تحقيق - منيرة المشخص
لم تعد الإعلانات التجارية مجرد ظاهرة نمطية أو سياق عشوائي متواتر يندفع فيه المهنيون أو الهواة على حد سواء.. ولكنها أصبحت علماً قائماً بذاته، يرتكز على خلفية واسعة من إتقان فن التواصل.. ويشتمل على معرفة عميقة لدخائل النفس الإنسانية لدى كل الشرائح وكل الأعمار.. إنها قوة ناعمة تستثير رغبات وميول المستهلكين من خلال اقتنائهم للمنتج وامتلاكهم للسلعة.. وهي جزء من ثقافة الاقتصاد العالمي وحضارته.. ويتطلب هذا العلم مواكبة مستمرة في إظهار المنتجات التجارية وعرضها وتقديمها بمهارة تسويقية بارعة تناسب الذوق العام لتكتسب الإبهار والجاذبية والانتشار..
وحيث إن ثقافة التسويق التجاري مبني على التأثير والإغراء في كل الأحوال فإن القاعدة المتعارف عليها هو تزكية المنتج واستعراضه بأي ثمن لضمان رواجه في السوق الاستهلاكية..
ويهمنا في هذا السياق التساؤل عن هذه الظاهرة أو عن هذا العلم في بلادنا.. هل شركات الإعلانات التجارية في المملكة العربية السعودية تندفع في مبالغة محمومة مع الظاهرة النمطية العالمية لسوق الإعلانات ؟ أم أنها تراعي المحاذير الاجتماعية وثقافة البيئة العربية وهيبة الأعراف الدينية بوحي من رقابة الضمير الذاتي وثقافة فن الإعلانات في أخلاقياتنا.. ؟ وهل وسائل الإعلام في بلادنا تراعي تلك المحاذير بالنسبة لشركات الإعلانات التجارية العالمية على ضوء معاييرنا الوطنية.. ؟
يجيبنا على هذه التساؤلات عدد من الكتاب الإعلاميين ومسؤولين وأخصائيين في المجال النفسي والاجتماعي:
بداية تحدث لنا وليد بن عبدالله الشلهوب مدير إدارة الإعلان التجاري بالتلفزيون السعودي حيث قال في بداية حديثة: بلا شك إن الإعلانات التجارية أصبحت عاملا مهما وفاعلا في السوق التجاري سواء للتاجر للتسويق عن منتجه أو للمستهلك لمعرفة المعلومة بشكل سهل وسريع. وحول قواعد وأساسيات الإعلان التجاري تطرق الشلهوب إلى المبدأ العام لمفهوم الإعلان التجاري في تلفزيون المملكة العربية السعودية والذي يتلخص في الالتزام الصادق بالعقيدة الإسلامية ومعطياتها، ومرتكزاتها القيمة بالنسبة للإنسان والحياة والسلوك الفردي والاجتماعي، ويندرج تحت هذا المفهوم ما يلي :
- ينطلق الإعلان التجاري في تلفزيون المملكة العربية السعودية، ليس فقط من مبدأ التجارة أو الكسب المادي، وإنما بالدرجة الأولى من مبدأ الحاجة إلى توجيه وتوعية المواطن السعودي في استعمال السلع والمنتجات الوطنية والاستفادة من الخدمات المتاحة بالشكل الذي يتناسب مع إمكانيات هذا المواطن وحاجاته المعيشية.
- يجب أن يكون الإعلان التجاري ملائماً للقبول العام لدى الأفراد والعائلات وأن يكون متفقاً مع الذوق العام والتقاليد الاجتماعية المرعية.
- يجب أن يهدف الإعلان التجاري إلى إبراز جودة ومميزات السلع أو المنتجات الوطنية بعيداً عن الإسفاف والمبالغة، كما يجب أن تكون عناصر إنتاجه وما يظهر فيه من الصور والأصوات متمشية مع السياسة التي ينتهجها التلفزيون في إطار المحافظة على أحكام الشريعة الإسلامية والقيم الاجتماعية.
- كما يراعى في جميع الإعلانات التجارية ما يلي:
* عدم المساس بالدين أو بعلمائه أو وضعهم في صورة تمس كرامتهم أو ما لا يليق بهم من الهيبة والاحترام.
* عدم المساس بعلماء الدين والأمن .. أو ما يمثل سلطة الدولة وهيبتها.
* عدم الإساءة إلى أي مهنة أو عمل شريف مهما كان بسيطاً، ولا يجوز المساس بأي شخص بسبب لونه أو جنسه أو عقيدته أو مهنته أو وضعه في موضع يستثير السخرية أو اللمز أو الاحتقار.
* عدم المساس بقدسية الزواج وروابط الأسرة والتقاليد المتوارثة في احترام الأكبر ولا أن تعرض أحكام الأسرة مثل تعدد الزوجات والمواريث وغيرها بما يجعلها موضع شك، ولا يسمح بالتعرض للعلاقات المشروعة بطريقة تحرج الكبار أمام أبنائهم أو تثير تساؤلاتهم.
* عدم التعرض للمصابين بعاهات خلقية أو عقلية أو نفسية بما يحرجهم أو يحرج أشباههم، أو استغلال ما فيهم من نقص بطريقة غير نزيهة.
* عدم عرض الجريمة أو أساليب التحايل على النظام بطريقة تغري بمحاكاتها أو الإعجاب بها.
* عدم عرض الإعلان الذي يثير الرعب أو يولد صوراً مفزعة تسبب القلق وتثبت في ذهن المتلقي وخصوصا الصغار صور القلق والرعب.
* عدم استدراج اهتمام المشاهد إلى الإعلان بمقدمات تبدو وكأنها أخبار أو تصريحات رسمية تشفع بالإعلان المستهدف.
* لا يجوز الإعلان عن الخمور.
* لا يجوز الإعلان عن التدخين والسجائر بأنواعها حتى بالإشارة إلى تقليل ما تحتويه من نيكوتين أو أضرار.
* عدم استخدام الألفاظ النابية والعبارات السوقية والكلمات المبتذلة، مع اختيار الألفاظ التي لا تجرح الشعور أو تخدش الحياء أو ينفر منها الذوق، وتجنب المبالغات أو التهويل الذي قد يتضمنه الإعلان.
* لا يجوز الإعلان عن مجلات وكتب الأبراج والطوالع والبخت والتنبؤات وما إليها .
* عدم الإعلان عن أي فيلم أو مسرحية إلا ما حصل على موافقة من وزارة الأعلام وجهات الاختصاص بتداوله. كما لا يجوز الإعلان عن المسابقات التي تنطوي على القمار أو اليانصيب.
* عدم الإعلان عن أدوية لعلاج أمراض بعينها أو أنها شافية وأكيدة المفعول، إلا ما حصل على موافقة كتابية من وزارة الصحة وكذلك كل ما يتعلق بالمنتجات الطبية الأخرى .
* عدم الإعلان عن مواد كيماوية يؤدي استعمالها إلى الأضرار بغير المختصين .
* لا يجوز الإعلان عن سلع وألعاب تخص الأطفال بطريقة تؤدي إلى الأضرار بهم أو ألعاب تؤدي محاكاتها إلى هلاكهم (أدوات غوص - طائرات - أجنحة سوبرمان الطائر - مثلاً.. الخ)
وينفي الشلهوب أن التلفزيون السعودي يوافق على قبول إعلان فيه إساءة للوالدين ولكنه أوضح أن من يعتقد أن فيها إساءة هي شيء من الطرافة لجذب المشاهد وذلك بقوله: التلفزيون السعودي يرفض قبول الإعلانات التجارية التي تسيء للوالدين أو تمس قدسية الأسرة في احترام الأكبر وغيرها من أحكام الأسرة، وقد يكون هناك إعلانات تعرض العلاقات الأسرية بشيء من الطرافة من أجل الجذب وشد انتباه المشاهد.
وفي توضح منه حول تقديم الشخصيات التي تظهر في الإعلانات تكون فيها إساءة خاصة للمرأة السعودية بأن قال: الإعلانات التجارية يتم إنتاجها في الخارج، حيث لا يوجد لدينا صناعة للإعلانات التجارية، وإذا كان في الإعلان خلل في موضوعه أو طريقة إنتاجه أو عدم كفاءة الممثلين في الإعلان، فإن عدم نجاحه يعود إلى سوء تقدير المُنتِج للشريحة المستهدفة، ومن المفترض أنه يدرس شخصية المتلقين للإعلان، وهو الذي يجني ثمرة نجاح عملة أو فشلة.
وأضاف قائلا: أما التلفزيون السعودي فلا يقوم إلا برقابة الإعلانات التجارية التي لا تحمل محظورات دينية أو سياسية أو اجتماعية سواءً في الصوت أو الصورة.
وبشأن ما أشرتم إليه أن هناك إعلانات تُظهر المرأة السعودية على أنها إنسانه غبية وثرثارة (وذكرتم اسم منتج بعينه).
وإذا فرضنا جدلاً أن المعني في هذا الإعلان هو المرأة السعودية، ولكي نكون أكثر دقة وموضوعية فإن الإعلان الذي أشرتم إليه يتضمن امرأتين الأولى (متطفلة) والأخرى (ذكية وصاحبة فطنه) وكلاهما سعوديتان فرضياً، فلماذا لم يذكر الجانب الحسن في الإعلان أيضا. ومن وجهة نظري فإن المُنتِج لهذا الإعلان قام باختيار شخصيتين متضادتين لكي تصل فكرة الإعلان للمتلقي بشكل حواري بسيط وسلس.
وبالنسبة لمشاركة الفنان السعودي في إعلان عن منتج دوائي مثل المقويات الجنسية ولماذا لا يكون هناك توجيه ولو حتى غير مباشر من قبل التلفزيون السعودي للمثل بعدم الظهور في إعلان من الممكن أن يسيء لنا كشعب سعودي فقد ذكر مديرة إدارة الإعلانات التجارية أن التلفزيون ليس رقيب على أحد وذلك بقوله:
التلفزيون السعودي ليس له علاقة بما يبث في القنوات التلفزيونية الأخرى وليس رقيباً عليها، كما أن الممثل السعودي كغيرة من الممثلين غير السعوديين له الحرية بالتمثيل في أي قناة تلفزيونية، ويبرر الشلهوب سبب عدم اتخاذ أي إجراء لمنع أحد من الظهور في مثل هذه الإعلانات بقوله: وبالنهاية كل شخص لا يمثل إلا نفسه طالما لم يكن هناك تعدي على أحكام الشريعة الإسلامية والقيم الاجتماعية .
ويضيف بقوله: أما بشأن إشارتكم أن هناك ممثلين سعوديين معروفين يقومون بأدوار في إعلانات عن منتجات (المقويات الجنسية).
فهذه المنتجات كغيرها من المنتجات ؛ قد يحتاجها البعض ويستفيد منها، وكثير من هذه المنتجات مفسوحة من قبل وزارة الصحة ومتداولة في السوق السعودي، وظهور ممثل سعودي في هذه الإعلانات، ربما يكون بسبب أن الإعلان موجه للمشاهدين السعوديين وإن كان يعرض في قنوات أُخرى، فالتاجر يهدف إلى الربح، والإعلان التجاري وسيلته للوصول إلى أكبر شريحة ممكنه من المستهلكين، والسوق السعودي هو الأبرز في الشرق الأوسط وهو السوق المستهدف من قبل المعلنين حسب الدراسات والإحصاءات المعمولة بهذا الشأن.
علماً أنه وردت إلى التلفزيون السعودي إعلانات تجارية كثيرة لمثل هذه المنتجات؛ مُنتجه بطريقة غير لائقة وتخدش الحياء، وجميعها تم رفضها ولم يتم عرضها في التلفزيون السعودي للسبب المشار إليه.
ويختم وليد بن عبد الله الشلهوب حديثة قائلا: أود أن أنوه إلى أن جميع الإعلانات التي ترد إلى التلفزيون السعودي تطبق عليها رقابة صارمة وفقاً للقواعد والأساسيات المعمول بها في هذا الشأن، والمتوافقة مع شريعتنا الإسلامية السمحة وقيم وعادات المجتمع السعودي الكريم.
كما أرجو أن أكون وفقت للإجابة على ملاحظاتكم، مع يقيني وتقديري بأن طرحكم لهذا الموضوع نابع من منطلق الغيرة الدينية والوطنية التي يتحلى بها كل مواطن سعودي مخلص لدينه ووطنه.
لا تحكي الواقع
وكان لا بد أن نستمع لآراء إعلاميين تطرقوا في كتاباتهم إلى موضوع الإعلانات سواء بشكل مباشر أو غير مباشر حيث تحدث لنا بداية الكاتب عبدالعزيز السويد حيث يرى أن الإعلانات التجارية لا تحكي شيئا من الواقع حيث قال: نعم الضرر حاصل، وهي لا تحكي شيئا من الواقع وإلا لقبلنا بذلك، والمشكلة أن من يدبرها بعيدا جدا عن واقع المجتمع الذي يستهدفه، وهو لا يعرف عنه ألا صورة نمطية تعششت في دماغه ومع سوئها يقبلها المعلن ويتبناها لمنتجه.
وحول ما أذا كانت الإعلانات فيها إساءة للمرأة العربية وخصوصا السعودية بوضعها في إعلانات مخلة للآداب كالأدوية الجنسية أجاب قائلا: يسأل عن هذا شركة سعودية مساهمة وهي التي بدأت هذا النمط المشين من الإعلانات وهو لا يعبر سوى عنها وعن من يوافق على الإعلان من إداراتها، وعندما أصادف مثل هذه الإعلانات تظهر صور أعضاء مجلس الإدارة في تلك الشركة ومديرها على شاشة خيالي، وهم رغم ما كتب عن تلك الإعلانات مستمرون ليس لهم هدف ألا الربح المادي، كان من الممكن تحقيق مثل ذلك الربح وأكثر بأسلوب أكثر رقي واحترام.
وينفي عبدالعزيز أن هناك تقصير من الكتاب في تناول الإعلانات وذلك بقوله: ليس هناك من تقصير خصوصا من الكتاب، إذا كان هناك تقصير فادح فهو من وزراء الإعلام العرب وبالنسبة لي طالبت منذ سنوات وزراء الإعلام العرب وقبل أكثر من اجتماع لهم بتبني ميثاق شرف أخلاقي إعلامي، لكن لا أحد يحرك ساكنا، أما وكالات الإعلانات فمادامت تعمل من دون رقابة حقيقية فمن الطبيعي أن تبحث عن السهل المثير
ويقدم عبدالعزيز السويد في ختام رأيه حل من وجهة نظرة قائلا: الحل هو في انتفاضة أخلاقية يقودها من بيده القرار خصوصاً في وزارات الإعلام، وجامعة الدول العربية، والمؤسسات المدنية ويؤكد عليها في كل مناسبة، وهناك أساليب عدة للترويج لهذه الانتفاضة الأخلاقية خصوصا وأننا نستمدها من الشريعة ومن أخلاقنا في مجتمعاتنا العربية ومعظمها مجتمعات محافظة تقدر القيم والأخلاق وتحميها
حلقة وصل
وحول الموضوع ذاته قال الكاتب أحمد الشعلان: نحتاج الإعلان ليكون حلقة وصل بين المنتجين والمستهلكين وهو من الوسائل التي تؤدي إلى نجاح المؤسسات سواء الاقتصادية أو الثقافية أو الخدمية, فعن طريق الإعلان يمكن تعريف الكثيرين بالمنتج أو الخدمة، ونظرا للانتشار الكبير للوسائل الإعلانية تعددت الطرق والأدوات في محاولة لاستغلال الإعلان لتحقيق أكبر عائد ممكن على الاستثمار.
بالنظر إلى تاريخ بداية الإعلان التجاري في العالم وبدايته في منطقتنا يبدو أننا حديثو عهد نسبيا بهذه الوسيلة الحساسة سواء كمعلنين أو مستهلكين أو حتى مختصين في الإعلان، وهناك عدد قليل من هؤلاء يدرك فعلا أن صناعة الإعلان نفسها هي عمل فني وثقافي وليس مجرد نشاط تجاري له أهميته وتأثيره وإبعاده التي لا تنحصر في الاستهلاك فقط ودفع الناس إلى شراء المنتجات أو تكوين انطباع إيجابي عنها.
وحول ما أذا كان يرى أن غياب ثقافة التثقيف الإعلامي لدينا كخليجين تجاه سياسية الإنفاق كذلك الضغوطات بأنواعها كافة سبب جوهري بأن تضع غمامة على حاسة البصر لدينا لدرجة عدم الاعتراض على مثل هذه الإعلانات المسيئة لنا. أجاب قائلا: الإعلانات كغيرها من الخدمات الحديثة لم نستطع حتى اليوم توطين تلك الصناعة المهمة التي تشكل محوراً رئيساً في مجال الاتصال وما زلنا نعتمد على مختصين وخبراء من دول مختلفة بعضهم عرب وآخرون أجانب وحتى آسيويون، ويزيد من تعقيد الوضع أن الإعلان نشاط يعكس الثقافة العامة للمجتمع وخصائص المجتمع الدقيقة أحيانا ويكرس بعض الصور الذهنية أو يخلق صوراً جديدة كانعكاس للتفاعل الذي يحدث في المجتمع، وهؤلاء البعيدون تماما عن حراك المجتمع وثقافته يفشلون دائما في الاقتراب من دقائقه ومفاتيحه وتصميم رسائله رغم أنهم ينجحون في التقنية وصنع الإبهار.
الإعلانات الناجحة في وسائل الإعلام السعودية هي تلك التي استطاعت أن تصل على عمق الثقافة وهي مهمة تحتاج إلى مقومات أهمها أن تكون قادر على التوغل (تحت الجلد) لتعرف بالضبط ماذا يدور، كاللغة الدارجة والمرادفات الحديثة ونبض الشارع واهتمامات الجيل الجديد وحتى النكات والطرائف، وبما أن كثيراً من الإعلانات اليوم وفي معظم الأسواق تتخذ من الفكاهة وسيلة سهلة للوصول ولفت الانتباه وجذب الاهتمام فقد كان من الطبيعي أن يلجأ إليها هؤلاء في تمرير إعلاناتهم ألا أنها في معظمها وصلت إلينا كنكتة (بايخة) أو أنه لم يفهمها أحد.
ويرى أحمد الشعلان في ختام راية أن الحلقة الأضعف هي في الأفكار الوطنية حيث قال: المعلنون من شركات ومؤسسات يبحثون عن تقنيات إنتاجية عالية إضافة إلى أفكار مبتكرة وعروض إبداعية، وبما أن الجزء الإنتاجي متوفر بكثرة في المملكة وخارجها فإن الحلقة الأضعف هي في الأفكار الوطنية الصرفة والتشخيص المحلي الأصيل بما فيه شخصية المرأة السعودية أو الخليجية أو حتى شخصية الرجل التي طالما شابها الكثير من التشويه بسبب عدم الفهم لأبعادها.
التثقيف الاستهلاكي
ونختم آراء الكتاب الإعلاميين مع الكاتب فهد الأحمدي الذي قال: بالتأكيد الإعلانات هي المحفز الأول لثقافة الاستهلاك بلا حدود أو ضوابط في المجتمعات المعاصر كافة.. وكونها تجارية بطبعها لا يجب أن نتوقع منها معايير أخلاقية أو أدبية عالية - بل للأسف قد يكون الهبوط (بأشكاله كافة) وسيله لضمان وصول الرسالة الإعلانية لأكبر شريحة ممكنه وبقائها في رأس المستهلك لفترة أطول من المعتاد.
ويتفق الأحمدي نوع ما مع الرأي القائل: بأن غياب ثقافة التثقيف الإعلامي لدينا كخليجين تجاه سياسية الإنفاق كذلك الضغوطات بأنواعها كافة تعتبر سبب جوهري بوضع غمامة على حاسة البصر لدينا لدرجة عدم الاعتراض على مثل هذه الإعلانات المسيئة لنا وذلك بأن قال: نعم هذا صحيح جزئيا.. وكي لا أظهر بدور المبالغ أو المتملق لا أطالب بسياسة الحد والتقنين (كونها سياسة فاشلة مقدما) بل بسياسة التثقيف الاستهلاكي والوعي بمعايير الجودة في أذهان المستهلكين.. بهذه الطريقة فقط تتحول الإعلانات إلى مجرد (رسالة) لوجود منتج وليس حملة ل(غسيل الدماغ).
ويرى فهد الأحمدي في نهاية رأيه أن المرأة قد أسيئ لها في الإعلانات حيث أوضح ذلك بقوله
للأسف المرأة مستغلة إعلانيا في المجتمعات كافة، وصورة المرأة الخليجية ليست مشوهة فقط بل وتائهة بين ممثلات مهضومات من الدرجة الخامسة ورغم أنني أحمل المستثمر ووكالات الإعلانات مسؤولية الإعلانات الهابطة ألا أنني أراهن مرة أخرى على ثقافة ووعي المتلقي والمستهلك العادي كون الأطراف الأخرى أطراف تجارية يهمها الربح قبل أي شيء آخر.
ماذا يقول الاجتماعيون
وكان لا بد أن نستمع إلى رأي مختصين في المجال النفسي والاجتماعي حيث قالت الأخصائية النفسية خلود باسماعيل: إن الإيحاء أحد أهم الأوتار الذي تعزف عليه الإعلانات من حيث لا يعلم المرء، بربط المنتج بحالة سعيدة أو بوجه جميل أو محبوب، وفي الحقيقة ذلك ليس بالضرورة سيء دائما، فنحن نلحظ في الآونة الأخيرة تلك الإعلانات التي تتوجه إلى تعزيز قيمة الذات ومكافئتها وهو تأثير ايجابي على النفس يحسب للدعايات مما يجعل الإنسان أكثر استشعارا لقيمته وأكثر سعيا عن وسائل لمكافئة نفسه وتلك ضرورة نفسية لتغذية تقدير الذات والمضي في الحياة بحماسة وسعادة اكبر، وتواصل باسماعيل حديثها قائلة: كما نذكر أيضا تلك التي تربط المنتج بقيم عائلية وأجواء أسرية وتفاصيل اجتماعية حميمة تربط الفرد بمجتمعه وتغرس داخله هذه القيم عن طريق الإيحاء وذلك أمر جيد، ولكن لا ننكر أن المبالغة في الاستهلاك والاستجابة للدعايات قد تؤدي إلى خلق حالة من عدم الاتزان بين إشباع حاجات النفس والجسد والروح، مما يؤدي إلى حالة من الخواء الداخلي وفقد الاتزان، مما يجعل الفرد فريسة محتملة للاضطرابات النفسية، ناهيك عن كون بعض أنواع الاستهلاك هي عبارة عن اضطرابات نفسية . وتختم خلود رأيها قائلة: وعلى أي حال فقابليات الجمهور للتأثر بالإعلان تختلف تبعاً لمستوى الإيحائية لديهم، كذلك بحسب الجنس فالنساء أكثر قابلية للتأثر من الرجال بحسب الدراسات الأخيرة.
نصدق سريعاً
ومن الجانب الاجتماعي تحدث لنا الدكتور ناصر العود أستاذ قسم الاجتماع والخدمة الاجتماعية بجامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية بقوله: المجتمع السعودي كغيره من المجتمعات الأخرى يؤثر ويتأثر بالطرق التسويقية عبر وسائل الإعلام كافة وذلك لعدة أسباب من أهمها تطور وسائل التسويق واستخدام القائمين عليها للأسس العلمية المبتكرة والمعتمدة أساسا على الجانب العلمي سواء في المفاهيم التسويقية أو النظريات العلمية وخصوصا في علم النفس وغير من العلوم المتصلة به.
وحقيقية أنا لا أرى أننا نهتم أو نتأثر بالوسائل التسويقية أو الإعلانات التجارية عن غيرنا وذلك من واقع التجربة الشخصية في العيش في المجتمع الأمريكي والسعودي. لكن أرى أننا ربما نختلف عن غيرنا في سهولة التصديق بما يشاهد أو يسمع عن منتجات أو مواد استهلاكية, فالواقع يشير إلى وجود عدد من السلوكيات الاستهلاكية التي تمارس من قبل نسبة كبيرة من أفراد المجتمع السعودي في المجمعات التجارية أو غيرها والتي توضح وبجلاء سهولة التعرض للمخادعة أو في كثير من الأحيان للغش عن التسوق. ويضيف قائلا: فغالبا من يعتمد المتسوق السعودي على التجربة الأولى أو المشاهدة فقط أو في أغلب الأحوال على ما أوصى به الآخرون في التأكد من جودة المنتج من عدمه, وتشكل النساء نسبة أعلى من الرجال وكذلك الأطفال والمراهقين عن غيرهم من أفراد المجتمع
وحول تأثر المجتمع بتلك الإعلانات خصوصا على ثقافة الاستهلاك لديهم فقد أوضح العود ذلك بأن قال: تشير الأبحاث العلمية في مجال التسويق والإعلام بشكل عام إلى أن توفر القوة الشرائية والقدرة المالية إضافة إلى بعض العوامل النفسية والاجتماعية تساهم وبشكل كبيرة في السلوك الاستهلاكي للفرد وبالتالي سرعة التأثر بالوسائل التسويقية. ونظرا لما أنعم الله به على هذه البلاد من توفر القوة الشرائية خصوصا في فترات الطفرة وما تلاها من سنوات فقد أدى ذلك إلى تنامي ثقافة الاستهلاك وبشكل مفرط لدى غالبية أفراد المجتمع. ويستطرد الدكتور العود قائلا: غير أنه من الملاحظ اختلاف هذا النمط الاستهلاكي في السنوات الأخيرة حيث أدى ارتفاع مستوى الوعي الاجتماعي نتيجة ارتفاع المستوى التعليمي وأيضا غلاء تكاليف المعيشة لبعض فئات المجتمع إلى وجود ثقافة شرائية جديدة تعتمد في الغالب على سياسة الاحتياج ومستوى الجودة. لكن تبقى قضية تأثير الدعاية الإعلانية ووسائل التسويق على عملية التبضع أو الشراء لدى أفراد المجتمع السعودي قضية تحتاج إلى مزيد من الدراسات والبحوث العلمية للتأكد من مدى تغيرها إيجابا أو سلبا حسب المتعارف علية اجتماعيا وقبل ذلك دينيا.
وأشار الدكتور ناصر العود في نهاية راية إلى الآثار الاجتماعية سواء الإيجابية أو السلبية للإعلانات التجارية حيث قال موضحا: سبق أن ذكرت في سياق الإجابة على السؤالين السابقين بعض من التأثيرات السلبية اجتماعيا من التعرض للإعلانات التجارية. لكن أعتقد أن التأثيرات سلبيا على الأطفال والمراهقين تكون أكبر من البالغين وعلى النساء أكثر من الرجال كما تشير بعض الدراسات العلمية في مجال التسويق.. كما أشارت عدد من الدراسات العلمية الحديثة التي ناقشت هذه القضية ومنها دراسة الأستاذ خالد النقية من قسم الاجتماع والخدمة الاجتماعية بجامعة الأمام إلى وجود عدد من السلبيات في الثقافة الاستهلاكية لدى غالبية أفراد المجتمع السعودي وخصوصا الأطفال والمراهقين كما طريقة عرض الإعلانات تساهم في تنمية بعض الأساليب السلوكية السيئة لدى المشاهدين ومحاكاة بعض الأطفال لبعض التصرفات لاسيما إن كان المنتج يسوق عن طريق ذات شعبية في المجتمع مثل نجوم الرياضة أو الفن.. كما تشير بعض الدراسات إلى تأثير عامل الإعلانات في زيادة الإفراط في تناول المشروبات الغازية والوجبات السريعة مما ساهم وبشكل رئيس - حسب الدراسات العلمية - إلى وجود مشكلة زيادة الوزن أو مرض السمنة في المجتمع السعودي والحقيقة أن سلبيات الإعلانات التجارية عددية ولا يمكن حصرها. أما بالنسبة لإيجابياتها فلاشك أن وجود هذا الكم من الإعلانات التجارية يساهم في زيادة ثقافة الفرد في الشرائية كما يوفر الفرصة للحصول على المنتج الأفضل بحكم وجود التنافسية في وسائل الإعلام المختلفة.