قبل حوالي ستة أشهر، وعلى وجه التحديد في الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر من هذا العام كتبت مقالاً مطولاً في هذه الجريدة الغراء، على أثر رحيل الشيخ (إبراهيم بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ) عليه رحمة الله من هذه الدار الفانية، وتوجهه إلى لقاء ربه الرحيم الرحمن جلّ جلاله، تحت عنوان: (إبراهيم بن محمد بن إبراهيم.. وبرنامج مجالس الإيمان) قلت فيه:
إن برنامج (مجالس الإيمان) انطلق من التلفزيون السعودي بمبادرة من وزير الإعلام العبقري الفذ الشيخ (جميل الحجيلان) - أسعد الله أوقاته -، ودعم وتشجيع ومساندة ومتابعة، من الشيخ (إبراهيم بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ) - طيب الله ثراه -..
لقد كان فقيدنا الراحل العظيم الشيخ (عبد العزيز المسند) عليه رحمة الله، واحداً من بين الفرسان التسعة الذين رشحهم الشيخ (إبراهيم) عليه رحمة الله بتزكية من والده العلاّمة الكبير الشيخ (محمد بن إبراهيم آل الشيخ) عليه رحمة الله - مفتي عام المملكة في ذلك الوقت - ليكونوا أوائل المتحدثين وروّاد المتكلمين في برنامجي برنامج (مجالس الإيمان) الذي ظهرت حلقاته الأولى بعد حوالي شهرين من بداية البث التلفزيوني من كل من (الرياض) و(جدة) عام ألف وثلاثمائة وخمسة وثمانين، أي قبل ثلاثة وأربعين عاماً..
وعلى سبيل التذكير، فقد كان أولئك التسعة هم، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد الله بن منيع، والشيخ عبد الله بن خميس، والشيخ محمد بن جبير، والشيخ عبد العزيز الهويش، والشيخ مناع القطان، والشيخ محمد الهويش، والشيخ راشد بن خنين، وفقيدنا الغالي الشيخ عبد العزيز المسند عليه رحمة الله، وكان في حينها مديراً عاماً للكليات والمعاهد العلمية، هذه الكليات التي انطلقت منها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية زادها الله نماء وعطاء.
وقد ذكرت في مقالي السابق الأسباب التي دعت الشيخ (العفيفي) عليه رحمة الله، والشيخ (ابن خنين) حفظه الله للاعتذار.. أما السبعة الباقون فقد كان لهم قصب السبق في خوض غمار الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في ميدان تلفزيوننا العزيز.
* * *
التقيت بالشيخ عبد العزيز المسند عليه رحمة الله عدة لقاءات عابرة بعد افتتاح (إذاعة الرياض) في الأول من شهر رمضان عام ألف وثلاثمائة وأربعة وثمانين وبدايات العام التالي، حينما كان يأتي إلى (إذاعة الرياض) وكان مقرها في ذلك الحين مبنيين في شارع (الفرزدق) لتسجيل بعض أحاديثه، وكنت وقتها مذيعاً قادماً من (جدة) أنا ومجموعة أخرى نُقلت من هناك لبدء العمل في إذاعة (الرياض).. وكان من بيننا الزميل الشاعر منير الأحمد عليه رحمة الله ابن شاعر العربية الكبير (بدوي الجبل) عليه رحمة الله والزميل الأستاذ سامي جانو والزميل الأستاذ محمد عبد الرحمن الشعلان - رحمه الله - الذي كان مساعداً للمراقب العام للبرامج، والزميل الدكتور محمد كامل خطاب عليه رحمة الله، والزميل الأستاذ سعيد الهندي عليه رحمة الله وكان رئيساً لقسم الإخراج، والزميل الأستاذ مصطفى كمال جابر عليه رحمة الله..
وكان بيننا أيضاً الزميل الدكتور عبد الرحمن الشبيلي وكان مساعداً للمراقب العام للبرامج، والزميل الأستاذ محمد المنصور وكان رئيساً لقسم الأحاديث والبرامج الثقافية، أما الزميل الأستاذ خميس حسن سويدان فقد كان هو المراقب العام للبرامج والزميل عبد العزيز عمر جعفر وكان مديراً لمكتب المراقب العام، وكان الزميل الأستاذ عبد الله هليل مديراً لإدارة الأخبار، والزميل المهندس محمد موسى المجدري مديراً لإدارة الأستوديوهات والزميل حسين بخش وكان مساعداً له والزميل الأستاذ محمد مصطفى الخواجة مديراً لإدارة الترجمة والوكالات الإخبارية.. وإن نسيت فلا أنسى الزملاء الأستاذ مسلم البرازي شاعر الأغنية الكبير والأستاذ غالب كامل، والدكتور علي محمد النجعي، والأستاذ إبراهيم الضويحي والأستاذ محمد الدعيج، (مسؤولي مكتبة التسجيلات)، والأستاذ عبد المحسن الخلف والأستاذ فهد الهاجري، والأستاذ عبد الرحمن منصور الزامل، والدكتور عبد الرحمن الغلاييني، والأستاذ محمود أبو عبيد، والأستاذ خالد بوتاري، والمهندسين الزملاء حمد الصبي وراشد الجهني ومكي العشماوي وصدقة حريري ومهدي الريمي وعبد الرحمن المقرن والزميل الأستاذ عبد السلام سفر عازف الناي الشهير وغيرهم وغيرهم من الزملاء الأحبة الكرام الذين تنطوي جوانحي على أفضل المشاعر، وأصدق الأحاسيس تجاههم، وقد شغل أكثرهم من السعوديين خاصة فيما بعد مناصب قيادية في وزارة الإعلام أو غيرها.
* * *
أقول: التقيت بالشيخ عبد العزيز عليه رحمة الله في تلك الآونة عقب افتتاح (إذاعة الرياض) من عام ألف وثلاثمائة وأربعة وثمانين لقاءات عابرة سريعة عدة مرات.. لكنني التقيت به لقاءً مطولاً ولأول مرة في مكتبه في شارع (الملك فيصل) عندما كان مديراً عاماً للكليات والمعاهد العلمية، وبمساعدة وتمهيد من الدكتور عبد الرحمن الشبيلي - حفظه الله -، الذي كان يشغل في حينها منصب مدير البرامج في (تلفزيون الرياض).. كان لقاءً طيباً جداً، وقد أشعرني عليه رحمة الله أنه سعيد جداً بزيارتي له.. ولما علم قصدي من تلك الزيارة، وأنه أحد المرشحين للبحث والتصدي والتوجيه في قضايا المجتمع من خلال التلفزيون وأن الترشيح لهذه المهمة تمَّ من قِبل سماحة الشيخ (إبراهيم بن محمد) عليه رحمة الله بتوجيه من أبيه سماحة الشيخ (محمد بن إبراهيم) عليه رحمة الله، تهلل وجهه، واغتبط، وأعرب عن استعداده للمشاركة في هذه المهمة الكبيرة، وسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينه وإخوانه المرشحين الآخرين ومن سيأتي بعدهم على القيام بها خير قيام.. وأكثر من ذلك فقد أثنى عليه رحمة الله ثناءً كبيراً على فكرة برنامج (مجالس الإيمان)، واعتبر قيامه ضرورة أساسية، وأن المشاركة فيه تُعتبر من الواجبات التي يجب أن يقوم بها العلماء والدعاة والمفكرون والمصلحون.. وأشعرني عليه رحمة الله بأن مهمتي لن تكون سهلة أبداً، وأن عليّ أن أتحلى بالصبر والأناة واتساع الصدر، وقد أبدى استعداده لمساعدتي وترشيح من يرى فيه القدرة والكفاية للتحدث في التلفزيون والقيام بواجب الدعوة إلى الإصلاح، وبصورة خاصة من بين العاملين في كليتي الشريعة واللغة العربية والمعاهد في المملكة، من الأساتذة المعروفين في مجال الدعوة والعمل الإسلامي، من السعوديين وغير السعوديين.. ولقد أفادتني نصائحه وتوجيهاته وترشيحاته كثيراً.. وكان من أبرز الشخصيات التي رشحها الشيخ (عبد العزيز) عليه رحمة الله، واستفاد منها البرنامج كثيراً، معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي (أمين عام رابطة العالم الإسلامي) وكان في حينها مديراً لمعهد من المعاهد العلمية - مديراً لمعهد الباحة العلمي على ما أظن - ومعالي الدكتور عبد العزيز بن عبد المنعم (أمين عام هيئة كبار العلماء) وكان في حينها مديراً لمعهد الرياض العلمي، وفضيلة الشيخ صالح العلي الناصر عليه رحمة الله، وكان واحداً من ألمع أساتذة كلية الشريعة في ذلك الحين.
وكان من بين المحدثين البارزين الذين كان لأحاديثهم وزنها وأهميتها وقد شاركوا فيما بعد في برنامج (مجالس الإيمان)، وساهموا في حواراته، وعالجوا الموضوعات المطروحة، فيه، بدلالة من الشيخ عبد العزيز عليه رحمة الله أو تشجيعه أو مباركته، الشاعر الشيخ عبد الله بن إدريس - حفظه الله - والمربي الكبير الأستاذ عثمان الصالح عليه رحمة الله، والأستاذ سعيد بن جندول، والأستاذ عمر عودة الخطيب عليه رحمة الله، والدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا عليه رحمة الله وغيرهم وغيرهم.
وفي الحقيقة لم تكن مهمتي سهلة كما توقع الشيخ عبد العزيز - رحمه الله -، وكما أخبرني الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - من قبله، وكما أخبرني من قبلهما الشيخ جميل الحجيلان - حفظه الله -.
* * *
لقد واجهت فيما بعد عدداً من المواقف المحرجة أو الصعبة أو المحبطة أذكر بعضها الآن لأبيّن كيف واجه مجتمعنا - أو شرائح من مجتمعنا - دخول هذه الوسيلة الإعلامية الجديدة عليه.
لقد أنكر عليّ بعضهم العمل في (التلفزيون) بالكلية، وفي رأيه أنه إن كان لا بد لي من الاستمرار في العمل في (الإذاعة) فلا بأس شريطة الامتناع عن تقديم الأغاني.
في مرة من المرات كنت في زيارة واحد من أعضاء (ديوان المظالم) بيني وبينه معرفة وصداقة، وكنت خلال زيارتي له أعرض عليه المشاركة في (مجالس الإيمان)، وكان في نفس الغرفة قاضٍ آخر يشاركه الدوام والعمل فيها، فأحسّ بأنني بعد انتهائي من الحديث مع صديقي سأعرض عليه قضية المشاركة، فأوجس خيفة، ثم سارع بمغادرة الغرفة وفوّت عليَّ تلك الفرصة..!
واحد من طلبة العلم الكبار كان يشغل - رحمه الله - منصباً قيادياً رفيعاً.. جئت إليه في مكتبه أطلب منه المشاركة في (مجالس الإيمان).. وقبل أن أنهي حديثي قاطعني وقال: إذا أردت حديثاً أو أكثر للإذاعة فأهلاً وسهلاً.. وأما التلفزيون فلا!
في رحلة عملية ميدانية إلى (جدة)، قصدنا (مكة المكرمة) بغرض الطواف بالبيت الحرام زاده الله تشريفاً وتعظيماً، ثم تصوير ما يمكن تصويره من مظاهر الكعبة المشرفة والطائفين حولها، والحجر الأسود، وحجر إسماعيل، وباب الكعبة، والملتزم، ومقام إبراهيم، وزوايا وأبعاد المسجد الحرام المختلفة وما إلى ذلك بغية الاستفادة من هذه الصور في البرامج التي تحتاج إليها.. كنا مجموعة في هذه المهمة، أنا والزميل منذر النفوري عليه رحمة الله (مخرج برنامج مجالس الإيمان) والزميل المصوّر السينمائي (فوزي عبيد) وآخرون، وقد احتطنا للمسألة فقد رافقنا عدد من الجنود من شرطة مكة، وشرطة الحرم، لتأمين أداء مهمتنا على الوجه الأكمل، وقد اخترنا وقتاً من النهار يظن أن الطائفين فيه يكونون أقل عدداً من الأوقات الأخرى..
وعند الحجر الأسود توقف المصوّر (فوزي) وتوقفت أنا و(منذر) - رحمه الله - معه، نتداول في أخذ اللقطة أو اللقطات المناسبة للحجر الأسود، ثم تناول المصوّر آلته ووضعها على عينه، وصوبها باتجاه الحجر الأسود، وأصبحنا نعيش حالة صمت وترقُّب، فإذا بشخص ينطلق كالبرق من صفوف الطائفين يهوي بهراوته على المصوّر!! ولولا انتباهة خاطفة سريعة بدرت من الزميل منذر عليه رحمة الله، فتلقى الهراوة بيده بعد أن أبعد صاحبها عن المصوّر لكان (فوزي) في عداد الهالكين، الأمر الذي جعل أفراد الحراسة من الشرطة يقبضون عليه ويحتجزونه!!
في رحلة عملية ميدانية أخرى إلى (المدينة المنورة)، كنت فيها أنا ومنذر النفوري عليه رحمة الله، وكان المصور معنا هذه المرة هو الزميل (محمد نمر حمادة)، وقد قمنا بكل الاحتياطات اللازمة من توفير الإذن بالتصوير، وتوفير الحراسة من جنود شرطة (المدينة المنورة) وشرطة (الحرم المدني)، وتوجهنا إلى تصوير الحجرة النبوية الشريفة، وأنجزنا مهمتنا بالتمام والكمال، وفي الوقت الذي هممنا فيه بمغادرة مكان الحجرة، وقف في وجهنا شخص، كأنه واحد من مردة الجن يقول:
صاحب هذا القبر - عليه الصلاة والسلام - يقول: (لعنة الله على المصوّرين) وأنا أقول: لعنة الله عليكم! فسارع الجنود الحراس إلى اعتقاله واحتجازه!
* * *
أعود مرة ثانية بعد هذا الاستطراد الطويل الذي أوضحت فيه الصعوبات النفسية والاجتماعية والعملية التي واجهتنا في البدايات الأولى على ظهور التلفزيون، في الوقت الذي كنت فيه أدعو إلى (مجالس الإيمان) وأحمل مشعل الدعوة إلى الله والعمل على خدمة الإسلام من خلاله، ومن خلال الشخصيات الإسلامية، وقادة الفكر الإسلامي، من العلماء والمربين والدعاة إلى الله والمصلحين الاجتماعيين الذين يوافقون على الظهور في التلفزيون والمشاركة في (مجالس الإيمان).
أعود إلى اللقاء المطوّل الأول الذي حصل بيني وبين الشيخ عبد العزيز المسند في مكتبه في شارع (الملك فيصل) عندما كان عليه رحمة الله مديراً عاماً للكليات والمعاهد العلمية قبل حوالي ثلاثة وأربعين عاماً.
وبعدما علم بالمهمة التي جئت من أجلها، ورحب ب(مجالس الإيمان) وأيّد قيامه، وسعد كثيراً بترشيحه وانتدابه هو وزملاؤه الآخرون للقيام بواجب الدعوة إلى الله من خلاله، وأوصاني بالصبر، واتساع الصدر، وتحمُّل المشكلات والصعوبات التي ستعترضني، انتقلنا إلى اختيار الموضوع الذي ستتم مناقشته، واختيار الضيفين الآخرين اللذين سيشتركان معه في بحث الموضوع وبيانه ومواجهة المشكلات التي تدور حوله.
أما الموضوع فكان هو (الزواج)..
وأما الضيفان أو الشخصان الآخران، فقد كانا الشيخ (عبد الله بن محمد بن خميس) - حفظه الله -، المفكر الشاعر الأديب المؤرخ الموسوعي، والشيخ (مناع خليل القطان) الداعية الخطيب المؤلف المجاهد المهاجر - رحمه الله -.
ودّعت الشيخ عبد العزيز - رحمه الله -، بعدما اتفقنا على موعد آخر يجمع الضيوف الثلاثة للتفاهم والاتفاق على محاور الموضوع الأساسية قبل تسجيل البرنامج.
ويذكر من عاصر برنامج (مجالس الإيمان) في بداياته قبل أكثر من أربعة عقود الحلقات التسع المتوالية فيه التي خُصصت لموضوع (الزواج) ومكانته في الإسلام والمشكلات والعقبات التي تعترض سبيله في مجتمعنا ومن أبرزها التغالي في المهور، والتباهي في زيادة تكاليف الاحتفاء به، والتقاليد والعادات الأخرى المرتبطة به بين الإفراط والتفريط.
وشاء الله سبحانه وتعالى أن يتناول أطراف الحديث والنقاش في تلك الحلقات التسع ثلاثة من الرواد الأوائل السبعة السابقين، بل ثلاثة ممن صاروا فيما بعد رواد الحديث التلفزيوني المتميز في بلادنا، الشيخ عبد الله بن خميس - حفظه الله -، والشيخ مناع القطان - رحمه الله -، والشيخ عبد العزيز المسند الداعية الخطيب المؤلف المصلح الاجتماعي الفذ عليه رحمة الله.
لقد تبارى هؤلاء الفرسان الثلاثة المبدعون، وتنافسوا في بيان أهمية هذا الموضوع موضوع (الزواج)، ومدى التطبيق العملي الاجتماعي لأصوله وقواعده الشرعية، وما اعترى هذه القضية المهمة من عادات بالية، وتقاليد اجتماعية صعبة، وما علق بها من شوائب قبلية مرهقة.
وتسابق ثلاثتهم في بيان الصحيح من غير الصحيح في هذا الأمر، وتقويم المعوج، والتنبيه إلى ما يعود بهذا الموضوع الاجتماعي الخطير إلى حظيرة الشريعة الغراء، فيسعد الرجل والمرأة بالزواج، وتولد الأسرة المطمئنة، ويخيم جو الأمن والطمأنينة على كل جوانب المجتمع، وفي جميع مناحي الحياة.
وما إن عرضت الحلقة الأولى والحلقة الثانية من هذا الموضوع حتى انهالت مئات رسائل المشاهدين والمتابعين من الرجال والنساء، تسأل، وتستفسر، وتعلق، وتضيف، الأمر الذي دعانا في تلك الفترة إلى التأني والتأمل، والزيادة في شرح ملابسات ذلك الموضوع، وتقصي ما أمكن من جوانبه، مما جعل البحث والحوار والبيان يغطي تسع حلقات كاملة، مدة كل حلقة ساعة من الزمان.
على أنَّ من الأسباب الرئيسة الأخرى التي دعت إلى الإطالة في بحث هذا الموضوع، أن فرسان الكلام فيه، وهم (ابن خميس) و(القطان) و(المسند) كانوا محدثين مميزين، ومحاورين من الطراز الأول.
وعلى الرغم من أنهم، كانوا يتحدثون في التلفزيون السعودي لأول مرة، فقد استطاعوا - ثلاثتهم - إقناع مشاهديهم من الرجال والنساء في ذلك الوقت، أن كل واحد منهم قد أمسك بناصية الكلمة، وتجلّى في ميدان الحوار، وأحاط بجوانب المشكلة المطروحة، وأدلى بما لديه من علم صحيح، وخبرة عملية ناجحة، وتوجيه سديد يعتقد صوابه.
لقد أثبتوا في تلك الحلقات التسع من برنامج (مجالس الإيمان) أنهم محدثون موهوبون، وأنهم محاورون بالفطرة، وكأنهم خُلقوا للتلفزيون، أو الحوار التلفزيوني، أو خُلق لهم.
لقد كان حضورهم - الذهني والوجداني - كبيراً وتأثيرهم في مشاهديهم ومتابعيهم عظيماً، ولا غرابة في ذلك، فقد كان من دواعي هذا النجاح الكبير وهذا التأثير العظيم، لهؤلاء الفرسان الثلاثة، (ابن خميس) و(القطان) و(المسند) أنّ (التلفزيون) هذه الأداة الإعلامية الباهرة، كان حديث العهد في الدخول إلى بيوتنا، واقتحام مجتمعنا، والتسلل إلى عاداتنا وتقاليدنا، وتوجيه جميع مناحي حياتنا.
* * *
على أنني أُسجل للتاريخ، وبعدما أعددت وقدمت من هذا البرنامج برنامج (مجالس الإيمان) التلفزيوني ما يزيد على ألف حلقة وعلى مدى أكثر من عشرين عاماً، أُسجل أنه لم يجتمع لديّ في حلقة من حلقات هذا البرنامج مجموعة من الضيوف، في مستوى هؤلاء الفرسان الثلاثة الأفذاذ، في علمهم، وبعدهم الاجتماعي، وقدرتهم على التأثير في الجماهير، وفي شخصياتهم الآسرة المميزة.
لقد كان من الطبيعي والحال كما ذكرت أن يصير لفقيدنا العظيم، الشيخ عبد العزيز المسند عليه رحمة الله، الذي ألّف كتاباً حول (الزواج والمهور)، أن يصير له فيما بعد حضوره الخاص في التلفزيون من خلال برنامجه الأسبوعي العتيد (منكم وإليكم) الذي أعده وقدمه فترة طويلة من الزمن.. لقد لمس الناس - كل الناس - قرب شخصيته منهم، والبساطة والتواضع اللذين يخاطبهم من خلالهما، واستراحوا إلى أسلوب الوسطية والاعتدال الذي يجيب به على أسئلة أصحاب الرسائل، والحلول الميسرة البعيدة عن الإحراج التي يقدمها للمشكلات التي يواجهه بها أصحابها، في إطار الشريعة المطهرة، وتأكيده الدائم بصورة مباشرة وغير مباشرة على الحفاظ على حقوق المرأة، وأنها شقيقة الرجل، وأنها نصف المجتمع، والحفاظ على أصحاب الحقوق الأخرى التي هضمها أو تناساها أو انتقص منها كثير من الناس.
* * *
ولقد كان التلفزيون السعودي، في فترة سابقة يعرض عدداً من البرامج المميزة الرائدة الفذة ذات الشعبية الجماهيرية الكبيرة، كان يعرضها كلها في تلك الفترة، كان يعرض (خواطر الشيخ الشعراوي) في تفسير القرآن الكريم، وبرنامج (نور وهداية) للشيخ علي الطنطاوي في أيام السنة وبرنامج (على مائدة الإفطار) في شهر رمضان، وبرنامج (العلم والإيمان) للدكتور مصطفى محمود، وبرنامج (منكم وإليكم) لفقيدنا العظيم عليه رحمة الله.
ولا شك أن التفكير والتخطيط لإعادة عرض هذه البرامج، أو ما يُمكن عرضه منها على الأقل، وجعلها مواقع أساسية في خارطة برامج التلفزيون أمر مستحسن، يجعل من تلفزيوننا العزيز جهازاً إعلامياً حريصاً على استقطاب الكفايات العلمية والتوجيهية المميزة في المملكة وفي عالمنا العربي والإسلامي، ومحافظاً على استمرار عطاءاتها الخيرة، وتوجيهاتها العظيمة للناس حتى بعد انتقالها إلى العالم الآخر.
ذلك لأنني أحسب أن الموهوبين العباقرة الأفذاذ من العلماء والمفكرين والمصلحين والدعاة، ممن يساهمون في صنع القرار، ويقودون الرأي العام، حتى الذين يعملون في مجال الفن، أحسب أنهم يظهرون على مسرح الحياة مرة واحدة، ولا يتكررون.
ولست في حاجة أن أخوض في تاريخنا الماضي، وأن أستعرض صفحاته العديدة الحافلة فأقول: إن (أبا حنيفة) و(مالكاً) و(الشافعي) و(ابن حنبل) و(الغزالي) و(ابن تيمية) و(النووي) و(ابن القيم) و(ابن عابدين) وغيرهم وغيرهم، ظهر كل واحد منهم على مسرح الحياة مرة واحدة ولم يتكرر بعد ذلك مرة أخرى بنفس المواصفات، ونفس التألق ونفس التأثير.
وأنا أستطيع أن أعطي قراءة ودراسة (بانورامية) عن حقبة من الزمن امتدت حوالي ستين عاماً من إقامتي الواعية في هذه الدنيا، ومن كل مناحي الحياة وميادينها وشؤونها، فأقول: أين خلفاء الشيخ (محمد بن إبراهيم آل الشيخ) والشيخ (عبد الله بن حميد) والشيخ (عبد العزيز بن باز) وأين خلفاء الشيخ (بدر الدين الحسني) والشيخ (مكي الكتاني) والشيخ (مصطفى الزرقا) في سوريا، وأين خلفاء الشيخ (محمد عبده) والشيخ (حسن البنا) والشيخ (محمد الغزالي في مصر)... أين خلفاء الشيخ (أمجد الزهاوي) والشيخ (محمد محمود الصواف) في العراق، والشيخ (حسن خالد) في لبنان، والشيخ (عبد الله غوشة) في الأردن وفلسطين..
أين خلفاء الدكتور (محمد ناصر) في إندونيسيا، والشيخ (أبو الحسن علي الحسني الندوي) في الهند والشيخ (أبو الأعلى المودودي) في باكستان والشيخ (بديع الزمان سعيد النورسي) في تركيا، والسيد (علال الفاسي) في المغرب، والشيخ (إبراهيم نياس) في السنغال والشيخ (عبد القادر الجزائري) والشيخ (عبد الحميد بن باديس) في الجزائر.
وعلى صعيد قراءة القرآن الكريم.
أين خلفاء قراء القرآن الكريم الذين تحتفظ ذاكرة كل واحد منا ويختزن قلبه بأطيب المشاعر وأحلى دواعي التدبر والتذكر والخشية وهو يسمعهم وهم يرتلون آي الذكر الحكيم..
أين خلفاء (محمد رفعت) و(مصطفى إسماعيل) و(عبد الفتاح الشعشاعي) و(عبد الباسط عبد الصمد) و(محمد صديق المنشاوي) و(أبو العينين شعيشع) و(محمد سليمان السعدني) و(محمود عبد الحكم) وغيرهم.. وغيرهم.
وفي ميدان الشعر والشعراء:
أين خلفاء (أمير الشعراء أحمد شوقي) و(حافظ إبراهيم) و(بدوي الجبل) و(عمر أبو ريشة) و(عزيزة هارون) و(جميل الزهاوي) و(محمد مهدي الجواهري) و(نازك الملائكة) و(عاتكة الخزرجي) و(الأخطل الصغير) و(أمين نخلة) و(إبراهيم طوقان) و(أبو سلمى عبد الكريم الكرمي) و(فدوى طوقان) و(يوسف الخطيب) و(أبو القاسم الشابي) و(طاهر الزمخشري) و(محمد حسن فقي) و(حسين سرحان) و(الأمير عبد الله الفيصل).
وأستميح قرائي الكرام العذر، وأتساءل وأنا أخوض ميدان الطرب والغناء بعدما صار أمراً واقعاً فأقول:
هل من خليفة ل(محمد عبد الوهاب) و(فريد الأطرش) و(ناظم الغزالي) و(عبد الحليم حافظ) و(أسمهان) و(أم كلثوم) و(سعاد محمد) و(فيروز) و(وديع الصافي).. بل هل من خليفة للمخرج السينمائي العظيم مصطفى العقاد؟.
وفي ميداني ميدان الإذاعة والتلفزيون الذي عملت فيه، وعُرفت به، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يقبل ما قدمت من خلاله، أستطيع أن أذكر الآن ثلاثين أو أربعين اسماً من أسماء المذيعين والمذيعات، الذين ظلوا نجوماً تتلألأ في سماء العالم العربي في فترة واحدة لا تزيد عن ثلاثين عاماً، منهم على سبيل المثال لا الحصر (عباس فائق غزاوي) في المملكة و(الأمير يحيى الشهابي)، و(صلاح أبو زيد)، والدكتور عمر الخطيب) و(عائشة التيجاني) في الأردن، و(عصام حماد) و(فاطمة البديوي) و(عبد المجيد أبو لبن) و(ناهدة فضلي الدجاني) في فلسطين، و(حسني الحديدي)
و(جلال معوض) و(أحمد فراج) و(صلاح زكي) و(تماضر توفيق) و(سميرة الكيلاني) و(همت مصطفى) و(سامية صادق).
وليس المقصود من قولي هذا، والأمثلة التي اخترتها من ميادين شتى من عالمنا العربي والإسلامي، أن الأمة العربية والإسلامية قد جفت ينابيعها، ونضبت خيراتها، ووصلت إلى سنّ اليأس، فلا ولادة ولا نماء ولا عطاء. معاذ الله! (فالخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة)، و(إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدِّد لهذه الأمة أمر دينها) كما يقول عليه الصلاة والسلام. ولكن قصدي أن الطاقات الرائدة الفذة المميزة لا تتكرر بنفس المواصفات والمقاييس، ولذلك فمن الضروري حينما تصادفنا أو تواجهنا بصورة أدق واحدة من تلك الطاقات الفريدة المميزة الفذة علينا أن نحافظ على الإبقاء على تأثيرها فينا، والسماح لتوجيهها وإرشادها وإصلاحها أن يكون فاعلاً في كل ميادين الحياة.
ومن هنا دعوت التلفزيون العزيز في بلادنا إلى العمل على إعادة برامج الشيخ الشعراوي والشيخ الطنطاوي والدكتور مصطفى محمود والشيخ عبد العزيز المسند يرحمهم الله، أو إعادة ما يمكن إعادته منها.
على أنّ لي اقتراحاً آخر في هذا المجال، وهو أن نقوم بمسح شامل ودراسة مستفيضة لما في بلادنا وما في عالمنا العربي والإسلامي من طاقات مميزة فذة يتابعها الناس ويهتمون بها ويرتاحون إلى نشاطها ورؤيتها للحياة، فنعمل على استغلال وجودها معنا على هذه المعمورة، ونسعى إلى الاستفادة منها، وتوظيف إمكاناتها، حيث نستفيد منها في مقبل الأيام التي ترحل فيها عن هذه الدنيا بعد العمر الطويل الحافل بالصالحات من الأعمال بإذن الله.
وبهذه المناسبة أشير على سبيل المثال لا الحصر إلى أحاديث وبرامج الشيخ (عايض القرني) والشيخ (عبد الله المصلح) والشيخ (سلمان بن فهد العودة) في بلادنا، وأحاديث وبرامج الدكتور (محمد سعيد رمضان البوطي) والدكتور (محمد راتب النابلسي) في سورية، والدكتور (يوسف القرضاوي) في قطر، والشيخ (عبد المجيد الزنداني) والشيخ (الحبيب الجفري) في اليمن، والدكتور (سيد نوح) والدكتور (محمد المهدي) في الإمارات العربية المتحدة، والدكتور (عمر عبد الكافي) والدكتور (محمد عمارة) والدكتور (سليم العوا) في جمهورية مصر العربية.
* * *
وأعود مرة ثانية إلى الشيخ عبد العزيز المسند عليه رحمة الله، فبعد سنتين أو أكثر من قيام برنامج (مجلس الإيمان) كلِّفت بالعمل مديراً لإذاعة الرياض، كان ذلك في عام ألف وثلاثمائة وثمانية وثمانين للهجرة، وكنا في الإذاعة - إذاعة الرياض - نستعد لبدء دورة برامجية جديدة، وكان من الطبيعي في تلك الفترة أن نتصل بعدد من رجال الفكر والدعوة، خصوصاً الذين لهم عطاء وعندهم خبرة في مجال البرامج الإذاعية؛ ليغنوا برامجنا بالجديد المفيد من الأفكار والآراء، ويقدموا للمستمع المعلومات الصحيحة الشرعية والأدبية والاجتماعية والاقتصادية، وكان في طليعة هؤلاء الرجال الذين اتصلنا بهم الشيخ (عبد الله بن خميس)، فكتب لنا برنامجه الثقافي الأسبوعي (مَن القائل)، والشيخ (مناع القطان) عليه رحمة الله فكتب لنا برنامجه اليومي (من هدي النبوة) شرح فيه أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، والدكتور (عبد الرحمن الباشا) الذي كتب لنا برنامجه (صور من حياة الصحابة) ثم برنامجه (صور من حياة التابعين)، والأستاذ (عمر عودة الخطيب) الذي كتب لنا برنامجه (نور من القرآن) شرح فيه آيات الذكر الحكيم، والشيخ (عبد الرحمن حبنكة الميداني) الذي كتب لنا برنامج (أعداء الإسلام) وتصدى فيه لجميع أعداء الإسلام وخصومه من أصحاب الأفكار الضالة والقيادات المنحرفة، خصوصاً المعاصرة الحديثة منها، وبرنامج (عالم الظهيرة) الثقافي المنوَّع اليومي الذي كتبه لنا الأستاذ تركي السديري.
اتصلنا كذلك بالشيخ (عبد العزيز المسند) رحمه الله، واتفقنا معه على أن يعدّ لنا برنامج (رسالة من حاج) ليُذاع بصورة يومية على مدى شهر في فترة الحج، حيث يبيّن في كل حلقة من حلقاته صوراً ومشاهد وأحاسيس ومشاعر يرسلها له أحد الحجاج وهو يقوم بأعمال الحج ومناسكه من وقت سفره من بلده إلى الديار المقدسة حتى اكتمال أعمال الحج وعودته إلى بلده.
لقد كان هذا البرنامج (رسالة من حاج) برنامجاً جميلاً تضمن توجيهاً صادقاً، وتعليماً مخلصاً، وإرشاداً صائباً.
ثم مرت سنوات وسنوات تركتُ بعدها (وزارة الإعلام) وسافرت إلى (لندن) لأُسهم في تأسيس مجلة (المسلمون) وأرأس تحريرها. ثم توقفت المجلة وعدتُ بعدها إلى الرياض، فتلقيت دعوة من صاحب السمو الشيخ (سلطان بن محمد القاسمي) - حفظه الله - حاكم الشارقة وعضو المجلس الأعلى بالإمارات العربية المتحدة للمشاركة في الاستعدادات والتحضيرات والمشاورات اللازمة لقيام تلفزيون (الشاقة) الذي أراد له الشيخ (سلطان) أن يكون أداة إعلامية متميزة في خدمة الثقافة العربية ودعم وتأصيل القيم والأخلاق الإسلامية. فقدمت لسموه عدداً من المقترحات، وعدداً من البرامج المختلفة التي أعجب بها وبادر إلى تحويلها إلى حيز التنفيذ، وكان من بين مقترحاتي البرامجية برنامج (الندوة)، وهو برنامج جماهيري أسبوعي يغطي ساعة ونصف الساعة، يغطي الساعة الأولى منه حديث وحوار يدور بيني وبين ثلاثة أو أكثر من العلماء أو القضاة أو رجال الفكر أو أساتذة الجامعات أو العاملين في أجهزة الدولة وغيرهم، والنصف الساعة الأخير من البرنامج يُخصَّص لأسئلة الحاضرين من الرجال والنساء المباشرة والإجابة عنها.
لقد قدَّمتُ من هذا البرنامج نحو ثلاثين حلقة تم تسجيلها في المركز الثقافي بالشارقة، وجامع الملك فيصل فيها، والمركز الثقافي في عجمان، وأذيعت كلها تباعاً في ذلك الوقت.
وقد اتفقت مع سمو الشيخ (سلطان) على أن أرفد محدثي ومحاوري الإمارات بمحدثين ومحاورين من المملكة، خصوصاً أولئك الذين كان لهم دورهم البارز الفذّ في التوجيه والتأثير في برنامج (مجالس الإيمان).
وبالفعل وُجّهت الدعوة في ذلك الحين إلى كل من الشيخ (عبد العزيز المسند) عليه رحمة الله، والدكتور (عبد الله التركي)، والشيخ (محمد الراوي)، والشيخ (مناع القطان) عليه رحمة الله، والدكتور (مانع بن حماد الجهني) عليه رحمة الله، والدكتور (عبد الله المصلح).
أما الشيخ (عبد العزيز المسند) - عليه رحمة الله - الذي كان حينها يشغل منصب الرئيس العام لتعليم البنات والدكتور عبد الله التركي فقد رحَّبا بهذه الدعوة، لكنهما لم يتمكنا من تلبيتها بسبب ظروفهما الوظيفية، وأما الباقون، وهم (الراوي) و(القطان) و(الجهني) و(المصلح)، فقد لبّوا الدعوة وشاركوا مشاركة فعالة في برنامج (الندوة) كان لها آثارها الإيجابية الطيبة التي لا تُنسى.
* * *
وبعدُ، فقد بقي من حديثي هذا الذي أسوقه بمناسبة رحيل الشيخ (عبد العزيز المسند) إلى جوار ربه راضياً مرضياً بإذن الله، وبمناسبة الحديث عن برنامج (مجلس الإيمان) البرنامج التوجيهي الأول الذي انطلق من تلفزيون المملكة قبل أكثر من أربعة عقود، وبمناسبة الدور المهم الذي قام به بصورة خاصة الشيخ (عبد العزيز المسند) - عليه رحمة الله - وباقي إخوانه وزملائه الأوائل السبعة فأسهم في نمائه وبقائه واستمراره أكثر من عشرين عاماً؛ أقول: بقي من هذا الحديث نقاط، منها أننا سعدنا كثيراً حينما أطلّ علينا الشيخ (عبد الله بن محمد بن خميس) بعد فترة غياب واحتجاب، وهو واحد من الأدباء العلماء والمفكرين القديرين الذين كان لهم دورهم الفاعل وحضورهم الإيجابي في نجاح برنامج (مجالس الإيمان). سعدنا كثيراً حين أطلّ علينا بوجهه المشرق المزهر العربي الأصيل، وابتسامته العريضة العميقة، وبالشيب الذي كسا وجه جمالاً وجلالاً ووقاراً، وعينيه اللتين تتألقان حدة وذكاء، وخبرة وأصالة، وعبقرية فذة نادرة. وسعدنا كثيراً أيضاً للاحتفالات التي حضرها، والمهرجانات التي شارك فيها، والمناسبات التي نال فيها جوائز التكريم وأُشيد فيها بطاقاته وأشير إلى ما عنده من مواهب وإمكانات.
إن تكريم هذا الرجل بكل الوجوه وعلى كافة المستويات لهو الدليل القاطع والبرهان الساطع على أننا نعتزّ بالشخصيات القائدة في مجتمعنا، والرائدة في أمتنا، والفاعلة المؤثرة في وطننا، وأننا لا ننساها، ولن ننساها على مدار الليالي والأيام.
والنقطة الثانية أودّ أن أتحدث فيها بصورة سريعة عن مخرج برنامج (مجالس الإيمان) الزميل الأستاذ منذر النفوري - عليه رحمة الله - الذي انتقل إلى جوار ربه الكريم قبل عدة سنوات، فأقول: إنه من أسرة (النفوري)، وهذه الأسرة مع أسرة (طيفور) تعتبران الأسرتين العريقتين الكبيرتين في مدينة (النبك) الواقعة على بعد ثمانية كيلومترات شمال مدينة (دمشق) في سورية.
ولقد ظهر من هذه الأسرة - أسرة (النفوري) - شخصيات بارزة متعددة، من أبرزها الضابط المخضرم العميد (أمين النفوري) - عليه رحمة الله - ابن عم منذر الذي له دوره الحاسم في حركة (الشيشكلي) وقيام الوحدة السورية المصرية وما بعد الوحدة، وصار وزيراً، وكان في مطلع حياته قومياً عربياً يسارياً، ثم صحَّح مسيرته الفكرية في السنوات العشر الأخيرة من حياته فصار ذا فكر إسلامي، وقد استضفته في تلك الفترة في برنامج (مجالس الإيمان) في رحلتي إلى سورية. ولقد كان زميلنا (منذر) - عليه رحمة الله - المخرج المحترف الأول الذي عمل في التلفزيون السعودي أكثر من خمسة وعشرين عاماً، أنتج وأخرج فيها الكثير من المسلسلات والأعمال الكبيرة. وقام (منذر) - عليه رحمة الله - في طليعة ما قام به بإخراج برنامج (مجالس الإيمان)، وكان مساعده في ذلك الزميل (محمد الضراب)، وكان الزملاء (محمد الفهيد) و(علي العودان) و(إبراهيم الحمدان) و(طلال عشقي) و(إدريس الإدريسي) الذي شغلوا فيما بعد مناصب قيادية إدارية وفنية وتعليمية في وزارة الإعلام وفي غيرها؛ كانوا أوائل الفنيين الذين قاموا بمهام التصوير والإضاءة وهندسة الصوت وغير ذلك. وكان الزمل (عدنان فرهود) هو المهندس الذي صمَّم الديكورات اللازمة لبرنامج (مجالس الإيمان).
لقد سافرتُ أنا و(منذر) إلى كل من مدن المملكة الرئيسة لتسجيل حلقات من برنامج (مجالس الإيمان). وسرنا معاً إلى أكثر من دولة عربية؛ إلى (الكويت) و(الأردن) و(سورية) و(لبنان) و(تونس) في سبيل هذا الموضوع، وكان يصحبنا في هذه الرحلات الخارجية الزميل (عطا الله الطعيمي) مهندساً من الإذاعة الخارجية، وهو الذي تولى معي تسجيل حلقات من برنامجي الإذاعي الآخر (دعاة الخير).
إن (منذر) - عليه رحمة الله - هو واحد من الرواد الأوائل الأفذاذ الذين عملوا في التلفزيون وأفنوا زهرة شبابهم وربيع عمرهم في خدمته، وأسهموا في تطويره وتقدُّمه وارتقائه؛ فقد تزوج وأنجب أولاده الأربعة (مي) و(إياد) و(مجد) و(سداد) كلهم في الرياض.
وعندما يفكر التلفزيون في بلادنا في تكريم الرجال الأبطال الأوائل الذين شقوا مسيرته وأسهموا في توطيد تقدمه والنهوض بارتقائه فمن الوفاء أن يكون الزميل (منذر النفوري) - عليه رحمة الله - في طليعة من يُكرَّم، وفي مقدمة من تُحيى ذكراه.
لقد كان (النفوري) - عليه رحمة الله - هو الذي تلقى بيده الهراوة التي وجّهها أحد المتطرفين إلى رأس المصور (فوزي عبيد) عند الكعبة المشرفة. وكان (النفوري) واحداً من مجموعة تلقت السبّ والشتم بل اللعن من متطرف آخر حينما كان يقوم المصور (محمد حمادة) بتصوير مشاهد من الحجرة النبوية الشريفة في المدينة المنورة.. وكان وكان وكان.. رحم الله أخي (أبا إياد) منذر النفوري برحمته الواسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى من جناته.
* * *
النقطة الثالثة أعود فيها إلى الشيخ عبد العزيز المسند عليه رحمة الله، بل إلى أسرته الكريمة، فأختار من بين أبنائه نموذجاً، وأختار من بين بناته نموذجاً آخر:
النموذج الذي اختاره من بين أبنائه الكرام هو الدكتور (عمر) الذي قدَّم لأبيه إحدى كليتيه منذ عدة سنوات للإسهام في استمرار أبيه العظيم في عطائه وفي خيريته وفي إصلاحه بين الناس، وياله من عمل مجيد رائع، ويالها من تضحية مباركة فذة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يدخل الشيخ (عبد العزيز) فسيح جناته ومعه بعض من أحد أولاده يكون مقدِّمة لصاحب الكلية وباقي إخوانه وأخواته وذويهم، فيدخلون جميعاً تلك الجنات بعد الأعمار الطويلة الحافلة بصالح الأعمال بإذن الله.
والنموذج الآخر الذي أختاره من بين بناته الكريمات هو الدكتورة (غادة) التي ألَّفت كما علمنا كتاباً عن أبيها عرّفت فيه ببعض أعماله ومآثره ورسالته الإصلاحية في الحياة، وسلطت الأضواء على شيء من مسيرته وكفاحه وجهاده في هذه الدنيا. فأنعم بها من ابنة صالحة مصلحة، وأكرم بها نموذجاً طيباً مباركاً لإخوتها وأخواتها وباقي أسرتها.
النقطة الأخيرة تتضمن المحطات الرئيسة التي توقف فيها الشيخ (عبد العزيز المسند) - عليه رحمة الله - في حياته، وأعطى فيها وأفاد، وبنى فيها وأشاد، وأحيى فيها العباد والبلاد.
إنه كان مديراً لأحد المعاهد العلمية في القصيم، ثم مديراً عاماً للكليات والمعاهد العلمية بالمملكة، ثم مديراً عاماً لشركة كهرباء الرياض، ثم مستشاراً في التعليم العالي، ثم رئيس عاماً لتعليم البنات.
وكان - عليه رحمة الله - في ثنايا هذه الأعمال وتضاعف هذه المهمات أميناً عاماً لجمعية (البر) في الرياض، وعضواً في مؤسسة (الجزيرة) الصحفية، وناشطاً متحركاً فاعلاً في خدمة الإسلام والمسلمين في مملكتنا العزيزة وفي كل البقاع التي سافر إليها خارج المملكة.
وأكثر من ذلك فقد أثبت حضوره الإعلامي المتميز قدرةً وجاذبيةً ومعرفةً من خلال برنامجه التلفزيوني الفذ (منكم وإليكم) الذي استمر أكثر من ثلاثة عقود.
إن ميتة الشيخ (عبد العزيز) ميتة هنية بإذن الله، يغبطه عليها كل مَن يؤمن بالله واليوم الآخر.
ولعلي واحد من عشرات مئات الآلاف من الرجال والنساء الذين عرفوه، أو سعدوا بعطائه، أو استفادوا من توجيهه، أو تعلموا تحت ظلاله، أو أصابه شيء من نور هدايته. لعلي واحد من هذه العشرات مئات الآلاف من الرجال والنساء الذين رفعوا ويرفعون بالدعاء، وجأروا ويجأرون بالرجاء إلى الله، أن يتقبل الشيخ (عبد العزيز المسند) ويرفع أعماله، ويعلي في فراديسه منزلته، ويلحقه بالنبيين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
وأنتم يا إخوان الشيخ عبد العزيز ويا أخواته، يا زوجته، يا أبناءه وبناته، يا عشيرته: إن فقيدكم ليس فقيدكم فقط، بل هو فقيد الوطن، بل هو فقيد الأمة العربية والإسلامية، وقد جاء في الأثر: (إذا مات العالمُ ثُلِمَ في الإسلام ثُلْمة لا تُسَدُّ إلا بخلف له).
فأسأل الله جلَّت قدرته أن يجعل في أهل الشيخ عبد العزيز، من بنين وبنات وإخوة وأخوات وذوي قربى وأرحام، وفي تلامذته الكثيرين وفي محبيه العديدين، مَن يسدّ الثغرة، ويواصل العمل، ويحمل مشعل الدعوة إلى الله على بصيرة؛ إنه سميع مجيب.