Al Jazirah NewsPaper Friday  16/11/2007 G Issue 12832
شاشات
الجمعة 06 ذو القعدة 1428   العدد  12832
هل تريد الحق أم ابن عمّه؟
هي فوضى فعلاً في فيلم يوسف شاهين الأخير

فيلم يوسف شاهين - خالد يوسف الأخير لا يصل إلى تاريخ الأول ولا إلى آمال الثاني.

نستطيع أن نكتب كغيرنا عن التاريخ الكبير والعريض ليوسف شاهين، لكن هل نحن بحاجة إلى ذلك فعلاً؟

كلنا يعرف هذا التاريخ الرائع للمخرج يوسف شاهين ، وليس الأمر يدعو إلى وقفات أكثر مما فعل النقّاد العرب من قبل لتأكيد ما ورد في افلامه من اتجاهات فنية وخطب سياسية ودلالات رمزية، لكن ربما من الضروري وضع كل ذلك في عين الاعتبار عند الحديث عن هذا الفيلم الجديد للمخرج يوسف شاهين، وعنوانه (هي فوضى). لن يُفيد الاستمرار في التلميع لغايات عاطفية. هذا نقد وليس ترويجاً لمرشّح في مجلس النوّاب. المخرج المتمكّن الذي صنع لنا بعض أفضل الأفلام العربية في تاريخها كان قد بدأ يُسارع للحكم وللتنفيذ ويحقق أعمالاً أقلّ أهمية مما كانت عليه أفلامه حتى مطلع التسعينيات. بعض السبب يكمن في المحيطين به، بعضه الآخر يكمن في أنه وصل إلى سنّ البعض يراه كافياً لن يستطيع إضافةً أي جديد فوقه، بل كل ما يرغب في السعي إليه هو الاستمرار بما حققه إلى الآن من مركز. في فيلمه الجديد (هي فوضى) عودة إلى المهم، لكن للأسف ليس عودة للجيّد، وربما بعض السبب في أنه لم يخرج الفيلم وحده، بل شارك في إخراجه المخرج خالد يوسف.

قصة حب

حال (هي فوضى) من حال عنوانه. ومن غير المجدي التبرير بالقول: إن المخرج الكبير تاريخاً وسناً اضطر للتنحّي عن الفيلم وإسناد أمر تكملته أو أمر تنفيذه إلى مخرج آخر، كما لو أن المطلوب تنحية الموقف النقدي عن الفيلم والتعامل معه كأسباب ونتائج فقط وعلى نحو عاطفي.

في الصلب: حكاية الذئب والحمل

الوحش والجميلة

رجل السُلطة القامع والقاسي إلى حد سادي مريض، وامرأة شابّة تمثّل نفسها، وضعفاء الناس في مصر اليوم. لو أن الإخراج (ولن أقول المخرج أو المخرجَين هنا) تمحور حول هاتين الشخصيّتين على نحو كامل لنقل عالمه بصورة أكثر تسديداً وتأثيراً كما فعل محمد خان حين أخرج (زوجة رجل مهم) الذي يدور حول وحش وجميلة من نوع مشابه إنما في إطار مختلف، ولعكس ما هو أكثر صدقاً وأكثر تجانساً مع الواقع مما فعل على النحو الذي اختاره الفيلم لنفسه هنا.

شريف (يوسف شريف) وكيل نيابة على علاقة بامرأة لاهية وغير مسؤولة، لكنه مُلتزَم بها ويدافع في مطلع الفيلم عن علاقته بها أمام والدته (هالة صدقي) الناظرة في مدرسة الحي التي تتمنّى لو أن ابنها يقلع عن تلك المرأة الغارقة في حب اللهو والمظاهر ويتزوّج من نور (منة شلبي) الفتاة التي تحبه وتسكن مع والدتها بهية (هالة فاخر). لكن الذي يهدد هذا الحب ليس عزوف وكيل النيابة الشاب الذي يؤمن بممارسة العدالة بعيداً عن أي ضغط أو انحياز، بل ذلك المسؤول في البوليس حاتم (خالد صالح) الذي يسكن في ذات العمارة والمريض بعدد من العلل النفسية المترابطة: إنه سادي، عاجز عاطفياً وجنسياً عن الحب المستقيم، نتاج تربية ونشأة خاطئتين (وهذا ظاهر، ولو أن الفيلم لا يدخل في تاريخه)، وكل ذلك يدفعه إلى العنف والقسوة وتجاوز القانون في كل شأن ممكن بما في ذلك الاعتداء بألوان شتّى على الذين في المعتقلات كما في الحياة العامّة. حين يدرك حاتم أن (نور) لا يمكن أن تصبح له يبدأ في التلصُّص عليها، وفي مواقف لاحقة - بعضها متكرر - يصبح أكثر خطراً وهو يهدد الجميع بصلاحياته. في الوقت ذاته، فإن وكيل النيابة شريف اكتشف أن الفتاة التي تصاحبه لا تكنّ له الاحترام، وليس من الضروري الارتباط بها، فيتركها؛ ما يسهّل لوالدته أمر توجيهه إلى نور وإعارتها اهتمامه الاهتمام الكافي الذي تستحق، وبذا ينشأ حب جديد كانت تتمنّاه نور وغير قادرة الحصول عليه من قبل.

هذا المدخل يؤدي إلى وقوع شريف في حب نور ليكتشف متأخراً الخطر الذي تتعرّض له. تأنيبه لحاتم وتهديده إياه بالمعاقبة لا يزيد الثاني إلا حقداً، ويدبّر وسيلة يختطف بها نور؛ حيث يغتصبها في كوخ على النيل. هذا يؤجِّج الصراع بين الاثنين ويدفع وكيل النيابة إلى خلط الخاص (قضية اغتصاب نور) بالعام (التحقيقات التي كان قد بدأها بحثاً عن المعتقلين الأبرياء الذين يخفيهم حاتم ومَن هم أعلى منه). وينتهي الحب بانتصاره وانتصار الشعب الذي هجم مطالباً بإطلاق المحتجزين وبالنيل من الوحش الذي هو أكثر شخصيات شاهين الشريرة شراً منذ أعماله الأولى إلى اليوم.

أفلام قضايا

نعم، تستطيع أن تتطلّع إلى الرمزيات وتحسبها.

بطلة الفيلم المرأة - الضحية اسمها نور، وكان يمكن تسمية شرير الفيلم الرجل- الغاصب حاتم ب(ظلام) لو كان ذلك ممكناً؛ لأن التركيبة هي أن الظلام (ذاك الذي يعيشه المواطن في هذه الأيام حسب الفيلم) يغتصب النور بما يعنيه من حب وأمل.

وكيل النيابة شريف، واسمه شريف (أي رمزية تبقى؟)، وأم نور هي بهية، الاسم الوارد في (العصفور) التي تماثل الجيل الآتي من مصر الجميلة أيام الأمس البهية. كل ذلك حسن، لكن تلك الرمزيات ما عادت تنفع لتحريك الفيلم حين مروره على الشاشة ومحاولته التواصل مع مشاهديه. كذلك ما عاد ينفع أن يتحدّث فيلم عن علاقات خاصّة ومشكلات محدودة لينسج منها رمزاً لما هو عام. في الحقيقة، مشكلة الفيلم الأولى أن (حاتم) هذا لا يمثِّل الظاهرة التي يدّعي الفيلم أنه يتحدّث عنها؛ فطوال الوقت يتبدّى - وبصورة متزايدة - أن حاتم هو الاستثناء، كيف يمكن أن تحاكم السُّلطة باستثناءاتها؟ كيف يمكن أن تنشر رسالة مفادها أن شرير الفيلم يمثّل وضعاً سياسياً إذا ما كان هذا الشرير قد مُنح المرجعية النفسية والتاريخ الشخصي ليلعب دور نفسه فقط؟ ما المقوّمات التي عليها يمكن القول: إن هذا الشخص إنما يمثّل هذه الظاهرة؟

إنه شخصية عنيفة بلا ريب، والأخبار الواردة تتحدّث عن عنف غير مسبوق يرتكبه أمناء الشرطة وضبّاطها نتج عنها للآن مقتل عدد كبير من المواطنين الذين وجدوا أنفسهم في تلك الأقسام. بذلك هو فيلم الساعة، ومن هنا أهميّته وأهمية أن يلجأ يوسف شاهين - بسبب سيناريو لناصر عبد الرحمن - إلى الرجوع عن تلك الأفلام الذاتية التي حققها في السنوات العشر الأخيرة ليسرد فيلماً من نوع أفلام القضايا. لكن التنفيذ يخالف الآمال، بداية بمنح حاتم كل تلك الأعذار، فكان من الأجدى أساساً عدم إشاعة أن الفيلم إنما يرمز إلى الحالة القائمة والاكتفاء بحالات محدودة هي ذاتها كانت ستعيدنا إلى الوضع العام عن طريق الرمز الشفّاف لتخلق قصّة.

تكثيف

الفيلم - من ناحية أخرى - ليس متوازناً في عروضه. فحين يأتي الأمر إلى تقديم شخصية حاتم فإن الكثير لا يضيف ما كان القليل قد بدأ يعكسه، نتيجة ذلك هنا أن الفيلم يريد أن يوالي سرد أمثلة عن سوء شخصية حاتم فيصوّره ضارباً ومعذّباً وآكلا شرهاً ومعتدياً ومتلصصاً ومكبوتاً وفاجراً ولصاً ووقحاً وكاذباً وقاتلاً ووسخاً وجاهلاً وأمياً (ليس كقارئ فقط)، وفي النهاية مغتصباً. تتساءل عن السبب الذي يعمد فيه الفيلم إلى تكثير الوصفات التي كان يمكن للمشاهد استخلاصها إيحاءً أو التي لا يهم إذا كان بعضها موجوداً أو لا؛ لأن ما هو موجود لا بدَّ أن يؤدي إليها كلها حتى ولو لم يُبدِها جميعاً.

ليس أن الفيلم خالٍ من الجهد الإخراجي. المشاهد كبيرة، وتنفيذها في الكثير من المواقع جيّد كحركة كاميرا ومجاميع. كذلك فإن إدارتها كتطوّرات درامية يأتي في معظمه مثيراً للحماس بالنسبة لمن تهمّهم القصّة والسرد المتعدد المصادر تبعاً لتعدد شخصياته ومصادر تلك الشخصيات. كذلك يتميّز الفيلم بطاقة متوالية لا تتوقف، بفن تنفيذ حركة الكاميرا في المشاهد المختلفة. ليس هناك مشهد لم يتم تصميمه وتأليفه وعناصره على نحو يعكس الجهد الحاصل، لكن فقط تصوّر لو أن المخرج شاهين أتيح له ممارسة بعض ماضيه.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد