Al Jazirah NewsPaper Friday  02/11/2007 G Issue 12818
مقـالات
الجمعة 22 شوال 1428   العدد  12818

نوازع
السلوك الإنساني في قصيدة (الزينبية)
د. محمد بن عبدالرحمن البشر

في حديث مع بعض الزملاء عن بلاغة الخليفة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، تم التطرق إلى كتاب (نهج البلاغة)، وتذكرت أنني أوردت مقالاً حول إحدى قصائده يقال لها القصيدة الزينبية، فآثرت إيراده لما يحويه من حكم تتصل بالسلوك الإنساني لعل من فاته قراءته يجد فيه ما يستهويه:

تنسب القصيدة الزينبية للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد حوت الكثير من المواعظ والنصائح التي جسدت السلوك الإنساني السائد عبر الأزمنة والدهور، وسأقطف من زهورها في هذه العجالة ما راق وطاب، وسأنتقل من غصن إلى آخر دون ترتيب، فها هو في بعض الأبيات يقول:

إن الغني من الرجال مكرم

وتراه يرجى ما لديه ويرهب

ويبش بالترحيب عند قدومه

ويقام عند سلامه ويقرب

البشاشة والترحاب، سلوك إنساني قد يكون محمودا إذا لم يتجاوز الحد ولم تطله المبالغة، ولكن واقع الحال لدى البعض مبالغة في الترحاب، وتجاوز في القريض، حتى لكأن التملق قد بات ديدن الناس في التهلل والترحيب، بل أضحى مظنة وسوء خلق، فلزم البعض وألزموا غيرهم بسلوك قد يكون من المحمود تلافيه، والنفاق إن أصبح مبالغة في المجاملة فذاك شأن قد يمكن قبوله، غير أنه إن تعداه إلى الخداع والمراوغة فذلك ما عناه الإمام علي بن أبي طالب في قوله:

لا خير في ود امرئ متملق

حلو اللسان وقلبه يتلهب

يلقاك يحلف إنه بك واثق

وإذا توارى منك فهو العقرب

يعطيك من طرف اللسان حلاوة

ويروغ منك كما يروغ الثعلب

وفي الخداع نيل مرام، وبلوغ هوى، ولذة انتصار، غير أنه مرام ناقم وهوى جائر وانتصار حاقد، ونحسبها صفات تهوي بصاحبها إلى سوء الحال في الدنيا والآخرة، والكذب صنو الحسد، والخداع أداة الحسود لذا فمفارقة الكذوب التماسا للعافية ونجاة من المظنة فها هو الشاعر يقول:

ودع الكذوب فلا يكن لك صاحبا

إن الكذوب لبئس خلا يصحب

وذر الحسود ولو صفا لك مرة

أبعده عن رؤياك لا يستجلب

لكنه عاد فاختار لك الجليس الجدير بالمعاشرة، الذي يكون لبيباً عاقلا متأدبا فها هو يقول:

كن ما استطعت عن الأنام بمعزل

إن الكثير من الورى لا يصحب

واجعل جليسك سيداً تحظى به

حبر لبيب عاقل متأدب

فاللبيب يهديه عقله إلى مسالك الخير، ونبل المعشر، ناهيك عن كون اللبيب حبراً، لديه من العلم ما يؤنس به المجالس، ويغذى به الفؤاد، ويهذب به السلوك، ولذا لزم الود له، وحسن معاشرته حتى لا تتنافر القلوب، ويقل الود، وتزيد الجفوة، وهذا ما عناه الشاعر بقوله:

واحرص على حفظ القلوب من الأذى

فرجوعها بعد التنافر يصعب

إن القلوب إذا تنافر ودها

شبه الزجاجة كسرها لا يشعب

وفي القصيدة نفسها تحدث علي -رضي الله عنه- عن القناعة، في كونها راحة البال وتجارة دائمة وغنى أبديا ومن أدواتها اليأس مما فات لأنه يريح البال ويمحو الشأو بعيد المنال فيزول الشنآن والتملل والقلق ولكون القناعة كنزاً أبدياً، فلا أخال صاحبها إلا وقد استمتع بما لديه من كنز واصفا وده لمن حوله من أقارب وأصدقاء ومعارف لتركه ما يجلب البغض والتنافر، أما الطامع فقلق البال بائر التجارة دائم الفقر وهو بطمعه قد اكتسى ثوب المذلة والهوان تراه يلهث في جمعه للمال دون مراعاة لقيم أو مبادئ يبدو في ثياب الفقر في غناه، وفي مقام المذلة مع استغنائه عنها، لكنه أراد لنفسه أن يكون هكذا فكانت، ولا يكاد أن ينال فضل المعسر أو الموسر إلا ويبحث عن نوال جديد، يده ممدودة إلى الكريم واللئيم، فإن أعطاه الكريم شكر وطلب المزيد، وإن رده اللئيم وأذله عاود الكرة دون خجل، لا يمنعه حياء، ولا يشبعه إلا التراب.

لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب6227 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد