رحم الله أبا الطيب المتنبي، لقد قتله لسانه، وجنى عليه تألُّقه الذي أحرق من حَوْله من الشعراء في بلاط (سيف الدولة)، وكانت عاطفته الجارفة وجنون العظمة عاملي تحطيم لكبريائه التي لم تُحْتمل مِن قبل ممدوحيه......
|
.....وبصرف النظر عن أخلاقياته فلقد خلد شعره وشاع؛ لأنَّه يُجمْجِم عما في نفوس الملتاعين والمتأوهين، ويُسْعِفُ ذوي المواقف الحرجة، ولأنه شعرٌ صارخُ الواقعية يحكي حيواتٍ لا تختلف عن حَيواتٍ تَتَوارث الوجود.
|
وكم لقي هذا التفوق وذلك التألُّق من الحساد، ولم ينفعه قوله:
|
(أنا صخرة الوادي إذا ما زُوحمت |
وإذا نطقت فإنني الجوزاء) |
والذين درسوا شعره بمنهج النقد النفسي كشفوا عن خبيئات لو استثمرها علماء الاجتماع لكان خيراً لهم؛ فهو أنموذج الفعل وردّ الفعل الصارخين.
|
وما دُبِّر له من مكائد حَرَمَتْه بلاط مثله الأعلى (سيف الدولة)، وبترحُّله فقد البلاطُ أندى الشعراء صوتاً وأغْنَاهُم شِعراً.
|
وبين الوشاية والحسد والحقد والضغائن من جهة، وجنون العظمة والحساسية المفرطة من جهة أخرى، ضاع أبو الطيب وضاعت معه ثروةٌ شعرية لا تُقدَّر بثمن، وجَلَدُ الحسَّاد حَمَله على الرحيل وهو يردِّد:
|
(إذا ترحَّلْت عن قومٍ وقد قدروا |
ألا تفارقهم فالراحلون هُمُ) |
ولن نمضي معه في مفارقته المشؤومة وانكساراته المتلاحقة وانتصار الخصوم الذين لم يسدّوا المكان الذي سدَّه، وإن كان في ذلك عِبرٌ وفوائد؛ إذ لم نكن أكثر من مُسْتَشْهدين بمصائر الشاعر ومضامين شعره.
|
لقد خرج وفي أمله أن يحقِّق في ظل (كافور) ما يغيظ به أعداءه وحسَّاده في بلاط (سيف الدولة)، ولكنه أصيب بخيبة أمل حطَّمت كبرياءه، وقضت على آماله العريضة، وزادت من تمرُّده. ومثلما خرج من بلاط سيف الدولة ب(وآحَرَّ قلباه ...) خرج من بلاط كافور ب(عِيدٌ بأية حال عُدْتَ ...). ورحلاته الفاشلة تمخضت عن قصائد عصماء سهر الخلق جرَّاها واختصموا، وليس هناك شاعر يُسْعف المتحدثين بالأمثال والحكم والشواهد كالمتنبي، كما أنه ليس هناك شاعر تهافت على شعره وعلى حياته الحافلة بالمغامرات العلماء والمؤرخون والحكواتيون مثلما فعلوا مع أبي الطيب، وسيظلّ شعره وستظل حياته الغرائبية نصاً مفتوحاً قابلاً لكل التأويلات.
|
والمتعقب للواقع المعاش يجد أن ظاهرة الحسد والحقد بادية للعيان على كل المستويات، ولقد قيل - وأظنه ل(ابن تيمية): (لا يخلو جَسَدٌ من حَسَد). والعقلاء والمجرِّبون لا يستنكرون ولا يستغربون ما يُلاقون من أذيّة تحاول المساس بسمعتهم، ولو أن المتميزين بأخلاقهم وحسن معشرهم أو البارزين بكرمهم ونبل شمائلهم أو المقيدين أنفسهم بالصدق والعدل، أو الحاملين لها على أقوم الطرق؛ لو أن هؤلاء وجدوا مناصرة جماعية وتأييداً مطلقاً وإشادة عامة لما كان لنجاحاتهم لذة، ولما كانت له مثوبة مضاعفة: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}. إن لذة الانتصار في المغالبة وفي إحباط القاعدين للعاملين كل مرصد.
|
والحسد والتصدي للعاملين ليس دولةً بين الأفراد، وإنما يمسّ كل عمل على كل المستويات وفي كل المجالات؛ على مستوى الدول والمذاهب والعقائد، وكل ذي نعمة محسود، وليس من المثير أن يقوم الصدام بين الملل والنحل والأعراق والدول؛ فتلك مواجهات قد يكون لها ما يبرِّرها، ولكن المثير ألا يكون المحسود مظنَّة الحسد لاعتزاله القوم وما يعلمون. والتصدي لذوي الفضل لم يكن وليد عصر من العصور، وليس وقفاً على فئة من الناس؛ إذ في كل عصر ينجم المُوهِنُون والمثبِّطون والحساد، وما أحد من المجربين شغل نفسه بالتماس الأسباب لعلمهم أن الكثير من التصدي والتحدي قد تحرِّكه الأضغان.
|
ولمَّا سُئِلَتْ (عائشة) رضي الله عنها عن قوم يسبُّون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أي سبب مقنع، قالت: لعل الله أعدَّ لهم نُزُلاً في الجنة لم يبلغوه بأعمالهم، فسلَّط الله عليهم مَن يسبُّهم ليأخذ من حسناتهم لهم فيصلوا إلى ما أعدَّ الله لهم. ولو أن إنساناً في الوجود سلم من الإيذاء والإشاعات المُغرضة لسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته وكبار الصحابة الذين أبلوا بلاءً حسناً في نصرة الدين. لقد أُوذي الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، وأُشيعت قالة السوء عن أحب نسائه إليه، وأُوذي الصحابة، وقُتل من الخلفاء الراشدين ثلاثة، ومن أثارته المعارضة أو ثبَّطته قالة السوء فهو الخاسر، ومن زادته إيماناً وإصراراً حقَّق هدفه ودمَّر مناوئيه. وفي أساطير بني إسرائيل (أن موسى عليه السلام قال لربه: يا رب، كفَّ ألسنة الناس عني. قال: ما كففْتُها عنِّي، فكيف أكفُّها عنك؟!). ولقد بلغ الحقد والضغينة والسَّفه باليهود أن قالوا: { يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ}.
|
وحتى الذين أشاعوا الإفك عرفهم الرسول ونزل فيهم قرآن يُتلى إلى يوم القيامة، ومع ذلك وكل أمرهم إلى الله، وتقبَّل الافتراء المؤلم بقلب المؤمن الصابر المحتسب، وما أقام حد القذف إلا على ثلاثة من الصحابة تطهيراً لهم. وكذلك كان موقفه من المتخلفين عن غزوة تبوك. ولقد تضمنت تلك الأحداث دروساً وعبراً. وما جاء قصص القرآن إلا تثبيتاً لفؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم.
|
والله سبحانه قسَّم الأرزاق والأخلاق والوجاهات، فمن الناس مَن لا يعمل ويسوؤه أن يعمل الآخرون، ومن ثم تراه يترصَّد لهم ويضع العراقيل في طريقهم، ولا يألو جهداً في سبيل النيل من ذواتهم واتّهامهم في نواياهم التي لا يعلمها إلا الله؛ إذ هو وحده المحصِّل لما في الصدور. وقراءة سير أعلام النبلاء وكتب الطبقات والمناقب تنبئ عن تعدّيات وتصدّيات أضاعت الوقت والجهد واحتشام العلماء. ذلك أن المجارات في الأخلاق الدنيئة تفقد الوقار، وتساوي بين الأطراف، وشدة الصرعة ليست في قوة الأبدان، ولكنها في كبح جماح الغضب. وعلى العقلاء العاملين أن يأخذوا ما يُقال على سبيل الجدّ، وأن يحاسبوا أنفسهم أمام كل اتهام، فإن كان فيهم ما قيل أو بعضه فليقبلوه بقبول حسن، وليكافئوا من أهدى لهم نواقصهم ولو بالدعاء لهم بظهر الغيب، وإن لم يكن فيهم ما قيل فليتواصوا بالحق وليتواصوا بالصبر، وليستعينوا بالصبر والصلاة، وليعرفوا أن لله لن يَتِرَهم عملهم، ثم لينظروا في شأن ما قيل، فإن كان له تأثير في سمعتهم أو عملهم فعليهم التصدي؛ لأن ذلك داخل في باب الظلم والضيم:
|
(ولا يقيم على ضيم يُراد به |
إلا الأذلاَّن: عيْرُ الحيِّ والوتد) |
والله لا يحبّ الجهر بالسوء إلا من ظلم، مع أن العفو أقرب للتقوى. ولكن أين المحتسبون الصابرون كما صبر أولوا العزم من الرسل؟! وإذا شهد الناس بالخير وتقبلوا الفعل والقول بالقبول الحسن فإن هذا الصنف لا يضرُّهم اعتراض معترض، ولا شنآن شانئ، وقد يكون ذلك من صالحهم:
|
(لولا اشتعال النار فيما جاورت |
ما كان يُعرف طِيبُ عَرْف العود) |
وعلى المُبتلَى بهذا الصنف من الناس المغرمين بالسباب أن يتذكر قول الشاعر:
|
(وكم على الأرض من خضراءَ مورقةٍ |
وليس يُرْجَم إلا مُثْمر الشَّجر) |
لقد تمخضت مثل هذه الممارسات عن فوائد لا يقدِّرها قدرها إلا المنتفعون، و(ربّ ضارة نافعة)، وقد تكون صحة الأبدان بالعلل، وكم شكا إليَّ البعض من ذوي قرابة يؤذونه وأشقياء يشاغبونه وما بدر منه ما يؤذيهم ولا ما يسيء إليهم، ولقد ذكَّرْتُ هؤلاء بقول الرسول صلى الله عليه وسلم للذي جاء يشتكي أقاربه الذين يحسن إليهم ويسيؤون إليه: (فَإِنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ). ولكن أين الصابرون المحتسبون الذين يَعْفون عن المسيء، بل يحسنون إليه عسى أن يؤنِّبه ضميره ويجعل ممَّن يكيد لهم قدوة حسنة؟!
|
ولكيلا نقع في الإطلاقات المعمّمة نقول: إنه ليس كل تصدٍّ واعتراض محسوباً على الحسد والحقد، كما أن أي تواصل مع الغرب لا يكون مبعثه المولاة المنهي عنها، ولا تواصلهم معنا محسوباً على الغزو والتآمر، فلا يجوز الإطلاق، ولا يحسن التعميم، ومن كان فعله يتعدى إلى الناس ويؤثر في أشيائهم وأفكارهم فإن عليه أن يتوقع الحساب العسير، وبخاصة أن الأمة تتعرض لاضطرابات فكرية واجتماعية وسياسية مبعثها بعض التصرفات غير السديدة. ولقد قال أحد العلماء الأفذاذ، وأظنّه الإمام (مالك) رحمه الله: (ما من أحد إلا رادّ ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر)، وأشار إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم.
|
وإذا كان الصراع إكسير الحياة فإنه سيظلّ قائماً، والعبرة ليست في الظاهرة، ولكنها في الدوافع والمثيرات والأسباب المحرضة، وكم هو الفرق بين جدل الأقران وتلاسن السفهاء، ومتى وجد العاقل نفسه مضطراً إلى التدخل فإن عليه أن يأطر نفسه في متن القضايا، وأن يعزِّز رأيه بالحجة البالغة والدليل البرهاني والقول الراجح، وألا يباهي بنفسه ولا بمبلغه من العلم، وأن يعرف أنه مظنَّة الخطأ كما كان غيره كذلك، ورحم الله مَن شغلته عيوبه عن عيوب الناس.
|
والأخسرون أعمالاً هم أولئك الذين لا يجدون لذَّتهم إلا حيث يكون النهش في أعراض الآخرين، ومَن دخل على المواقع أصيب بالذهول؛ فالنَّيْل من الأعيان دون أي مبرِّر مؤشر فساد أخلاقي لا يليق بأمة يجب أن تكون قدوة في ممارساتها؛ إذ ما حقَّق الإسلام انتشاره بالقوة، ولكنه حقَّقه بالقدوة الحسنة والقول السديد، ومهما طاشت السهام في تصوُّر الظواهر فإن لكل نبأ مُسْتَقرّ يحسم الخلاف، ولكن بعد فوات الأوان.
|
|