|
جميل أن يكون هناك نقاد يستهويهم الوقوف عند قصائد تعتبر من القصائد التي تحتوي على عبارات ذات قيمة أدبية وفنية بالإضافة إلى المفردة التي تزيد القصيدة رونقا وجمالا.
|
وهذا ما جعل الدكتور غسان الحسن عضو لجنة شاعر المليون أن يقف عند قصيدة (يكتبني التاريخ) للشاعر فهد القثامي حيث قال: عندما تطالع قصيدة (يكتبني التاريخ) تجد نفسك أمام حشدٍ من العبارات المفعمة بالمعاني العميقة والمفردات المحملة بالدلالات البعيدة.
|
وأضاف: قد يسهل على القارئ فهم الطبقة الخارجية للمعاني المناسبة مع الكلمات بمعانيها القريبة غير أن هذه الكلمات لا تلبث أن توحي لك بأن تحت سطحها تيارا زاخرا بالمعاني قد يكون الأقرب إلى مقاصد القصيدة ومحتواها الجوهري. ذلك أن الكلمات المتجاورة إنما تجاورت على غير عادتها،ولا بناء على روابطها المعروفة في مألوف الكلام....ومثل ذلك قول الشاعر في هذه الكلمات التي تضافرت لتكون البيت الثاني الذي يقول :
|
لو ما حسبت ليلة العرم بحساب |
أمداه هد السور واغرق مدينه |
|
ضربت في منبت رياحينه أطناب |
وقطفت من يشمومه ويا سمينه |
|
يعطر انفاس المسامع بالاطياب |
حق على البستان لمشاهدينه |
وقال: هنا ما علاقة سيل العرم وهدم سور السد بمنبت الرياحين. وما علاقة منبت الرياحين بالأطناب..وكيف يعطر الشاعر أنفاس المسامع وهل للمسامع أنفاس؟
|
وقال أيضا: هكذا تتوالى الأبيات وتتوالى العبارات وتتوالى العلاقات المستحدثة بين الكلمات، ونجد أنفسنا أمام ألوان وصور ومعانٍ وسباقات، هي أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، بل إن الخيال الموجود فيها ليس هو الخيال القريب البسيط المستند إلى ربط الأشياء بعضها ببعض بوشائج مدركة بالعقل ومحكومة بقوانين المنطق الواعي، وإنما هو الخيال الأبعد والأشمل الذي يتخذ من الكلمات والعبارات وسيلة وأدوارا لرسم وتكوين عالم آخر موازٍ لعالمها الأساسي،ويجاريه في تفاعلاته ومساراته ويؤدي مؤداه دون أن يكون بين العالمين علاقات التشابه الجزئية وتماثل الأطراف، وإنما تربط بين الاثنين علاقة التعادل التي يراها الشاعر أكثر من سواه، ويجد في العالم الثاني الذي يستحدثه الشاعر معادلا للعالم الذي يريد الحديث عنه.فيصبح هذا العالم المشكل رمزاً للعالم الواقعي، أو معادلا وفنيا له. وهو ما يتيح للشاعر التحدث فيه وتداوله بحرية أكبر بعيدا عن حساسيات الموضوع الواقعي المباشر والخوض فيه بشكل مكشوف فج.
|
وقال: الشاعر الذي يفعل ذلك يملك بلا شك مقدرة عالية في التصوير والنخيل والبناء الفني الموضوعي،كما يملك شاعرية راقية يتحكم من خلالها باللغة والعبارة، وكذلك بالمعنى وتصرفاته،وبالتالي هو أقدر على بناء عالم من الجمال المفعم بالمضامين، يجعل من الشعر إمتاعا وموضوعا.ويجعل لقصيدته أكثر من مستوى وطبقة، ويجعل نصه الشعري يعطي للسامعين أو القراء كل وفق فهمه، فمنهم من يقف عند السطح، ومنهم من ينفذ إلى الجوهر.
|
أما الشاعر فمن واجبه في هذه الحالة أن يحرص على أمور تبقي صلته بالملتلقي سليمة، ومنها أن يبقى في نصه الرمزي نوافذ شفافة تتراءى بين الفينة والفينة تتيح للمتلقي أن يرى ملامح المرموز له، وأن يظل على صلة به دون انقطاع أو توهان ويرى الدكتور غسان الحسن أن الشاعر لا يذهب في استعماله اللغة الرمزية الى تحويلها إلى رموز صماء لا صلة لها بجذورها وأصولها.فكلمات اللغة ليست كالألوان والخطوط المبهمة التي لا تعطي للمتلقي سوى الانطباعات الشخصية الفردية وإنما هي تكوينات ذوات معانٍ متفق عليها لدى الجماعة، وهي محكومة بهذه المعاني، مع ما يمكن أن يضيفه إليها الشاعر من الظلال والمتعلقات والإيحاءات الشخصية، وما يمكن أن يدخلها فيه من تفاعلات لغوية وتصويرية تلون معانيها بطبقات من المعاني والجمال ذوات الطابع الشخصي الفردي، بما يصل بهذه الكلمات ذوات المعاني إلى أن تصبح رموزاً غامضة أو علامات لا مرجعية لها أو إشارات إلى كوامن لا يعرفها إلا هو فتصبح جامدة باهتة لا يشعر المتلقي بأن له صلة بها أو بقائلها الذي يلعب لوحده. وأضاف في هذا السياق أن الشاعر فهد القثامي قد سلك مسلك الرمز الكلي الذي تحدثنا عنه أولا، واستطاع أن يبني لموضوعه معادلا رمزيا ناجحا وأن يترك للمتلقي النوافذ اللازمة ليتمكن من خلالها الاطلال على الموضوع الأساسي، وأن يحافظ على كلماته في مستوى التخيل والتصوير الكلي حافظا لغة دورها وطبيعتها ذات الدلالة التوافقية ولم يدخلها في الغموض والعتمة والانغلاق.
|
وبين أن الشاعر القثامي تحدث عن التاريخ والتاريخ الماضي والتاريخ الحاضر أي أنه قارن بين الطرفين ليطرح قضيته الوطنية وما يخترقها من طعونات في وقتنا الحاضر وما عصف بوشائج القرابة التاريخية والقومية بل والدينية القائمة منذ سيل العرم وتفرق الجماعة إلى جماعات ثم وقوع هذه الجماعات تحت سيطرة الأجانب الذين أقصوا أبناء العمومة وحرموهم من التواصل والتحاب ليحصلوا على المنافع هم ومن يوافقهم على هذا المنهج من أبنا الأمة، وأكد في قراءته للقصيدة أن لألم يعصف بالشاعر القثامي لما يجري، ومن هنا نجد أن القصيدة مشربة بالحزن والأسى فيتراءى له الزمن الماضي زمن التوحد هو زمن الخير والحب الذي مضى.
|
وقال : إن من نوافذ هذه القصيدة الجميلة التي تطل على جوهرها عبارات مثل سيل العرم حق على البستان لمشاهدينه
|
وأكد في قراءته أن فهد القثامي أتقن هذا الأسلوب ورأيناه يبني عليه قصائد له غير هذه بعضها جاء الرمز فيها في فقرة من القصيدة وليس فيها كلها كقصيدة (فلسفة المتنبي)التي كان رمزه فيها مكشوفا إلى حد كبير على الرغم من اصطناعه له معادلا موضوعيا كالعادة ونقول هذا في حديثنا عن الشعر كفن لغوي له أساليبه مختلفة ضمنه الشاعر تحت هذه الرموز والمعادلات فهو أمر يعود إلى رؤية الشاعر الشخصية وتصوراته التي أملتها عليه ظروفه النفسية حين قال القصيدة هذه مطالعة الدكتور غسان الحسن عضو لجنة التحكيم في مسابقة شاعر المليون لقصيدة (يكتبني التاريخ) للشاعر فهد القثامي وهذه المطالعة والوقفة ليست غريبة على ناقد بحجم الدكتور غسان الذي يمتلك من مقومات النقد ما يجعله ناقدا حقيقيا لبناء القصيدة وتراكيبها اللغوية ورموزها، ولوعدنا إلى مسابقة شاعر المليون التي شارك فيها الشاعر فهد القثامي لوجدنا أنه قدم نصوصا جديرة بالمطالعة والوقوف عند هذه النصوص التي تحمل الكثير من المعاني والتراكيب اللغوية الجميلة الرائعة التي جعلت الدكتور غسان الحسن يقف ويطالع إحدى قصائده .
|
|