Al Jazirah NewsPaper Tuesday  06/11/2007 G Issue 12822
مقـالات
الثلاثاء 26 شوال 1428   العدد  12822
السياحة الدينية
د. عبدالوهاب بن منصور الشقحاء

السياحة في اللغة هي: مطلق الذهاب في الأرض، والسين والياء والحاء أصل يدل على استمرار شيء يقال: ساح في الأرض، ومنه قوله تعالى: {فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}(2)سورة التوبة، وفي لسان العرب السياحة: الذهاب في الأرض للعبادة والترهب، وفي المعجم الوسيط السائح:

المتنقل في البلاد للتنزه، أو للاستطلاع والبحث والكشف، وجمعه سُيَّاح، والسياحة: التنقل من بلد إلى بلد طلباً للتنزه أو الاستطلاع والكشف، وفي العصر الحاضر تعددت تعاريف السياحة حسب الهدف منها فعرفها (شراتنهوفن) بأنها: (التفاعلات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن وصول زوار إلى إقليم أو دولة بعيداً عن مواطنهم الأصلية والتي توفر الخدمات التي يحتاجونها، وتشبع حاجياتهم المختلفة طوال فترة إقامتهم) كما حدد مؤتمر السفر والسياحة الدولية الذي نظمته الأمم المتحدة في روما عام 1963م السائح بأنه: (الشخص الذي يزور دولة غير دولته التي يقيم فيها إقامة دائمة لأي سبب غير العمل والكسب) والرومان أول من عرف السياحة والسفر والترحال لشغل أوقات الفراغ للاستمتاع، والنزهة. وارتبطت السياحة بالدين ارتباطاً وثيقاً منذ زمن قديم فالنصارى يسافرون إلى فلسطين، والمسلمون يشدون الرحال إلى المساجد الثلاثة المذكورة في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى) رواه مسلم، وظهر ما يطلق عليه اصطلاحاً بالسياحة الدينية واشتهر في المسلمين رجال فرغوا أعمارهم للسياحة والسفر في طلب العلم، والدعوة إلى الله، والبحث، ونشر الدين الصحيح أمثال ابن بطوطة، و ابن جبير، ومن المعاصرين الشيخ العبودي، وللسياحة في الشريعة الإسلامية معانٍ مختلفة، منها الجهاد بدليل ما ورد أن رجلاً جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستأذنه في السياحة فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تعالى) رواه أبو داود وصححه الحاكم، كما وردت السياحة بمعنى الصيام بقوله تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ...}(112)سورة التوبة، وفسر جمهور المفسرين قوله تعالى: {السَّائِحُونَ} أي الصائمون، ويقول الشيخ ابن سعدي رحمه الله: (والصحيح أن المراد بالسياحة السفر بالقربات كالحج والعمرة، والجهاد وطلب العلم، وصلة الأقارب، ونحو ذلك) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (2-290)، كما قيل إن السياحة بمعنى السير في الأرض للاعتبار، والوقوف على الآثار للاتعاظ بها، والاعتبار، وتتشرف المملكة العربية السعودية بأنها تحتضن الحرمين الشريفين، وأن الله سبحانه وتعالى فرض على الناس الحج إلى بيته العتيق، فقال سبحانه في محكم كتابه: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَج* عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ..}(27-28) سورة الحج، ودعوة إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ...} (37) سورة إبراهيم. واستجابة لهذه الدعوة المباركة يفد إلى المملكة سنوياً ما يزيد على مليوني حاج من خارج المملكة، وضعفهم من المعتمرين أي ما يقارب ستة ملايين سائح سنوياً هؤلاء عدا حجاج ومعتمري الداخل والذي تقدر أعدادهم بأكثر من حجاج ومعتمري الخارج، وبحساب مبسط فإن عدد السياح إلى المشاعر المقدسة فقط يقارب العشرة ملايين نسمة سنويا، كما أن أشهر الحج المعتبرة شرعا والواردة بقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ...} (197)سورة البقرة هي شهر شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، وكذا فإن بدء موسم العمرة كما هو معمول به الآن يبدأ من شهر صفر ويستمر حتى نهاية شهر رمضان، مما يعني أن موسم السياحة الدينية لدينا هي جميع أشهر السنة عدا شهر محرم، ويعلم الجميع أن في حكومة المملكة وزارة مخصصة للحج هي وزارة الحج وأن هناك جهود جبارة في توسعة الحرمين الشريفين وتحسين المشاعر المقدسة منى ومزدلفة وعرفات، وإنشاء الجسور والأنفاق وتهيئة المناخ المناسب لهؤلاء الزوار والحجاج حتى بلغت المبالغ المنفقة على تطوير وتوسيع الحرمين الشريفين والمشاعر في منى ومزدلفة وعرفات مليارات الريالات، دون النظر إلى المردود المادي من حجاج بيت الله الحرام أو زوار مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإزاء ما تقدم تبرز الحاجة إلى النظر إلى هؤلاء الحجاج والزوار والمعتمرين على أنهم سياح يجب أن تقدم لهم الخدمات الضرورية التي تلبي احتياجاتهم ولا يتحقق ذلك إلا بالنظر على أن ما يتم تقديمه له من خدمات هي صناعة سياحية يجب أن تتضافر فيها جهود الدولة والقطاع الخاص، ولا يقتصر على ما تقدمه الدولة فقط، ويقوم القطاع الخاص بالاستفادة من المردود المادي لهؤلاء السياح من إسكان بأسعار عالية، وإعاشة ونقل ونحوها وتبقى الدولة هي الملامة في الأخطاء والأحداث التي تحصل أثناء موسم الحج والعمرة نتيجة لأخطاء بعض الحجاج وبعض شركات الحج والعمرة، ثم إن تبعثر الجهود، وتنوع المسؤوليات عن أعمال الحج والعمرة بين عدة جهات حكومية كوزارة الحج، والرئاسة العامة لشؤون الحرمين، ووزارة النقل، ووزارة الصحة، ووزارة الإسكان وغيرها من الوزارات يجعل من الحج مهرجاناً سنوياً تختلف فيه الاجتهادات، وقد تتعارض مما قد يسبب ما نراه في بعض السنين من إخفاقات في تنظيم أعمال الحج أو العمرة يكون الملام فيها الدولة وهي منها براء، وما أسبابها إلا أخطاء مشتركة من عدة قطاعات بما فيها القطاع الخاص، مما يبرز الحاجة إلى تطوير الهيئة العليا للسياحة بقيادها أميرها الشاب (سلطان بن سلمان) لتصبح وزارة للسياحة وليناط بها كل أعمال الحج والعمرة من تنظيم لأفواج الحجاج والزوار والمعتمرين، وإشراف على مشاريع تطوير خدمات الحج والعمرة بما فيهما الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة منى ومزدلفة وعرفات، وتأمين وسائل النقل الحديدية والبرية والجوية وتأمين الإسكان وإشراك القطاع الخاص في إنشاء هذه المشاريع، كما ينطوي تحت لوائها مركز أبحاث الحج الذي أنشئ منذ سنين ولم نجد له أثراً يذكر في تطوير الحج، وقد سنحت لي الفرصة في حج العام الماضي بزيارة هذا المركز أو المعهد بمقره بمنى وطلبت من أحد مسؤوليه بصفتي باحثاً علمياً كتاباً يضم إنجازات هذا المعهد وحلوله لمشاكل الحج فبادرني بحفاوة الاستقبال، ولم يستطع تقديم أي معلومة، ووعدني بأن يرسل لي على صندوق بريدي ذلك وحتى الآن لم يصلني شيء. ولو تحقق إنشاء وزارة للسياحة لأصبحت المملكة في مصاف الدول المتقدمة في مجال السياحة، والتي تعتبر لكثير من الدول هي مصدر اقتصادها ونمائها، على أنه يجب أن لا يغيب عن البال أنه تجري الآن مداولات في هيئة الأمم المتحدة لإعداد مدونة دولية للسياحة يتم إعداد بنودها لتصبح اتفاقية دولية للسياحة؛ مما يستدعي حضوراً لمسؤولي الهيئة العليا للسياحة بالمملكة لمحاولة إضفاء الطابع الديني على بعض بنودها وذلك بمراعاة خصوصيات بعض الدول كالمملكة، وقد كانت هذه المدونة تناقش بعض بندها في عام 2003م، واستمعت إلى مناقشة بعض أعضاء دول الأمم المتحدة في محاولة للاتفاق على بعض الشروط وذلك عندما كنت عضواً في وفد المملكة العربية السعودية لاجتماعات المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة في جنيف الذي انعقد لمدة شهر، وقد توجهت إلى المركز الإعلامي بمقر المنظمة الدولية بجنيف لمحاولة الحصول على مسودة الاتفاقية المذكورة ولم يتوفر لي ذلك، مما استدعى أحد موظفي المركز بإرسال تلكس للمقر الرئيس لهيئة الأمم المتحدة بنيويورك لتزويدهم بهذه المسودة وكان الجواب أن هذه المدونة لم يتم الانتهاء منها وأنها لا تزال في طور الإعداد لدى بعض أعضاء دول الأمم المتحدة، وكنت قد استمعت لمداخلة وفد جمهورية مصر العربية في الموضوع نفسه وثناء أحد الأعضاء الأوروبيين على جهوده في إعداد هذه المدونة بصفة مصر إحدى أهم الدول السياحية في مجال الآثار.



dr-a-shagha@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد