Al Jazirah NewsPaper Thursday  01/11/2007 G Issue 12817
سماء النجوم
الخميس 21 شوال 1428   العدد  12817
إذا أحبك الناس مخدوعين فلا تفرح

أكرم الله أستاذنا العملاق عباس محمود العقاد وأنزله فسيح جناته، كما أكرمه في الحياة وجعل منه هذا الهرم الشامخ وهو المجاهد في سبيل الله وفي التاريخ الإسلامي بما خطّه قلمه من عبقريات وكتب أخرى يفني الزمان ويبقى بهاؤها سامقاً رفيع الذرى عميق الجذور.

وقد كانت له في الشعر والنثر أقوال مأثورة أشكر الأستاذ الكبير عبد الفتاح أبو مدين الأديب اللامع أنه ذكر لي أربع جمل وجدت نفسي أعجب بها غاية الإعجاب وحلاً لي أن أجعلها موضوع مقالي اليوم أما المأثورات فهي قوله: (إذا أحبك الناس مخدوعين فلا تفرح).

وأما الجملة الثانية وهي مكملة للجملة الأولى فقوله: (وإذا كرهك الناس مخدوعين فلا تحزن).

وأما الجملة الثالثة فهي جامعة مانعة وهي قوله (بعض الكراهات خير لك من بعض المحبات).

وأما المأثورة الرابعة فهي (قيمتك في نفسك أحرى بالعناية من غاياتك).

وجدت في هذه المأثورات نوعين من جوامع الكلم فهي قواعد إنسانية رفيعة فهو يقول إذا أحبك الناس مخدوعين فلا تفرح، وكل إنسان يسعد أن يحبه الناس ولكن ما معنى هذا الحب إذا شعرت أنت أنه نابع من مظان كاذبة في خلقك فرضاؤك أنت عن نفسك أهم ألف مرة من حب كاذب يسعى إليك فإذا علمت أن بعض الناس يحبونك واهمين أنك على خلق ليس من شيمك وأنت تدري أنهم مخدوعون فيك فحبهم لك ينافي ما تعرفه أنت عن نفسك وحينئذ لا يجوز لك أن تفرح بهذا الحب، بل أولى بك أن تحزن وتأسى أنك لست كما يظنون بك وخليق بك أن تكون أسيفاً لأنك لست أهلاً لهذا الحب يتوجه إليك ممن يجهل حقيقتك وفرحك به مزيد من خداعك لنفسك وما أصدق الشاعر الذي قال: (ولكم تخادع نفسها النفس) ولكنها مهما خادعت نفسها فهي تعلم في العمق العميق من جذورها الحقيقة من أمرها ومهما خادعت فهو خداع ساقط في بؤرة الصدق مع النفس والصدق ينفي الخداع ولا يقبله والصدق هو الغالب على الوهم وحين يغلب صدق نفسك وهو غالب على أوهامها فلا مجال أن تفرح بحب الواهمين، بل إن الحزن بك أولى.

وأما الجملة الثانية فهي كأنها شطر ثان من بيت لا يكمل المعنى إلا به حين قال وإذا كرهك الناس مخدوعين فلا تحزن وكم تحزن وكم هي صادقة تلك الجملة فأنت أعلم الناس بنفسك وأصدق الخلق معرفة بحقيقة ذاتك فإذا ما سبك السبابون وشتم الشتامون بما ليس فيك فسبابهم وشتمهم يزيدك فخراً فأنت تعلم أنهم كاذبون عداة على الحق فإذا كرهك هؤلاء فإن كرههم يزيدك ثقة بنفسك ويزيد من يعرفون حقيقتك إيماناً بك فالشاتمون أمرهم عند الناس هوان واحتقار والذين يستبدلون النقاش بالسباب هم الضائعون الذين تنأى عنهم الحجة ويبهتهم الحق فلا يجدون لأنفسهم الوضعية ملاذاً إلا الهجاء والشتم فأنت خليق أن تسعد بهجائهم وتعتز به فسباب أمثالهم شرف لمن يسبون ومدحهم هجاء لمن يمدحون.

وأذكر هنا لأحد الأمراء قصة طريفة حين هجاه أحد الشعراء فأرسل عليه قائلاً عرفتنا فهجوتنا ولا نعرفك فلا نجيبك فالشاتمون في أغلب أمرهم مجاهيل يتخذون السباب سلماً ولكنه سلم واه خليق بأن يجعلهم يغوصون إلى الهاوية بدلاً من أن يقودهم إلى حيث يأملون.

وكراهية هؤلاء شرف لك لا يماثله شرف وأذكر عن أحد هؤلاء الصحفيين قصة أراها جديرة بأن تروى فقد حبس بتهمة القذف والسب لشخصية عامة وبعد أن خرج من السجن كتب ما معناه أنه حين ذكر اسم الشخصية العامة التي سبّها لزملائه المساجين لم يعرفوا الاسم وخلطوا بين هذه الشخصية وبين أقربائه. وغفل الصحفي أن الشخصية التي تناولها بالسباب لا تعتز بشيء قدر اعتزازها بأن زملاءه من المساجين المجرمين تجهل شخصيته فجهل هؤلاء به شرف لا يقاربه شرف وفخار لا يماثله فخار فهم تماماً الذين يسعى بأعماله يجهلون وما أصدق قول الشامخ العقاد إن بعض الكراهات خير لك من بعض المحبات فكراهية المجرمين والمنافقين والمحتالين والسفلة والمنحطين والصفقاء ومعدومي الكرامة كراهية ومن هؤلاء لفهم وسار في طريقهم خير ألف مرة من محنتهم.

أما المأثورة الرابعة التي ذكرها لي الأستاذ أبي وديع عن عملاق الصدق والأمانة والأدب الرفيع عباس محمود العقاد فهي تلك التي يقول فيها (قيمتك في نفسك وبواعثك أخرى بالعناية من غاياتك). فهي مأثورة غاية في العمق وفي الخلق الرفيع.

فأنت أدرى الناس بقيمك تستمد دراياتك بها مما تقول أو تعمل ولا تستمدها من مدح المنافقين أو هجاء الضائعين.

وأولى شيء بالرعاية منك هي بواعثك لا غاياتك فقد تتغيا أن تكون ذا ثراء وتلك غاية لا يلومك أحد عليها وإنما تلام على بواعثك إلى هذا الثراء فإن كنت تريد المال لتستجيب به لشهواتك ونزواتك الحقيرة فإنك ملوم من نفسك ومن الناس، أما إذا كنت تريد الثراء لتدفع به الظلم عن المظلوم والبؤس عن المعدم فحقيق بك أن تسعد وأن ترضى نفسك عنك كما إنك حينئذ جدير بحب الناس وبمدحهم لك وهذا مثال واحد لك أن تقيس عليه جميع غاياتك وبواعثك وبهذه الحكمة العقادية ينفي العقاد صحة المثل السائر الذي أطلقه مكيافيللي في كتابه الشهير الحقير المسمى بالأمر من أن الغاية تبرر الواسطة وهو مثل يرفضه كل الشرفاء ويسير على دربه كل السفلة اللئام.

رحم الله أديبنا العربي خالد الذكر عباس محمود العقاد وأسكنه أكرم مكان جزاءً وفاقاً على مؤلفاته الإسلامية الرائعة وعلى أعماله الأدبية الشاهقة إن الله قريب سميع.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد