Al Jazirah NewsPaper Thursday  08/11/2007 G Issue 12824
الرأي
الخميس 28 شوال 1428   العدد  12824
العلاقات السعودية الإيطالية.. أكثر من نصف قرن من التعاون والتفاهم
د. أحمد العثيم - كاتب اقتصادي

تمتد العلاقات السعودية الإيطالية منذ عام 1932، فهي عميقة عمق الزمن والى الوقت الحالي، وهي في تنامٍ وازدهار مستمر سواء على الساحة السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية وفي شتى مجالات الحياة، فمنذ قيام المملكة العربية السعودية بادرت إيطاليا لتكون من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع المملكة، ومنذ ذلك العهد والعلاقات المشتركة بين البلدين في تنامٍ مستمر.

ويمكننا أن نرى مدى عمق العلاقات بين البلدين إذا ما استعرضنا تلك العلاقات في أشكالها ومجالاتها المختلفة، وانطلاقاً من أن الاقتصاد هو المحرك الأساسي للدول والعلاقات، فإنه من المفيد البدء باستعراض العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث إن التعاون الاقتصادي يشكل نواة جيدة جداً للتعاون المثمر في المجالات الأخرى بين البلدان المختلفة.

وفي هذا الإطار فإن إيطاليا تعتبر الشريك التجاري السادس للمملكة على مستوى العالم حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بينهما 8.9 مليار دولار أمريكي منها 5.6 مليار دولار أمريكي واردات إيطالية من المملكة، و3.2 مليار دولار أمريكي صادرات إيطالية للمملكة، أضف إلى ذلك أن النمو التجاري بين البلدين شهد زيادة 25% سنوياً في السنوات الماضية، كما بلغ عدد الاستثمارات السعودية الإيطالية المشتركة 33 مشروعاً برؤوس أموال قيمتها 186 مليون دولار مثلت حصة الشريك الإيطالي منها 50.3%، كما يعمل في المملكة 80 شركة إيطالية في كافة المجالات فلا يتوقف التعاون على مجال النفط والطاقة فقط بل يمتد ليشمل مواد البناء والمواد الغذائية والتكنولوجيا والاتصالات. ومن المعروف أن النهضة الاقتصادية التي تشهدها المملكة في الوقت الراهن ترجع بنسبة كبيرة إلى النفط. وفي هذا المجال نذكر أن العمال الإيطاليين كانوا هم أول من وصلوا إلى حقول رأس تنورة في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، وانطلاقاً من هذه العلاقات الاقتصادية القوية والضاربة بجذورها عبر الزمن تسعى البلدان إلى المحافظة على هذه العلاقات وتدعيمها من خلال الأطر السياسية والأمنية والثقافية.

وباستعراض الجانب الأمني نجد أن هناك مشروعاً لصياغة اتفاقية أمنية بين البلدين تتضمن مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات، بالإضافة إلى وجود مجموعات من أفراد وزارة الداخلية السعودية يتلقون تدريباً في إيطاليا بهدف تطوير مهاراتهم، كما توجد اتفاقية دفاعية بين البلدين.

وعن العلاقات الثقافية بين البلدين فهي لا تقل شأنناً عن العلاقات الاقتصادية والأمنية، فنجد أن علاقات التبادل العلمي والثقافي بين المملكة وإيطاليا تشهد حالة تقدم وازدهار كما تشهدها العلاقات التجارية الاقتصادية بين البلدين حيث شهد الماضي القريب التحاق العديد من الطلاب السعوديين بالدراسة في الجامعات الإيطالية، وهناك الآن المئات من الطلبة السعوديين المبعثين يواصلون دراستهم في إيطاليا، بالإضافة إلى عدد كبير من الأساتذة والباحثين السعوديين الذين يحضرون المؤتمرات والندوات في إيطاليا ومشاركة أعداد من السعوديين في الدورات التدريبية التي تعقد في مالطا، بل يوجد عدد من الأساتذة الإيطاليين يعملون في الجامعات السعودية.

وتلعب مدرسة الملك عبد العزيز السعودية في روما دوراً ريادياً في مجال العلاقات الثقافية، حيث تمثل فرصة هامة للمواطنين السعوديين المقيمين في إيطاليا لتعليم أبنائهم وبناتهم وفق المناهج السعودية وباللغة العربية - إلى جانب اللغتين الإنجليزية والإيطالية - ومن دون رسوم، كما يستفيد منها أبناء الجاليات العربية والإسلامية برسوم رمزية.

وأيضاً فإن المركز الإسلامي بروما له دور هام في نشر الثقافة العربية والإسلامية ومد جسور التعاون في المجال الثقافي بين الشعب الإيطالي والجاليات العربية والإسلامية.

ويتوقع خلال الزيارة الحالية للملك عبدالله التوقيع على مذكرات تفاهم تتعلق بالتعاون في مجالات التعليم العالي بين الجامعات السعودية والإيطالية، ومراكز الأبحاث، كما سيقوم وفد سعودي بزيارة إيطاليا للبحث عن أفضل الجامعات الإيطالية لإرسال عدد 300 طالب سعودي للدراسة هناك العام المقبل، وكل ذلك يفتح أبواب إضافية للتعاون بين البلدين نحو مزيد من التكامل الثقافي بينهما.

ويجب علينا أن نتذكر أن تلك العلاقات لم تكن لتزدهر لولا وجود إرادة سياسية تدفعها إلى الأمام، وكما قلنا سابقاً فالعلاقات السياسية بين البلدين تعود لعام 1932 حين افتتحت القنصلية الإيطالية في جدة. وفي عام 1933م تم توقيع اتفاقية للتعاون بين البلدين مدتها عشر سنوات وزار صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبد العزيز إيطاليا في نفس العام وقابل الملك فيتوريو إيمانويللي الثالث ملك إيطاليا الذي منح الأمير الزائر وساماً بدرجة ضابط عظيم.

ومنذ ذلك الحين والعلاقات الإيطالية السعودية متميزة وهناك تبادل للزيارات الرسمية بين المسئولين السعوديين والإيطاليين، والأهم من ذلك هو وجود تطابق في وجهات النظر بين المملكة وإيطاليا تجاه القضايا العالمية وقضايا المنطقة، وخاصة القضية الفلسطينية ودعم الجهود المبذولة لتخفيف التوتر وتحقيق التقدم والسلام في منطقة الشرق الأوسط.

وإذا نظرنا إلى العلاقات بين الشعبين يكفينا النظر إلى العدد الهائل من التأشيرات التي تمنحها إيطاليا للسعوديين سنوياً والمقدر بنحو 25 ألف تأشيرة، وفي المقابل يتوافد أعداد كبيرة من الإيطاليين إلى المملكة ليس لمجرد الزيارة ولكن للبحث عن شراكات مع السعوديين مما يضيف المزيد والمزيد من أوجه التعاون المثمر والجاد بين البلدين.

وفي النهاية يجب علينا أن نبذل أقصى جهودنا للاستفادة من هذه العلاقات المتعددة والمتشابكة في الاستثمار والمشاركة مع الجانب الإيطالي مما يصب في مصلحة المملكة ويساعدها لكي تحتل المكانة التي تليق بها على الساحتين الاقتصادية والسياسية العالمية كما تحتل مكانة بارزة على الساحة العربية والإسلامية.



E-mail:asa5533@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد