حوار: محمد بن عبد العزيز الفيصل
سعد البواردي شاعر مجدد ثار على القصيدة العمودية.. فخرج عن النمط التقليدي الذي سار عليه أغلب أبناء جيله فما السبب؟
- الشعر مضمون وليس فكراً فقط، فهناك الأصالة والمعاصرة والأصالة هي مقدرتك على أن تطرح أفكارك ومشاعرك من خلال قصيدة مقفاة وموزونة، وهذا هو أصعب مراحل الشعر، فتستطيع أن تتحكم في إيقاع القصيدة من خلال قافية واحدة ووزن موحد وأن تشبعها بما يرضى عنه المتلقي، وهناك النظم وهو موجود في الشعر العربي وهو ميت وجامد لأنه يوحي بفكرة وهناك الشعر الأصيل الذي درج عليه الشعراء القدامى وبعض المحدثين أيضاً وهو أصعب مراحل الشعر ولكنه أحيانا يضطر الشاعر أن يفتعل القفلة للبيت مثل: مزمار وإطار، وأحيانا يضيف لها حمار! ثم بعد ذلك يستخدمها لتكون قافية القصائد، ولهذا أنا أؤمن بشعر الأصالة فهو أرقى مراحل الشعر ولكن الشعر مضمون حي، فما يطلق عليه الشعر المنثور أو الشعر الفني؛ غزانا من القرن السابع عشر نتيجة ترجمتنا لشعر الغربيين، ووجد فيه الكثير من الشعراء أنه أسهل مطية بأن يعبروا بأفكارهم فيه، وهي فكرة قد نختلف معها وقد نتفق، ولكنني أؤمن بأن هناك شيئاً اسمه المعاصرة وهي أن تطرح فكرتك من خلال كلمات مموسقة ذات إيقاع متناغم شريطة ألا ترتبط بقيد واحد وإنما تنتظم من خلال حلقات تربط الفكرة وتعبر عنها وتطرحها ثم توحي للمتلقي بأنك استطعت أن تجسد صورة ما من خلال هذه الأبيات التي قد لا تتفق في طولها وعرضها وقصرها ولكنها تتماسك وتتكامل من حيث مضمونها، وهذا ما أردت أن أعبر عنه، فمعظم دواويني القديمة التي نشرت قبل 50 سنة كثير منها جاءت على شكل منثور، انتظمت على هيئة الشعر الحديث، وأنا مقتنع بها، فالأصالة قبل أن تكون شكلاً هي مضمون، والشعر أداة الطرح فيه هي التي يجب أن تتمشى وتخدم الغرض للشاعر في إيصال فكرته بسلامة ودون تعقيد ودون افتعال قد يترتب عليه الإخلال ببنية القصيدة أو بمموسقتها وإبداعاتها.
اختلاف
* هناك من الأدباء الكبار مثل الأديب الدكتور محمد بن سعد بن حسين من لا يسمي هذا النوع شعراً، فما تعليقكم على ذلك؟
- هناك شريط رفيع بين الشعر والنثر، والبعض يطلق عليه الشعر الفني أو النثر الفني ليكن ما يكون، هناك كثيرون لا يتفقون معي في الرأي وهناك أيضاً كثيرون نقف معهم وإياهم في صف واحد بأن الشعر هو قبل كل شيء مشاعر وأن أداة الطرح فيه يجب أن تكون ملتزمة بتوظيف الكلمة التي تخدم الفكرة، وهناك المعاصرة، فمن الصعب جداً أن نتقوقع حول أنفسنا ونتمسك بهذا النمط الكلاسيكي من الشعر على أساس أنه قاعدة لا يمكن المساس بها، نعم نتمسك بها ما دام أن لدينا القدرة في أن نعطي من خلالها أجمل ما يمكن أن نعطي ولكن يجب ألا نفتعل!، وهو غير الانفعال، الذي يأتيك بأسهل الطرق وأيسرها وهو الذي يخدم الشاعر في أن يوظف مفرداته وكلماته من خلال كلمات مترابطة في قيمتها متماسكة في مضمونها وهذا هو الذي يهم؛ وهو أن نخدم الفكرة بأي أسلوب دون أن نخل بالقاعدة التي توحي للقارئ بأنك تخاطبه من خلال مفردات مثخنة بالجمل وبالمعاني وهذا هو المهم.
تقييم
* من خلال اطلاعكم على ما يطرح في الصحف وفي وسائل الإعلام بشكل عام.. ما هو تقييمكم لما تنتجه العقول العربية على الصعيد الثقافي؟
- لا أستطيع أن أحكم، ولكن التجربة وحدسي بأننا كممتهنين لمهنة الحرف شعراء أو قاصين أو حتى كتاب مقالة، تراجعنا كثيرا أو بمعنى أصح تقوقعنا!، وأصبح ما نطرحه ليس ما نقدر على طرحه ففي الستينيات والسبعينيات كان لدينا هامش الحرية أكثر وكانت لدينا القدرة على أن نطرح أفكارنا دون أن نصطدم بالواقع ويصطدم الواقع بها فيحدث الشق، الآن يبدو لي أننا نتراجع فليست لدينا القدرة في أن نقول ما نريد.. ليس خوفا مما نريد، فما نريده هو بناء المجتمع وبناء الإنسان وبناء العقل ولكن هناك معوقات قد تحدث لك شرخا أو تعطيك شيئا من الرهبة فتتقوقع حول نفسك وحول ذاتك فتقول وأنا مالي..؟!، فمجموعات كبيرة من المثقفين هم للأسف متقوقعون حول أنفسهم لا يشاركون مع أن لديهم القدرة وعندما تسألهم يقولون: ماذا نقول؟ وحتى إذا قلنا ماذا يفهم؟ وإذا فهم ماذا يطبق، فالسلبية هي التي تحكم جانباً كبيراً من مثقفينا، وهناك أيضا عوامل أخرى تصطدم بهذا الوعي الذي كنا نريده، فلدينا القنوات الإعلامية وما تطرحه من غث وقليلٌ سمين من مواد شعرية تبحر في الشعر الشعبي إلى درجة القتل وتبحر أيضا بالنمط الشعري إلى درجة القتل أيضاً فتجد أن الذوق الحسي والنفسي والأخلاقي مهزوز ويطعن في صميم كيان اللغة العربية أو الأخلاقيات العربية التي يقوم عليها أساس الشعر، فينطبق عليه قول الشاعر: فيا له من عمل صالح يرفعه الله إلى أسفل.
أفضل بكثير
* كيف تنظرون إلى الصالونات الأدبية الخاصة.. وما موقعها من الخارطة الثقافية.. في حين يرى البعض أنها مجرد وجاهات اجتماعية ويرى البعض الآخر أنها سحبت البساط من تحت الأندية الأدبية؟
- النوادي الأدبية الخاصة هي أفضل بكثير من النوادي الأدبية لسبب بسيط؛ فالقائمون عليها هم أفراد ولديهم روح المنافسة والطموح والعطاء والقدرة على المتابعة، وبالإضافة إلى صلتهم الخاصة بالطبقة المثقفة والمتعلمة كل هذه الأمور تساعد في نجاح هذه النوادي.
لم يؤهل
* ما هو تقييمكم لمستوى التعليم العام عندنا في المملكة وهل المعلم مؤهل للتعاطي مع العملية التعليمية؟
- المدرس لدينا لم يؤهل التأهيل التربوي والعلمي اللازم.. يقولون في المثل (العصا على أول ركزة) والبذرة لدينا هي هذه البراعم الصغيرة الأطفال، والطفل في أي مكان في العالم يولد بموهبة وبقدرات وبكفاءات واستعدادات، ولكن المجتمع هو الذي يشكله كما تشكل العجينة وأن يعطيه الدفعة والاندفاعة وأن يرعاه ويسقيه ويغذيه وبالتالي ينبت ويقوى عوده ويعطي ثماره، أو تغرقه بالماء فتقتله، للأسف نحن هنا حسب المناهج التي لازالت متبعة نقتل لدى الطفل مواهبه عن طريق التلقين والحفظ، فتجد طالبا في السابعة من عمره يحمل فوق ظهره شنطة تحتوي على سبعة أو ثمانية كيلوات، فهذا الطفل غير قادر على أن يستوعب.. فالمنطق أن تعطى له جرعات بسيطة تتفق مع قدرة هضمه الفكرية وهضمه الاستعدادي، وهذه الجرعات تتمشى رويدا رويدا حتى يصل إلى مرحلة معينة، وحينما يتشبع منها تنتهي هذه المرحلة. وننظر إلى موهبة هذا الطفل واستعداداته، ونوجهه بعد ذلك إلى الكلية التي يجد نفسه فيها.
العصا
مع الأسف مازال لدينا مدرسون يستخدمون العصا لمن عصا أو التأنيب القاسي الذي يجرح كبرياء الطالب وهذا خطأ فأعظم وأفضل المدرسين والمربين هو ذلك الذي يتقبل من الطالب أن يناقشه في موضوع ما، وحتى أن يعارضه في شيء ما، لأنه يعطيه الحرية والقدرة على المناقشة، حينما يقف الطالب ويقول: لا يا أستاذ أنا أرى كذا وكذا، فيسأله المعلم لماذا، فيقول له الطالب: إني أرى أن الطريقة للوصول إلى هذه الفكرة يأتي عن طريق الخطوات التالية، فيوجهه أستاذه حتى لو كان مخطئاً، لأنه وجد لدى الطالب القدرة في أن يحكم عقله وفي أن يتكلم بجرأة دون خوف وبثقة دون إدانة وهذا ما نحتاج إليه، ويجب أيضا أن نحترم عقلية الطالب وأن نعطيه القدرة أن يناقش وأن يعترض وأن يطرح ولكن بأسلوب مؤدب حينها نعطي الثقة والقيمة التي على أساسها يمكن أن يكون هذا الطالب شيئاً ما.
تأهيل
* هل المعلم يحتاج إلى إعادة تأهيل؟
- الأستاذ قبل كل شيء فهو قبل المدرسة، فالمدرسة بناء لا يوحي بشيء، مع أن لدينا قصوراً في المدارس، ومن الغريب أن نجد نسبة كبيرة من المدارس لدينا مستأجرة لا يوجد فيها ساحات ولا نشاطات وهذا عامل من عوامل الضغط النفسي لدى الطالب وأعتقد أن الدولة وفقها الله يجب أن تتخلى في غضون سنوات قليلة عن جميع هذه المدارس وأن تقيم مدارس جديدة، فنحن بخير والحمد لله ومن المنطقي أن يكون في كل حي مدرسة تمتلكها الدولة وأن يكون معها مساحة من الأراضي تكون للنشاطات الثقافية والأدبية والرياضية وما إلى ذلك.
الأمر الآخر الأستاذ يجب أن يعطى جرعات من علم النفس ومن أخلاقيات التدريس وأن يقال له إنك أمام طلبة صغار يحتاجون إلى رحمة وتودد وترغيب أكثر من الترهيب لأن الإنسان عندما يكون في موقف الرهبة تموت لديه حتى الأفكار التي في رأسه.
الأمر الثالث: المناهج فهي يجب أن تطهر وتعقم وأن تخرج لدينا بروح صحية تتماشى مع عقلية الطالب الذي نريد أن يساهم في بناء هذا الوطن.
كتاب
* ما هو أبرز كتاب قرأتموه وأعجبتم به؟
- قراءتي قليلة وأستطيع أن أقول أنني أفتقر إلى القراءة ومع هذا إذا سمحت الظروف أقرأ بعض الكتب وأهتم بالدراسات الفكرية والتاريخية وهذه تقريبا أكثر ما يشغلني ولا أستطيع أن أحدد كتاباً معيناً وليس أعظم ولا أجل ولا أروع من القرآن الكريم فالقرآن الكريم لو وعيناه واستوعبناه لاستطعنا أن نكون أعظم أمة أخرجت للناس، لأنه مليء بالقيم والمثاليات وبالأخلاق والدروس والعظات ونحن نحتاج فقط إلى أن نستوعبه فكرا ومضمونا.
***
وردتنا من الأستاذ سعد البواردي التصويبات التالية على حديثه في الحلقة السابقة:
- ورد خطأ مطبعي وهو في اسم الكتاب الذي ألفته (رسائل إلى ناسك) والصحيح (رسائل إلى نازك).
- ورد أني قابلت الأمير سلمان والأمير أحمد وكان لهما موقف مشرف معي عندما تعرضت لمشكلة في مصر، وأُضيف أيضاً أن الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية كان له أيضاً موقف مشرف معي.