Al Jazirah NewsPaper Saturday  17/11/2007 G Issue 12833
الثقافية
السبت 07 ذو القعدة 1428   العدد  12833

المتنبي: مدح وحب وإشفاق

كان سيف الدولة الحمداني وهو على إمارة حلب في حروب دائمة مع الروم لصد هجماتهم على المشرق العربي، وكان له دوره الفعال في حماية الشام من هذه الهجمات الصليبية القادمة من الشمال، ولكنه وهو في حاله العظيمة هذه لم يسلم من خروج بعض القبائل العربية عن طاعته وكأنها تطعنه من ظهره بخناجرها وتعيقه عن الوقوف أمام الهجمات الرومية الصليبية.

ففي سنة 343 هـ ثارت عليه بنو كلاب فقرر أن يؤدبهم وبعد أن قاتلهم وظفر بهم أنشده أبو الطيب المتنبي هذه القصيدة، وما يهمنا في هذه القصيدة هو أن المتنبي رغم إشادته بشجاعة سيف الدولة وانتصاره عليهم إلا أنه لم ينسَ الشفاعة لهم عند سيف الدولة وطلبه منه أن يرحمهم ويشفق عليهم، لأنهم على الأقل من أرومته. وهذه القصيدة تتكون من اثنين وأربعين بيتاً سنذكر منها الأبيات التي تهمنا في هذه المقالة. قال أبو الطيب في بداية هذه القصيدة:

بغيرك راعياً عبث الذئاب

وغيرك صارماً ثلم الضرابُ

وتملك أنفس الثقلين طُرَّاً

فكيف تحوز أنفسها كلابُ

وما تركوك معصية ولكن

يعاف الوِرْدُ والموت الشرابُ

يخاطب أبو الطيب في أبياته هذه سيف الدولة ويقول: إذا كنت أنت المسؤول والحافظ للرعية لم يقدر عليهم أحد بضر، وبغيرك يعبث الذئاب برعيته؛ وأنت يا سيف الدولة تملك الثقلين إنسهم وجنهم، فكيف يكون لبني كلاب أن تملك أنفسها؛ وأنت لما هجمت على بني كلاب فروا وانهزموا من شدة خوفهم منك لا معصية لك، لأنه إذا كان الشراب الهلاك كره وعيف وروده. وبعد أن تطرق أبو الطيب في أبياته الأربعة التالية إلى مطاردة سيف الدولة لبني كلاب في الفلوت وظفره بهم قال:

فقاتل عن حريمهم وفروا

ندا كفيك والنسب القراب

وحفظك فيهم سلفي معد

وأنهم العشائر والصحاب

تكفكف عنهم صم العوالي

وقد شرقت بظعنهم الشعاب

وأسقطت الأجنة في الولايا

وأجهضت الحوائل والسقاب

يقول أبو الطيب: لما فر بنو كلاب من وجهك يا سيف الدولة وظفرت بنسائهم حميتهن ومنعتهن من السبي، وفعلت هذا لكرمك ونسب القربى بينك وبينهن، وحفظك في بني كلاب سلفي معد (ربيعة ومضر) (سيف الدولة من ربيعة، وبنو كلاب من مضر، وربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان)، فهم عشائرك وأصحابك؛ فأنت تكف عنهم الرماح، وقد امتلأت الشعاب بحريمهم وهن في هوادجهن على الإبل؛ حتى أنهن لخوفهن أسقطت الحوامل منهن أجنتهن في براذع الإبل وأسقطت النوق أولادها ذكورها - السقاب - وإناثها - الحوائل - وبعد أن وصف أبو الطيب في ثلاثة أبيات لاحقة انهزام وفرار وتشتت قبائل بنوكلاب من خوفهم عاد مرة ثانية إلى ما حدث لحريم بني كلاب مع سيف الدولة فقال:

فعدن كما أخذن مكرمات

عليهن القلائد والملاب

يثبنك بالذي أوليت شكراً

وأين من الذي تولي الثواب

وليس مصيرهن إليك شيئاً

ولا في صونهن لديك عاب

ولا في فقدهن بني كلاب

إذا أبصرن غرتك اغتراب

يقول: وبعد أن أخذت يا سيف الدولة نساء بني كلاب رجعن عزيزات مكرمات عليهن قلائدهن وملابهن - طيبهن؛ وهن يثنين عليك بما أوليتهن من الفضل والإحسان، وأين مكان الثواب مما توليه لعظم فضلك وإحسانك؛ فهن لا يلحقهن عيب في أخذكهن وصيانتهن، لأنهن منك، وكأنهن عند أهلهن وأزواجهن..، وهن عندك ليس عليهن غربة وإن بعدن عن أهلهن.

وبعد هذه الأبيات توجه أبو الطيب بخطابه إلى سيف الدولة يناشده بأن يعفو ويصفح عن بني كلاب فقال:

وكيف يتم بأسك في أناس

تصيبهم فيؤلمك المصاب

ترفق أيها المولى عليهم

فإن الرفق بالجاني عتاب

وإنهم عبيدك حيث كانوا

إذا تدعو لحادثة أجابوا

وعين المخطئين هم وليسوا

بأول معشر خطئوا فتابوا

وأنت حياتهم غضبت عليهم

وهجر حياتهم لهم عقاب

وما جهلت أياديك البوادي

ولكن ربما خفي الصواب

وكم ذنب مولدة دلال

وكم بعد مولده اقتراب

وجرم جره سفهاء قوم

وحل بغير جارمه العذاب

فإن هابوا بجرمهم علياً

فقد يرجو علياً من يهاب

يقول لسيف الدولة: كيف يتم بأسك في قوم أنت منهم وهم منك، والذي يصيبهم منك يؤلمك المصاب، وهم إن أذنبوا وأخطأوا في حقك فعفوك عنهم عقاب لهم، وهم عبيدك في أي مكان كانوا فإذا دعوتهم لأي خطب لبوا، وهم يا سيف الدولة إن كانوا قد أخطأوا فليس هم بأول من أخطأ، وأنت إذا غضبت عليهم، غضبت عليهم حياتهم؛ وهم لم ينكروا فضلك وكرمك عليهم ولكن ربما خفي الصواب، والذنب والعصيان قد يأتي من الدلال، والبعد يأتي من القرب، والجرم قد يقوم به سفهاء قوم، والعقاب يقع على غيرهم، وبنو كلاب وإن خافوا بما فعلوه من معصية لك فإنه يرجى العفو منك لجودك وكرمك.

وبعد هذه الأبيات تطرق أبو الطيب في ستة أبيات إلى العلاقة بين سيف الدولة وبين بني كلاب قبل أن يعصوه فأشار إلى كرم سيف الدولة عليهم وأنه كان ولي نعمتهم فقد نشأوا وتربوا في نعمته وإحسانه، وتحت لوائه قهروا الأعادي، وأنه لو غيره غزاهم لدافع عنهم وعن حريمهم بخيله وفرسانه. وبعد هذه الأبيات تطرق أبو الطيب في بقية أبيات القصيدة إلى ما فعله سيف الدولة ببني كلاب عندما أغار عليهم..

تظهر الأبيات التي ذكرناها من هذه القصيدة عمق حب المتنبي لأرومته العربية فرغم أن بني كلاب قد خرجوا عن طاعة سيف الدولة وأثاروا الفتن، وأعاقوه في فعلهم هذا عن أمر أهم وهو مقاومة سيف الدولة للروم فإن المتنبي ناشد سيف الدولة بأن يعفو عن رجالهم بعد أن تمكن منهم.

يقول نافع (1403هـ - 1983م): لقد كانت النزعة القومية تلازم المتنبي منذ صباه وتدفعه للتعبير عنها... وتبدو لنا غيرة أبي الطيب على العروبة وحبه لها ولأبنائها عندما نقرأ هذا الأسف العميق لما يراه من اشتغال سيف الدولة بثورة البادية عن حرب الروم.. ونلمس إشفاق الشاعر - المتنبي - وحزنه وألمه على هذه القبائل العربية وما يحدث لها من تدمير وقتل، وتدفعه عاطفة حبه للعروبة أن يرجو ويستعطف سيف الدولة أن يوقف عنهم حملاته التي تحمل الموت والخراب متخذاً من صلة النسب والاشتراك في الأصل وسيلة له في شفاعته، كما يظهر حبه للعروبة وإشفاقه على وحدتها من أن تتفتت عندما نراه يمجد عفو سيف الدولة عن العربيات وصيانته لهن عندما كان يظفر برجالهن من ثوار العشائر.. ثم نرى الشاعر - المتنبي - يستعطف سيف الدولة لبني كلاب داعياً إلى الرفق بهم فهم عرب على كل حال وجنود الأمير عندما تلم الخطوب، ويقول نافع أيضاً وهو يتحدث عن تطور القصيدة في شعر المتنبي: .. ولقد عرض ابن رشيق لقصيدة المتنبي في مدح سيف الدولة:

بغيرك راعياً عبث الذئاب

وغيرك صارماً ثلم الضراب

وأبدى إعجابه بها واعتبرها قليلة النظير في شعره تناسباً وطبعاً وصنعة.. ولفت انتباهنا أن المتنبي في هذه القصيدة استطاع أن يقص واقعة سيف الدولة مع بني كلاب دون أن يخرج عن هذا الموضوع ولو في بيت واحد، وهذا لا يهمنا في واقع الأمر بقدر ما يهمنا أن المتنبي في انتقالاته في هذه القصيدة كانت فيه عاطفتان، عاطفة الإعجاب بشجاعة الأمير، وعاطفة الإشفاق على هذه القبائل العربية الثائرة.. وقد سارت هاتان العاطفتان معاً جنباً إلى جنب.. حقاً إن الشاعر يبدأ بمدح سيف الدولة وقوته وعظمة جيشه ولكنه يشرك الخصوم معه في كل بيت وكأنه يعقد مقارنة بين الطرفين، ولا يود أن يقتصر في عاطفته على أحدهما، ثم ينتقل إلى الهزيمة التي حاقت ببني كلاب، فتشده عاطفة الإشفاق على هؤلاء الأعراب الذين عاش حقبة من الزمن بينهم فتأخذ هذه العاطفة ستة عشر بيتاً، يحاول فيها الشاعر أن يستدر قلب - سيف الدولة - لهؤلاء القوم، فيتحدث عن الحريم والأجنة والحوامل.. ويقرع أسماع الأمير بأنه في انتصاره على بني كلاب إنما انتصر على نفسه، فالأهل أهله، والمنهزمون يرتبطون معه بالنسب والقرابة والأصل، وهؤلاء النسوة اللائي هزم ذووهن لسن مغتربات، فقد انتقلن من أهل إلى أهل، ومصابهن مصاب للأمير، فما عليه إذن إلا أن يترفق في سطوته وبطشه، وأن يتخذ الحلم سيداً.. وتأخذ عاطفة الإشفاق لدى الشاعر تشتد وتقوى، وتتخذ صورة جديدة قائمة على الإعجاب أيضاً، فالشاعر لا يريد أن يفتقد الأمير أو يتبادر لذهنه أن هؤلاء جبناء ويستحقون الرثاء، وإنما يريد أن يعرف الأمير جيداً شجاعة هؤلاء وبطولاتهم، ولكن حظهم السيئ أوقعهم مع من هم أشجع منهم وأكثر عدداً وعدة.

ولو غير الأمير غزا كلاباً

ثناه عن شموسهم ضباب

ولاقى دون ثايهم طعاناً

يلاقي عنده الذئب الغراب

وبعد هذا الانتقال يختتم الشاعر قصيدته وعاطفة الإشفاق تستولي عليه وتلح فتبدو قصيدته كلها قائمة على هذه العاطفة:

بنو قتلى أبيك بأرض نجد

ومن أبقى وأبقته الحراب

عفا عنهم وأعتقهم صغاراً

وفي أعناق أكثرهم سخاب

(ورد في شرح العكبري لهذين البيتين: أن والد سيف الدولة قتل من كلاب في حرب، وذلك أنه لما هم بالحج وقع بهم في أرض نجد، فاقتتل معهم، وأن هؤلاء الذين ظفر بهم سيف الدولة هم بنو قتلى أبيه بنجد، وأنه ظفر بهم وأعتقهم وهم أطفال صغار يلبسون السخاب - قلادة يلبسها الصبيان).

أ.د.عبدالرحمن بن سعود بن ناصر الهواوي

المراجع:

- عبدالفتاح صالح نافع، 1403 هـ - 1983م (لغة الحب في شعر المتنبي) دار الفكر للنشر والتوزيع - عمان - الأردن.

أ.د.عبدالرحمن بن سعود بن ناصر الهواوي


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد