن الكلام الفصيح هو الظاهر البين أن تكون ألفاظه مفهومه، وهي مفهومة لأنها مألوفة في الاستعمال وإنما كانت مألوفة لأنها حسنة، والحاكم بين الحسن والقبيح السمع الحساس والذوق السليم، وقد غربلته الأسماع في القديم، ولا تزال تغربل الألفاظ فيسقط منها القبيح ويبقى الحسن الفصيح).

والفرق بين تحديد ابن الأثير وتحديد علماء اللغة انه يجعل الفصاحة أساساً والاستعمال فرعاً واللفظ المألوف عنده نتيجة لا سبب.

أما البلاغة فتتعلق بالمركب كما تتعلق الفصاحة بالمفرد، وعلم البلاغة غير علم النحو، وكل عارف بأسرار الكلام من أي لغة كانت من اللغات يعلم أن إخراج المعاني في ألفاظ رائقة حسنة، يلذها السمع ولا ينبو عنها الطبع، خير من إخراج المعاني في ألفاظ قبيحة مستكرهة. ويتناول ابن الأثير الكتَّاب والشعراء وعلماء اللغة بالنقد والتجريح، وهو على الكتاب أشد وطأة منه على الشعراء، أما علماء البلاغة فلم يعجبه أحد منهم، والساجعون لا يروق له من سجعهم غير القليل، وهو يضع للسجع قواعد وشروطاً، منها: أن تكون كل واحدة من السجعتين المزدوجتين مشتملة على معنى غير المعنى الذي اشتملت عليه أختها، فإن كان المعنى سواء فذلك هو التطويل بعينه، ومنها أن يكون اللفظ في الكلام المسجوع تابعاً للمعنى، ويحمل ابن الأثير على ابن العميد وابن عباد والمريري وغيرهم، ثم يعمد إلى بيان فضله فيورد من كلامه أمثلة يريد أن يحذى حذوها، وإذا كان قد وفق فيما وضعه للسجع من أصول وشروط، فهو لم يوفق في بلاغة الإنشاء وسلاسة الأسلوب: أما الشعر فقد وقفت منه على كل ديوان ومجموع، وأنفذت شطراً من العمر للمحفوظ منه والمسموع، فألفيته بحراً لا يوقف على ساحله، وكيف ينتهي إلى إحصاء قول لم تحصَ أسماء قائله، وإذا كان المراد من الشعر إبداع المعنى الشريف في اللفظ الجزل اللطيف، فعمدة الشعراء ثلاثة ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته. أما أبوتمام فإنه رب معان، وصقيل ألباب وأذهان، شهد له بكل معنى مبتكر لم يمشِ فيه على أثر، وأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغنى. وأما أبو الطيب فقد حظي في شعره بالحكم والأمثال، واختص بالإبداع في وصف مواقف القتال، إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها حتى تظن أن الفريقين قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا).

ويمضي ابن الأثير في استقصاء شعر حبيب وأبي الطيب وأبي عبادة، فيقابل بين قصيدة المتنبي وقصيدة البحتري في وصف الأسد مقابلة ناقد أدبي، فيرى أن معاني أبي الطيب أكثر عدداً وأسدى مقصداً، وقد قصر البحتري قصيدته على وصف شجاعة الممدوح فشبهه بالأسد مرة وفضله عليه مرة ولم يأتِ بشيء سوى ذلك، أما المتنبي فقد تفنن في ذكر الأسد، فوصف صورته وهيئته ومشيته، وإذا كان البحتري أفضل من المتنبي في صوغ الألفاظ وطلاقة السبك، فالمتنبي أفضل منه في الغوص في المعاني. وإنشاء ابن الأثير في مثله غير إنشائه في رسائله، فهو في الرسائل مهذب صانع يكثر من التنميق ويغلب عليه البديع ومحسناته وأنواع التطبيق والتجنيس، وهو يوفق حيناً فيجمل، ولا يوفق حيناً فيظهر عليه التكلف والإجهاد، أما في كتابه (المثل السائر) فإنشاؤه مرسل يقل فيه السجع والتزيين، ويظهر عليه الوضوح والسهولة، فكأنه معلم يشرح درسه، أو سياسي يوضح مبادئه، أو ناقد يتوسع في بيان ضعف من ينتقده، ذكر في المنافرة فيما يكون في اللفظة الواحدة زيادة الألف واللام في اسم الفاعل وإقامة الضمير فيه مقام المفعول كقول أبي تمام:

فلو عاينتهم والزائريهم

لما مزت البعيد من الحميم

فقوله الزائري اسم فاعل، وقوله هم الذي هو الضمير في موضع المفعول تقديره الزائري أرضهم أو دارهم، أو الزارين إياهم، واستعمال هذا مع الألف واللام قبيح جداً.

وابن الأثير من خيرة الكتاب، وهو من أشهر المؤلفين في علم البلاغة والبيان، ومن أبرز نقاد الأدب وأقواهم، غير أن القوة فيه تنقلب إعجاباً وكبرياء كقوله: (وقد هداني الله لابتداع أشياء لم تكن من قبلي مبتدعة، ومنحني درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة. وإنما متبعة، وقال: (وهذا شيء لم ينتبه له أحد غيري). وقال: (لقد مارست الكتابة ممارسة كشفت لي عن أسرارها، وأظفرتني بكنوز جواهرها، إذ لم يظفر غيري إلا بأحجارها). ولكن ربما يكون الغرور أحياناً خيراً من الجبن والتردد، والنقد الجارح أفضل من المصانعة والرياء، وناقد جريء هدام ولو كثر خطأه، وسمج غروره خير من مصانع ولو بان صوابه، وبدا تواضعه ولطفه، فقد يجيء بعد الهدام الثائر من يبني الصواب على خطئه، ويعالج بالتواضع غروره، أما الجبان فلا يكون داعية للإصلاح، ولا ينتج المصانع غير الكذب والرياء، وما يزال الأدب عندنا في حاجة إلى نقد يتحلى بالجرأة والإقدام، فيحطم الأصنام المرفوعة، ويمزق الطبول الفارغة المنفوخة.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد