Al Jazirah NewsPaper Saturday  10/11/2007 G Issue 12826
الرأي
السبت 30 شوال 1428   العدد  12826
ما أصعب الفراق.. يا أمي..!
اللواء د. فهد أحمد الشعلان

عندما فقدت أبي قبل عقد من الزمان تألمت كثيراً.. وبكيت عليه بحرقة وحرارة.. ورثيته من قلبي.. وما كان ليخفف عليَّ ألم الفراق سوى وجود والدتي التي أصبحت للعائلة سنداً وذخراً واستطاعت لم شمل الأسرة وإغداقهم بحنانها وحميميتها وتعويضهم عن فقد الأب.. أما وقد لحقت أمي بأبي إلى جنات الخلد بإذن الله.. فإن الفراغ قد اتسع.

- كنت استند إلى عمودين.. سقط الأول.. فارتكزت على الثاني.. ليسقط أخيراً وأصبح في مهب الريح.

- وجود أمي.. سند عاطفي جياش.. ألجأ إليه في الملمات وضوائق الدروب والحاجات.. فمهما كبرت فإنني أحس بمشاعر حميمية فياضة عندما أقول: إني ذاهب إلى الوالدة أو (أتقهوى مع أمي).

- من ذاق طعم الأم والأب.. فإن أي طعم بعدهما.. لا طعم ولا مذاق مستساغ.

- عندما أقول (أمي) أحس بالأمان والاطمئنان، وعندما أسمع من يقول لي (كيف حال الوالدة) أحس بكياني المتصل وأشم رائحة تواصل الأجيال.

- رحمك الله يا أمي (هيا الصالح).

- فقد عشت حياة كلها صلاح وحب وصفاء ووئام.

- أخلصتِ لزوجك.. وقدمت له الدعم المعنوي في عافيته.. والعناية والرعاية في مرضه.. والوفاء والدعاء له بعد وفاته.. فجزاكِ الله الثواب من عنده.

- ربيتِ أبنائك وبناتك على طاعة الله والمروءة والشهامة والطهارة.

- تحملت اغتراب أبنائك للدراسة سنوات.. وكنت الصابرة من أجل مستقبلهم الذي كان يهمك.

- تعاملت مع زوجات أولادك.. وأزواج بناتك بحنان لا مثيل له واعتبرتهم كأبنائك وبناتك.. فبادلوك بالمثل.. فيا ليتك رأيت كيف صُدِمُوا بوفاتك وتيتموا بفراقك.

- كنت (يا أم فهد) واحة العائلة التي نتفيأ ظلها بنين وبنات صغاراً وكباراً.

- حتى الأقارب وإن بعدوا.. فهم الأقرب إلى قلبك الحنون.. تحثيننا دوماً على التواصل معهم والالتقاء بهم ومد يد العون لهم.

- أما المعارف والجيران.. فقد كان لوفاتك وقع الصدمة عليهم جميعاً فانكبوا على بيتك العامر معزين أفواجاً وأفواجاً.

- رحمك الله يا والدتي وغفر لك وعوضك بدار خير من هذه الدار.

- كنت يا أمي عفيفة اللسان نقية السريرة.. لا تضمرين حسداً أو حقداً لأحد.. ولا تتدخلين فيما لا يعنيك.

- منذ أن عرفناك أطفالاً وحتى أصبحنا كباراً.. ونحن نلحظ أن همك الأول هو الصلاة.. وسؤالك الدائم متى يرفع الأذان.. وهل دخل الوقت..؟

- السفر يعني لكِ (مكة المكرمة).. أما غيرها فلم تعرفي سفراً.. قصيراً أو طويلاً قريباً أو بعيداً.

- أحببتِ في الله وأبغضتِ في الله فكانت علاقاتك صافية طاهرة نقية.

- تذوقت ألم فراق الوالدين والأهل والأحباب وأنت صغيرة عندما تزوجك والدي واستلكِ من أحضان والديِك وسافر بك بعيداً عن (بريدة).

- لم يكن هناك من وسائل اتصال سوى رسائل بريدية قد لا تصل.. حتى وإن وصلت فهي متأخرة لأشهر.. فعانيتِ من ألم الغربة وقسوة الابتعاد.

- وقفت مع والدي صامدة لظروف الحياة المتأرجحة.. فحملتِ وأنجبتِ وربيتِ وزوجتِ.. وكونتما معاً أسرة كبيرة وسعيدة.

هل صحيح أنني أودعك يا أمي؟

- لا أدري كيف سأعيش بدونك؟.

- لا أدري كيف سأسافر دون توديعك.. وأعود دون تقبيل جبينك.. فتعلمين أنك أول من أقابل عند عودتي من سفر.. أنطلق من المطار إلى حيث تتواجدين.. وهذا أقل القليل.

- نجتمع حولك بعد كل صلاة جمعة نحن الأبناء والأحفاد.. فكيف سيصبح اجتماعنا في قادم الجمع؟

- أين الشاي (ذو السكر الزائد) الذي هو من فيض حلاوتك؟ وأين هو (الزنجبيل الحار) الذي هو انعكاس لحرارة مشاعرك؟.

- ثم لا أدري كيف سنحضر المناسبات العائلية دون أن نسير خلفك لنرى من يتسابق لتقبيل رأسك الغالية.. نحس معه بالتقدير لك.. فنشعر بالحياة تدب في عروقنا.

- أعرف أن الموت حق {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} وهذه سنة الله في خلقه.. ولكني حزين مصدوم بوفاتك.

- أمي العزيزة.. لقد عانيت من المرض العضال في السنتين الأخيرتين.. فندعو الله أن يجعل ذلك طهوراً لك وتكفيراً.

- حتى في أيامك الأخيرة.. وعندما بدأت رحلة النوم العميق.. كان يكفينا النظر إليك والإحساس بأنفاسك.

- كنا نلتف حول سريرك الأبيض أبناء مع زوجاتهم وبنات مع أزواجهن أحفاداً وحفيداتٍ وأصهاراً.. ندعو الله لشفائك.. ونقرأ عليك القرآن.

- لم نفقد الأمل لحظة واحدة.. وبأنك ستعودين من المستشفى إلى بيتك العامر لنقفز جميعاً إلى حضنك الدافئ.. لكن إرادة الله كانت هي الحاضرة.. فاختاركِ اللهُ إلى جواره.. في عليين إن شاء الله مع الشهداء والصالحين.

- لتسعدي يا أمي الصالحة الوفية.. فأنت ترقدين إلى جوار من أحببته العمر كله.. (أبو فهد).

- جمعنا الله بكما في فسيح جناته.. و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد