ورد في لسان العرب لابن منظور: الشعر: منظوم القول، غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية.. وقال الأزهري: الشعر القريض المحدد بعلامات لا يجاوزها، والجمع أشعار، وقائله شاعر، لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره.. والمتشاعر: الذي يتعاطى قول الشعر.. وفي الحديث: قال رسول الله - صلى الله عليم وسلم-: إن من الشعر لحكمة، فإذا ألبس عليكم شيء من القرآن فالتمسوه في الشعر فإنه عربي.
|
ويقول الحسن بن رشيق القيرواني (390هـ - 456هـ) في كتابه (العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده): وكلام العرب نوعان: منظوم، ومنثور، ولكل منهما ثلاث طبقات: جيدة، ومتوسطة، ورديئة، فإذا اتفقت الطبقتان، وتساوتا في القيمة، ولم يكن لإحداهما فضل على الأخرى، كان الحكم للشعر ظاهراً في التسمية، لأن كل منظوم أحسن من كل منثور من جنسه في معترف العادة.. وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: مُرْ من قبلك بتعلم الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق، وصواب الرأي، ومعرفة الأنساب.. وقال معاوية رحمه الله: يجب على الرجل تأديب ولده، والشعر أعلى مراتب الأدب.. وقيل لسعيد بن المسيب: إن قوماً بالعراق يكرهون الشعر، فقال: نسكوا نسكاً أعجمياً.. وكان ابن عباس يقول: إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب، فإن الشعر ديوان العرب، وكان إذا سئل عن شيء من القرآن أنشد فيه شعراً، ويقول ابن رشيق أيضاً: طبقات الشعراء أربع: جاهلي قديم، ومَخضْرَم، وهو الذي أدرك الجاهلية والإسلام، وإسلامي ومحدث. ثم صار المحدثون طبقات: أولى، وثانية على التدرج، وهكذا في الهبوط إلى وقتنا هذا.
|
وقالوا: الشعراء أربعة: شاعر خِنْذيذ، وهو الذي يجمع إلى جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره، وشاعر مُفْلِق، وهو الذي لا رواية له إلا أنه مجوِّد كالخنذيذ في شعره، وشاعر فقط، وهو فوق الرديء بدرجة، وشعرور، وهو لا شيء.. وقيل: بل هو شاعر مغلق، وشاعر مطلق، وشويعر، وشعرور.. وإنما سمي الشاعر شاعراً لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره، فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أواستظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني، أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ، أو صَرْف معنى إلى وجه عن وجه آخر، كان اسم الشاعر عليه مجازاً لا حقيقة له، ولم يكن له إلا فضل الوزن، وليس بفضل عندي مع التقصير.. وقال بعضهم: الشعر شعران: جيد محكك، ورديء مضحك، ولا شيء أثقل من الشعر الوسط والغناء الوسط.
|
ويقول عز الدين إسماعيل في كتابه التفسير النفسي للأدب (1988م): كثير من الغموض يكتنف شخصية الفنان، هذا شيء أدركه الناس في كل الأزمنة، منذ أن وقف الشاعر يغني لهم أهازيجه فيهز مشاعرهم، وأمام هذا الغموض راحوا يفسرون هذه الشخصية بما هو أغمض عندما فرضوا وجود قوى روحية غريبة (سموها حينذاك شياطين) تتصل بهذه الشخصية وتساندها، وذاعت لدى العرب منذ وقت مبكر فكرة أن لكل شاعر شيطاناً يوحي إليه الشعر، وقال الشاعر لنفسه:
|
إني وكل شاعر من البشر |
شيطانه أنثى وشيطاني ذكر |
.. وليس بعيداً أن يكون وصف الشاعر بأنه (مجنون) قد اشتق من علاقته المزعومة بالجن، ووصف الشاعر بالجنون لم يكن حينذاك يعني بطبيعة الحال أن الشاعر يعاني مرضاً عقلياً بمقدار ما هو محاولة لتفسير قدرته الفذة التي خيل إليهم أنها لا يمكن أن تكون لبشر.. ويقول عز الدين إسماعيل أيضا: إن الشعور يظل مبهماً في نفس الشاعر فلا يتضح له إلا بعد أن يتشكل في صورة. ولابد أن يكون للشعراء قدرة فائقة على التصور تجعلهم قادرين على استكناه مشاعرهم واستجلائها.. إن الشاعر يساعدنا على تنسيق مشاعرنا من خلال الإثارات المتنوعة التي تثيرها فينا صوره.
|
ويقول الدكتور عبدالعزيز الدسوقي في كتابه (أبو الطيب المتنبي، شاعر العروبة وحكيم الدهر) (2006م) الفرق بين الشاعر العبقري، وبين الشاعر النظام أو الشاعر المتوسط الموهبة أن الأول يبدع تجربته الشعرية دون أن يعي أنه يرسم لوحة أو يشكل صورة، أو يعقد تشبيهاً، أو ينشئ استعارة أو كناية، والأخيرين يحاولان ترصيع تجاربهما بهذه الأشياء، ومن ثم تجيء تجارب الشاعر العبقري - رغم عفويتها وتلقائيتها - ناضجة - من الناحية الجمالية زاخرة بالصورة الفنية، والتشكيل اللغوي الموحي، حافلة بالاستعارات والكنايات وبقية المحسنات اللفظية، ولكن كل ذلك يختفي داخل التجربة الفنية فلا يراها المتلقي، وإن أحسن آثارها ووهجها الفني، وقدرتها على الإيحاء، أما الشاعر النظام ومتوسط الموهبة فتجيء تجاربها باهتة فاترة لا تلهم ولا تثير.
|
نقول على ضوء ما سبق: لقد كثر في وقتنا الحاضر من يدعي بأنه شاعر، واختلط علينا الحابل بالنابل، وصار أمرنا في حيص بيص فلم نعد نفرق بين الشاعر والشويعر والشعرور، ولم نقدر أيضاً أن نعرف ما هي ماهية ما نسمعه من قول في قناة فضائية أو نقرؤه في جريدة أو كتب على أنه شعر، فاختلط الحابل بالنابل، فلم نعد نميز بين ما هو شعر مقفى فصيح أو شعر نبطي شعبي، أو أن القضية مجرد قول؟ وهل ما يقال عنه إنه شعر شعر عربي، كما قال رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم-: الشعر عربي، وهل نتعلم ونعلم أولادنا على ما يقال عنه بأنه شعر في وقتنا الحاضر، كما أوصى بذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بتعلم الشعر، وهل شعر أيامنا هذه يعد من ديوان العرب؟ أسئلة كثيرة تدور حول ما يقال عنه إنه شعر في أيامنا هذه.. أو أن القضية ما هي إلا تفتيت للغة الضاد؟!
|
الرياض : 11642- ص.ب: 87416 |
|